تعتبر جمهورية إفريقيا الوسطى دولة مغلقة غير ساحلية، تتوسط ست دول إفريقية. ولا يتجاوز عدد سكانها 5 ملايين، وتدين الغالبية منهم بالمسيحية مع وجود مقدر ومؤثر للمسلمين بخاصة في شمال البلاد وشرقها.

رغم نيلها استقلالها عن فرنسا عام 1960 لا تزال جمهورية إفريقيا الوسطى تعاني تداعيات ممتدة لإرث هذا الاستعمار والتدخلات الخارجية الأخرى والاقتتال الأهلي، إرث لا يتلاءم أبداً على ما يبدو مع وزنها الاستراتيجي والديموغرافي وبما تمتلك من موارد طبيعية محدودة ومن ثروات غابية ومعدنية مثل الذهب واليورانيوم والماس، في حدود لا يفي العائد منها بالتزامات الحكومة المحلية.

كما جعلها ذلك دولة هشة سرعان ما تنهار الحكومة فيها أمام أي حركة مسلحة أو تمرد عليها، ومسرحاً لحركات مسلحة معارضة من دول الإقليم كحركة جيش الرب اليوغندي وبعض الحركات المعارضة من تشاد ودولة جنوب السودان وفصائل سودانية من إقليم دارفور.

تطورات الأوضاع الأخيرة

كانت اتفاقية الخرطوم للسلام في جمهورية إفريقيا الوسطى التي جرى التوقيع عليها في 6 فبراير/شباط 2019 بين الحكومة و14 فصيلاً من الحركات المسلحة، التي أصبحت تعرف بالاتفاقية السياسية للسلام والمصالحة في إفريقيا الوسطى، تمثل أملاً لخروج البلاد من أزمة الحرب العرقية والدينية التي لم يشهد لها مثيل فى تاريخ هذه الدولة. كما أكدت على التزام دستور الدولة وتكوين حكومة وحدة وطنية بمشاركة جميع أطراف اتفاقية الخرطوم للسلام، وأن تقوم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها بنهاية ديسمبر/كانون الأول 2020.

عند حلول موعد الانتخابات التي جرى الترتيب لها بجهد محلي وإقليمي ودولي، ومع بعض التحديات المالية والأمنية والسياسية، كانت بعض القوى السياسية ترى ضرورة تأجيلها وأن تدار الفترة الانتقالية عبر حكومة تسند رئاستها إلى شخصية غير الرئيس الحالي فوستين أركانج تواديرا، إلا أن إصرار هذا الأخير وبدعم من الاتحاد الإفريقي وبعثة الأمم المتحدة والمجموعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا على إجراء الانتخابات في موعدها المحدد، في ظل احتقان سياسي وأمني في البلاد بسبب -ضمن أسباب أخرى- إقصاء بعض المرشحين لرئاسة الجمهورية بواسطة اللجنة الدستورية من القائمة المعتمدة في الحادي عشر من ديسمبر/كانون الأول 2020، أي قبل نحو أسبوعين من موعد الانتخابات العامة لعدم الأهلية، ومن ضمنهم الرئيس الأسبق فرانسوا بوزيزيه، أدى ذلك إلى أن تعلن بعض القوى السياسية عزمها رفض إجراء الانتخابات في هذا الموعد بحجة عدم توافر الظروف الأمنية المناسبة لذلك، كما دعا بوزيزيه لمقاومة ذلك بكل السبل بما فيها العمل المسلح انطلاقاً من منطقته باسانقوا الواقعة شمال البلاد بالقرب من الحدود مع تشاد.

خلال الهجمات التي تشنها هذه المجموعات خلال تقدُّمها، تدخل في تبادل لإطلاق النار ومعارك لساعات مع قوات الجيش وجنود بعثة الأمم المتحدة في إفريقيا الوسطى (AFP)

أجريت الانتخابات الرئاسية والتشريعية في موعدها في 27 ديسمبر/كانون الأول 2020، وفاز فيها من الجولة الأولى الرئيس فوستين أركانج تواديرا الذي تسيطر حكومته بالكاد على ثلث مساحة البلاد، بولاية رئاسية ثانية بـ53% من الأصوات على ستة عشر مرشحاً، في اقتراع أُجرِيَ وسط مقاطعة وحصار عسكري فرضته المليشيات والفصائل المعارضة للحكومة على العاصمة بانقي. ولا تزال القوى السياسية ترفض نتائج هذه الانتخابات بحجة عدم اكتمال النصاب الدستوري وهو ما يقدر بـ40% من أصوات المسجلين للانتخابات وعدم تمكن معظم الناخبين من الإدلاء بأصواتهم بسبب الأوضاع الأمنية التي تشهدها البلاد.

واتهمت بوزيزي بالسعي لتدبير انقلاب عسكري، واستنجدت بحلفائها الروس والروانديين من أجل المساعدة في تأمين الانتخابات، وسط تنديد المعارضة بالمخالفات الإجرائية، وعلى رأسها عدم تمكُّن ثلث المواطنين من الإدلاء بأصواتهم بسبب انعدام الأمن الذي تسبّب في وقف التصويت بأكثر من ألفَي مركز اقتراع في البلاد، والشكاوى من حدوث عمليات تزوير واسعة للبطاقات في ظل غياب المراقبين بالمناطق النائية.

نتيجة لتمسك كل طرف بموقفه انطلق العمل المسلح بقيادة فرانسوا بوزيزيه ضد الحكومة بعد إعلان ست من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقية الخرطوم للسلام التحالف معه، وتكوين ما عرف بتحالف الوطنيين من أجل التغيير، وخلال أقل من أسبوع تمكنت من الوصول إلى مشارف العاصمة بانقى، ولولا التدخل الروسي والرواندي القوي لتغير المشهد السياسي تماماً ولما استطاعت الحكومة إجراء الانتخابات في العاصمة بانقي وبعض المحافظات التي تسيطر عليها بمساعدة بعض الحركات الموالية لها.

يأتي إصرار الرئيس الأسبق فرانسوا بوزيزيه على خوض الانتخابات لاعتقاده أنه يحظى بشعبية كبيرة بخاصة وسط المسيحيين، ولاعتقاده أنه يجد دعماً مقدراً من المؤسسة العسكرية كما ادعى التأييد من فرنسا وتشاد وجمهورية الكونغو مستغلاً توتر علاقات حكومات هذه الدول مع حكومة تواديرا.

لا شك أن توتر العلاقات بين فرنسا وحكومة تواديرا بسبب الدور المتزايد لروسيا في هذه البلاد يلعب الدور الأساسي في الوضع الحالي، يضاف إلى ذلك توتر العلاقات مع بعض دول الإقليم مثل تشاد وجمهورية الكنغو.

كما لا تزال قوات تحالف الوطنيين من أجل التغيير بقيادة بوزيزيه تحاصر العاصمة بانقي وقطعت الطريق الرئيسي الذي يربطها بميناء دوالا في الكاميرون، ولم تفلح قوات بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام من أبعادها عن هذا الشريان الحيوي كما تمكنت من أن تخوض معارك داخل بانقى، إلا أن القوات الروسية والرواندية تمكنت من التصدي لها وأجبرتها على الخروج من العاصمة والتمركز على بعد عدة كيلومترات منها محتمية بالغابات الكثيفة ولتهدد الطرق القومية التي تربط بانقى ببقية أطراف البلاد.

فرنسا وروسيا وطرفا الصراع

بينما يقف الرئيس تواديرا وهو يحظى بدعم غير محدود من روسيا التي تُقدِّم له الأسلحة والتدريب للجيش والقوات الخاصة وتُشرِف بشكل مباشر على جميع المهام الأمنية في البلاد بما في ذلك الحراسة الشخصية والعمليات العسكرية المباشرة ضد المتمردين وبسند عسكري من دولة رواندا، أملاً في تأمين بقائه كرئيس موالٍ لها في السلطة لفترة جديدة، نجد على الجانب الآخر أن تحرُّكات المعارضين تحظى بدعم ضمني ومباركة من فرنسا، التي تشعر بعدم الرضا تجاه النفوذ الروسي المتزايد في أحد بلدان إفريقيا الفرنكوفونية، وبذلك فهي تسعى جاهدة لتبديل الرئيس الحالي الموالي لموسكو واعتماد آخرَ موالٍ لها.

مقاتلات فرنسية تنفذ طلعات فوق إفريقيا الوسطى وسط توترات كبيرة بعد الانتخابات (Reuters)

حتى بعد استقلالها عام 1960 ظلّت إفريقيا الوسطى تعتمد اعتماداً كبيراً على دعم فرنسا، التي احتفظت بقاعدة عسكرية ثابتة في البلاد حتى عام 1997، لدرجة أن كل مَن حكموا الدولة تقريباً وصلوا إلى السلطة عبر انقلابات عسكرية مدعومة من باريس رأساً. كذلك لا يوجد زعيم للبلاد كان قادراً على البقاء في السلطة من دون دعم كامل وصريح من العاصمة الفرنسية.

بدأت المغامرة الروسية في بانقي عام 2017، حين ناشد الرئيس المنتخب حديثاً "تواديرا" مجلس الأمن الدولي لتعديل حظر الأسلحة المفروض على بلاده من أجل السماح لقوات الجيش باستيراده للدفاع عن نفسها. واقترحت موسكو التبرع بالأسلحة الخفيفة سرعان ما تحوَّل إلى وجود أمني كثيف، وأخلت موسكو أسلحة مختلفة للبلاد، كما عقدت اتفاقيات لاستغلال المعادن والموارد ومصادر الطاقة، جنباً إلى جنب مع تعزيز البنية التحتية وتطوير العلاقات التجارية مع دولة إفريقيا الوسطى.

شرعت موسكو أيضاً في فتح اتصالات خاصة مع الجماعات المتمردة والفصائل العسكرية التي تسيطر بحكم الواقع على أكثر من ثلثي مساحة البلاد، وعلى رأسهم زعيم متمردي سيليكا ورئيس البلاد الأسبق دجوتوديا، وهدفت تلك الاتصالات في البداية إلى التفاوض على عقود التنقيب في مناجم الذهب والألماس الخاضعة لسيطرة الفصائل المتمردة لصالح مجموعة فاغنر، التي أسّست شركة تعدين في البلاد عام 2018 تحت اسم Lobaye Invest

سرعان ما نجحت روسيا في تحويل هذه العلاقات النفعية إلى شكل من أشكال النفوذ السياسي بعدما استغلّت فشل عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وأطلقت مساراً خاصا بها للتسوية السياسية، مما أدّى إلى ظهور الخلاف المكتوم بين روسيا وفرنسا للعلن أخيراً. ومع إدانة الفرنسيين لتحرُّكات موسكو بشكل صريح؛ انخرط برلمان جمهورية إفريقيا الوسطى في صراع سياسي بالوكالة بين الموالين لموسكو والموالين لباريس، صراع أدّى في النهاية إلى الإطاحة برئيس البرلمان والمرشح الرئاسي السابق الموالي لفرنسا "عبد الكريم ميكاسوا" بتهمة إساءة استخدام الأموال العامة واستغلال السلطة، في إشارة واضحة إلى النفوذ الذي باتت روسيا تتمتع به بفضل تحالفها مع الرئيس تواديرا.

انهيار الاتفاقية السياسية للسلام والمصالحة

لم تتمكن نتائج الانتخابات الأخيرة من جلب السلام أو الوحدة للبلد الإفريقي الممزق بالصراعات، وتأكد انهيار الاتفاقية السياسية للسلام والمصالحة أو ما تعرف باتفاقية الخرطوم للسلام والتي جرى التوقيع عليها يوم 6 شباط/ فبراير 2019 بعد تفاوض مباشر بالخرطوم في السودان دام لمدة عشرة أيام بين ممثلي الحكومة وأربعة عشرة حركة مسلحة بعد فشل ثماني اتفاقيات أخرى سابقة لها، لكن هذا الصراع الذي يبدو في ظاهره اشتباكاً داخلياً بين الفصائل المحلية حول السلطة يخفي بين طياته تنافساً أعمق وراء الكواليس بين قوتين أجنبيتين تتصارعان بشدة على النفوذ السياسي والموارد المحدودة والوجود العسكري والإستراتيجي هناك، هما فرنسا صاحبة التاريخ الاستعماري في هذا البلد وروسيا التي تسعى نحو إيجاد موطئ قدم في القارة السمراء .

بين مطرقة وسندان هذا الصراع الدموي نجد أن إفريقيا الوسطى، البلد الخارج لتوّه من حرب أهلية ذات أبعاد إثنية ودينية مدمرة، والذي أعادت إليه اتفاقية الخرطوم للسلام الأمل في أن ينعم بالسلام وإرساء دعائم حكم ديمقراطي رشيد، قد ولج موجة جديدة من العنف يُرجِّح أن تأثيرها سيتجاوز حدود البلاد مُهدِّداً الاستقرار الهش في بعض دول الجوار، وعلى رأسها تشاد والسودان وجنوب السودان والكاميرون. أما تباين المواقف الدولية والإقليمية والمحلية من الصراع سيجعل من الصعب الوصول إلى تسوية سلمية تحفظ للبلاد سلامة أراضيها ووحدتها وإرساء الحكم الديموقراطي فيها.

TRT عربي