يشاهد العالم منذ أسابيع مأساة إنسانية يعيشها الشعب الفلسطيني الأعزل، تشريد وهدم المنازل فوق رؤوس سكانها، تدمير للبنى التحتية، حصار وقمع غير مسبوق على كامل الأراضي المحتلة، جيش الاحتلال والمستوطنون  يقتحمون المنازل ويعتقلون الأطفال والنساء والشيوخ.

تدور هذه الأحداث يومياً أمام أعين ومسامع وسائل الإعلام العالمية وكبرى القنوات الغربية، التي تصر على خطها التحريري المنحاز للكيان الإسرائيلي. لم تعُد تواري هذه القنوات دعمها وانحياز لرواية أحادية لما يجري على أرض الواقع.

أمام ذهول المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان والنشطاء والأقلام الحرة، تُقلَب المعطيات ويصوَّر أصحاب الحق كأنهم جُناة. يُعتَّم على جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان من خلال سرديات مقتضَبة تستعمل معجماً لغوياً على المقاس. في المقابل يركز الإعلام على تجريم المقاومة وإخراجها في صورة المعتدي رغم فظاعة ما يجري على أرض غزة وعدم توازن القوى واستعمال أسلحة محرمة دوليّاً.

نشطت منذ أزمة حي الشيخ جراح واقتحام ساحات المسجد الأقصى عمليات تغطية مباشرة باستعمال الجوال، في شكل صحافة المواطنة. كانت تلك المشاهد التي تُبَثّ مباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي توثّق وحشية الشرطة الإسرائيلية والمستوطنين الإسرائيليين وهجماتهم العنيفة ضد السكان الفلسطينيين والنشطاء الذين يحتجّون سلمياً على التهديد الوشيك بإجلائهم عن منازلهم. وكانت هذه المشاهد تمثل المادة الإعلامية الرئيسية التي فضحت الصهاينة وشكّلَت وثيقة إدانتهم.

ولكن سرعان ما انضم إلى جوقة الإعلام الموالي لإسرائيل عدد من منصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت تلعب دوراً آخَر تُطمَس من خلاله معالم الجريمة ويُتمَّم الجرم الأخلاقي الذي يرتكبه الإعلام الغربي بجرم أبشع منه.

يشهد المحتوى الفلسطيني لتضييق ممنهج من قبل منصات التواصل الاجتماعي. الصورة من موقع ARAB NEWS (Others)

أساساً، انطلقت منصات فيسبوك وإنستغرام وتويتر في حجب كل محاولات نشر الحقيقة والقصص التي يعيشها سكان القدس والمصلون في المسجد الأقصى.

فرض فيسبوك وإنستغرام وتويتر الصمت حتى لا نرى الحقيقة بأعين المدونين. يفعل العدو الإسرائيلي ما يريد، يشرّد ويعتقل ويقتل وينتهك المقدس. يقصفك ويدمرك ولا يمكنك أيها الفلسطيني أن تلتقط صوراً وتنشرها، يمنع عنك التدوين حتى تنقل للعالم بشاعة ما يحصل لك. من البداية كان وسم "القدس" ممنوعاً من النشر.

وليست هذه المرة الأولى التي تعمد فيها شركتا فيسبوك وتويتر إلى إسكات محتوى تظاهرات الشعب الفلسطيني بصورة ممنهجة، فقد سبق أن تورطت هذه المنصات في تعاملها مع الحكومة الإسرائيلية والتنسيق معها. وقد رصد عديد من منظمات حقوق الإنسان منذ سنة 2013، تاريخ فتح مكتب لشركة فيسبوك في تل أبيب، أن التنسيق أصبح بشكل مباشر، إذ يلتقي مسؤولو فيسبوك مع الإدارة الإسرائيلية لتنسيق حجر الصفحات الداعمة للفلسطينيين.

واصلت منصات التواصل الاجتماعي انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني المحتلّ في التعبير عن رأيه ومعاناته وتوسع الحجب على كامل الشبكة باستهداف كل وسم يستعمله النشطاء، وقامت خلال الأيام الماضية بحجب الحسابات الشخصية التى تحتوي على كلمات "المقاومة" و"المسجد الأقصى".

حُذفت آلاف المنشورات والحسابات التي توثق ما يجري، حتى بات حجم حالات إزالة المحتوى وتعليق الحسابات التي أبلغ عنها المستخدمون، ووثقتها المنظمات الحقوقية، دليلاً واضحاً وصريحاً على الاستهداف الممنهج وطمس الحقيقة.

أصبح واضحاً أن قرار المنصات جاء بالتنسيق مع الكيان الصهيوني لا نتيجة استعمال محتوى محرَّم أو خطأ فني كما حاول ادّعاءه إنستغرام وفيسبوك. وكشف هذا الاتفاق عن تورط هذه المنصات بوضوح في انتهاك لحقوق الفلسطينيين الأساسية، ومن ضمنها الحق في التعبير، والحق في حريتَي التجمع والتظاهر في الفضاء الرقمي.

أصبحت عملية إزالة المحتوى تخضع لرقابة دقيقة وحتمية من خلال تقنية الذكاء الصناعي وخوارزميات فيسبوك التي تحلّل وتدير المحتوى في المنصة بمختلف اللغات.

ولقد واجه كل النشطاء الذين تحركوا منذ أزمة حي الشيخ جراح عمليات حجب اضحة لمجرد استعمال الوسم #القدس، رغم أن المحتوى الذي كان يصوَّر ليس فيه تحريض ولا عنف، بل كان أغلبه في شكل قصص توثّق ما يجري في الميدان.

واحدة من صفحات السوشيال ميديا التي نشطت في نقل الاعتداءات الإسرائيلية في ساحات المسجد الأقصى (Others)

المقاومة الإلكترونية عنوان لجيل سياسي جديد

تنشأ الأجيال السياسية إثر الأحداث التاريخية المهمة، مثل الأزمات الاقتصادية الخانقة أو الحروب. وكما تَربَّت أجيال على صدمة قرار تقسيم القدس والحرب ضد إسرائيل وحلم الوحدة العربية، يشاهد شباب العالم اليوم صدمة قيميَّة قوية بين ما صوَّرته منصات التواصل الاجتماعي على أنه حرية في الفضاء الافتراضي وعلاقات اجتماعية جديدة تَعهَّد بها كل من فيسبوك وتويتر على أسس احترام مبادئ القيم الإنسانية، تكسرت الآن على أعتاب الوهم وإزاء هذا الحدث التاريخي المزلزل، وهو ما يحصل من فظائع في غزة و جرائم حرب تواطأت فيها هذه المنصات بالحجب والتعتيم.

تحول الحلم من التغيير الاجتماعي والاقتصادي من خلال الفضاء الافتراضي لفئات عمرية كبيرة، إلى مقاومة تحشد للعمل من أجل فكّ الارتباط من هيمنة فيسبوك وتويتر وفرض التغيير الاجتماعي والسياسي من خلال مقاومتهم أولاً، والبحث عن بدائل تقنية جديدة تحترم قيم مجتمعنا وهويته وقضاياه.

زاد هذا الوعي وإرادة التحرر مع اتساع رقعة المقاومة على الميدان وصمود غزة الأسطوري، فأخذ الفضاء الافتراضي أبعاداً أوسع وتَحوَّل إلى رمز حقيقي للمقاومة، وتَحوَّل التدوين والتعليل والوسم من أدوات مناهضة لإسرائيل ولكل من يساندها في أنحاء العالم إلى صورة معبِّرة عن جيل سياسي جديد يقاوم بأسلحته الخاصة.

نشطت صفحات خاصة لمؤثرين على السوشيال ميديا في نقل الأحداث في القدس أولاً بأولا وهو ما ساهم بشكل كبير في فضح الاعتداءات الإسرائيلية. (Others)

يشهد كل الملاحظين هذا العمل الإلكتروني غير المسبوق للحشد والمناصرة والتظاهر في عواصم العالم، حتى أصبح هاشتاغ #gazaunderattack عنواناً لتحدي هذه المنصات وعلامة لمقاومة تَغوُّل قواعد البيانات الضخمة على حرية التعبير. ولإرادة التحرر من هيمنتها على العقول وعلى ما يجب أن نفكر فيه.

TRT عربي
الأكثر تداولاً