الغاز التركي (AA)
تابعنا

تَسبَّب الهجوم العسكري الذي شنّته القوات الروسية على أوكرانيا يوم 24 فبراير/شباط الماضي، في ارتفاع غير مسبوق وجنوني في أسعار الطاقة، تداعت له أغلب الأسواق العالمية.

وبعد أن كان تركيز المجتمع الدولي في البداية على دعم كييف وضمان سيادتها بمزيد من العقوبات والتضييق على موسكو، تَحوَّل الانتباه مجدداً نحو هذه الأزمة الجديدة المستعرة، التي تهدّد بشدةٍ اقتصادات بلدان الاتحاد الأوروبي.

وانطلقت على الفور أغلب العواصم الأوروبية في طرق أبواب جديدة، للبحث عن بدائل آمنة للغاز الروسي. وبدأ الحديث يدور في هذه الأوساط عن كثير من الاحتمالات، فيما يتباحث مسؤولون غربيون في هذه الأثناء المعوقات المحتمَلة لهذه البدائل.

على الصعيد ذاته لفت خبراء ومختصون إلى أنه بإمكان الموقع الاستراتيجي الذي تحظى به تركيا، أن يكون المنفذ للقارة الأوروبية، لتزويدها بالغاز وتخفيف وطأة الأزمة.

ما البدائل المحتمَلة للغاز الروسي؟

قبل فرض العقوبات وإعلان الحظر على واردات الطاقة الروسية، كانت موسكو تمثّل المزوّد الرئيسي للبلدان الأوروبية بنحو 40% من إمدادات الغاز الطبيعي، الذي كان يستخدمه ملايين الأوروبيين في تدفئة منازلهم وتشغيل الكهرباء.

بالتالي تَسبَّب القرار في صدمات شديدة في الإمدادات، أدَّت إلى ارتفاع الأسعار بشكل مقلق وغير مسبوق.

دفع ذلك مسؤولي التكتل والولايات المتحدة إلى البحث عن إمدادات بديلة لمجابهة الأزمة، وتأمين احتياجات أوروبا من الغاز باستمرار. وكان النقاش حول ذلك أُثيرَ خلال الأشهر الأخيرة قبل إعلان موسكو بدء هجوم عسكري على أوكرانيا.

إذ أفادت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بداية شهر فبراير/شباط الماضي بأن "الاتحاد الأوروبي تحدث مع الولايات المتحدة وقطر ومصر وأذربيجان ونيجيريا وكوريا الجنوبية عن زيادة شحنات الغاز والغاز الطبيعي المسال، من خلال إما شحنات إضافية وإما مبادلات عقود".

وتُعَدّ الولايات المتحدة، في هذا السياق، أكبر مورِّد للغاز الطبيعي المسال إلى الاتحاد الأوروبي، وزادت قيمة صادراتها إلى أوروبا خلال فصل الشتاء بنحو 15% على ما كانت عليه قبل عام، حسب بيانات رسمية لشركة "إس آند بي غلوبال بلاتس" (S&P Global Platts).

وبينما لا تكفي الإمدادات الأمريكية من الغاز المسال وحدها لطمأنة الأوروبيين بتعويض الغاز الروسي، لفت مراقبون ومختصون بناء على المحادثات التي أطلقها مسؤولون أمريكيون وأوروبيون، إلى أن الغاز القطري قد يكون الحلّ في تزويد أوروبا بكميات كبيرة إلى حين استخراج غاز شرق المتوسط.

وتُعتبر قطر أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، تتجاوزها في ذلك الولايات المتحدة بفارق ضئيل.

ولكن البعد الجغرافي لقطر عن بلدان الاتحاد الأوروبي، وكلفة الشحن المرتفعة، قد لا تجعل من ذلك أفضل الخيارات لحلّ الأزمة بلا تدخل إضافي.

وتُعَدّ الجزائر أيضاً، ثالثُ أكبر مزود للغاز لدول الاتحاد الأوروبي بعد روسيا والنرويج، أحد هذه البدائل المطروحة، إذ صدّرَت الجزائر خلال عام 2021 نحو 34 مليار متر مكعب من الغاز إلى دول الاتحاد الأوروبي، أي نحو 8% من إجمالي واردات القارة، عن طريق خطوط أنابيب ممتدة عبر البحر المتوسط إلى إسبانيا وإيطاليا. وتنوي زيادة إنتاجها، إلا أن التوترات الأخيرة بينها وبين المغرب قد يكون عائقاً أمام مزيد من ضخّ الغاز، بخاصة عبر خطّ أنبوب "ميدغاز" الذي يمر إلى أوروبا عبر المغرب.

على الصعيد ذاته ناقش خبراء ومسؤولون، أن تزوّد مصر أيضاً القارة الأوروبية بكميات مضاعفة من الغاز الطبيعي، بخاصة بعد تسجيلها نمواً لافتاً وطفرة ضخمة في صادرات الغاز المسال خلال عام 2021.

فيما طرحت بدائل أخرى، يتطلع الأمريكيون والأوروبيون إلى أن تتمكن بدورها من سدّ هذه الفجوة، على غرار أذربيجان وكركوك (العراق) وبلدان حوض شرق المتوسط، التي يؤكد خبراء ومختصون أن تركيا ستكون مفتاحاً إلى هذه المسالك انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي.

كيف تساهم تركيا في تأمين الإمدادات؟

قد تبدو البدائل والاحتمالات لموارد جديدة من الغاز، عديدة أمام الأوروبيين، فإن بعض المعوقات الناجمة عن البعد الجغرافي وضعف الإمكانيات اللوجستية، قد تحول دون الاطمئنان إلى هذه الخيارات.

وعلى هذا الصعيد يلفت مسؤولون ومختصون إلى أن تركيا قد تكون مساهمة بشدة في تأمين هذه الإمدادات، وتتحول إلى جسر حيوي لنقل الغاز من بحر قزوين وآسيا الوسطى إلى أوروبا، بخاصة بعد إبداء الولايات المتحدة عدم اهتمامها بدعم مشروع خط أنابيب الغاز "إيست ميد" EastMed الذي اتفقت عليه كل من اليونان وإدارة جنوب قبرص وإسرائيل، لنقل الغاز إلى أوروبا، وكان يستثني تركيا من حقوقها في غاز المتوسط ويعتدي على مياهها الإقليمية واتفاقياتها البحرية مع ليبيا.

ووضع الاتحاد الأوروبي سابقاً خططاً لكسر الاحتكار الروسي وتعزيز أمن الطاقة الأوروبي، احتلت فيها تركيا أهمية كبرى.

إذ ساهمت تركيا في تشكيل الملامح الأولى لمشروع "الممر الجنوبي" الذي يمكّن من نقل الغاز الطبيعي من آسيا الوسطى، جنوب القوقاز والشرق الأوسط، إلى أوروبا.

كما دشّنت تركيا خط غاز جنوب القوقاز (باكو-تبليسي-أرضروم) في أواخر عام 2006 لنقل الغاز الأذربيجاني إلى تركيا ومنها إلى أوروبا. وطورت بعد ذلك أذربيجان بالتنسيق مع الجانب التركي خططاً تصديرية لإيصال الغاز إلى الأسواق الأوروبية.

ويرجّح خبراء ومختصون أنه بإمكان تركيا أيضاً تأمين نقل الغاز القطري إلى كركوك ومنها إلى أوروبا كمعبر مستقبليّ لخطوط الغاز.

على الصعيد ذاته كثفت أنقرة خلال السنوات الأخيرة بناء شركات وتحالفات مع الدول المنتجة للغاز في الشرق، بشكل يعتقد من خلاله كثيرون أنها قد تساهم في تأمين حلّ الأزمة.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً