لا تزال ظروف اعتقال المحتجزين في السجون العراقية تثير قلقاً متنامياً لدى الأوساط الحقوقية إلى اليوم حول انتهاك حقوق الإنسان، بلا أي رادع قانوني.

كشف مؤخراً تقرير أصدرته بعثة الأمم المتحدة في العراق ومكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ممارسة السلطات العراقية العنف والتعذيب داخل أقبية السجون وفي مراكز التحقيق لافتكاك الاعترافات من المحتجزين.

ووسط تنديد حقوقي ودولي، تلتزم الجهات الرسمية في العراق الصمت أو الإنكار إزاء ما وُجّه إليها من تهم، تفضح خرقها المواثيق والقوانين التي وقّعَتها في السابق والتزمت فيها احترام وحماية حقوق الإنسان.

وليست هذه هي المرة الأولى التي تفضح فيها المنظمات الحقوقية والإعلامية في العالم، الظروف الوحشية للاعتقال في السجون العراقية، ولعل من أفظعها انتهاكات سجن أبو غريب، مما يطرح السؤال اليوم بشدة: هل بات التعذيب والصعق والعنف الأساليب المعتمدة والراسخة في السجون العراقية على اختلاف ممثلي السلطة في العراق؟

خنق وصعق.. العراق ينتهك حقوق المعتقَلين

تحت عنوان "حقوق الإنسان في تطبيق العدالة في العراق: الشروط القانونية والضمانات الإجرائية لمنع التعذيب والمعاملة السيئة"، نُشر تقرير أممي يوم الثلاثاء 3 أغسطس/آب الجاري، يسلط الضوء على الانتهاكات والخروقات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكَبة في السجون العراقية، خلال الفترة الممتدة من 1 يوليو/تموز 2019 إلى 30 أبريل/نيسان 2021.

واعتمد التقرير على مقابلات أُجريَت سابقاً مع عدد من السجناء وأهالي بعض المعتقلين وموظفي السجون والمحامين وغيرهم، وفي معرض سؤالهم عن ظروف الاعتقال كشف السجناء السابقون عن تعرضهم في كثير من الأحيان للضرب المبرح، وإجبارهم على وضعيات مجهدة، والصعق بالكهرباء، والخنق، إضافة إلى اعتداءات جنسية.

وفي السياق ذاته علّق أحد السجناء عن ذلك قائلاً: "لقد عشتُ أسوأ أيام حياتي، وما إن وصلتُ إلى السجن حتّى انهالوا عليّ ضرباً بأنابيب معدنية. وفي الأيام التالية استخدموا سلكَي كهرباء مكشوفَين وصعقوني بالتيار الكهربائي".

ورغم أن القوانين في العراق تجرّم التعذيب وتنصّ على ضمانات إجرائية لمنعه، ويشدّد في الوقت ذاته القانون الدولي بشكل صارم ويحظر ممارسة التعذيب حتى في أوقات الحروب وحالات الطوارئ، يواصل العراق دون تردُّد انتهاكاته لالتزاماته الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وأكد التقرير الأممي ضرورة إجراء مساءلة قانونية في أقرب وقت للمتورطين في العنف والتعذيب، وتفعيل قوانين الرقابة لمراكز الاحتجاز، لكي لا تكون مجرَّد حبر على ورق، إضافةً إلى ضرورة اعتماد خطة عمل وطنية لمناهضة التعذيب.

كما شدّد التقرير على أن "المنع الفعَّال ومقاضاة التعذيب وغيرهما من ضروب سوء المعاملة، من شأنها أن تتصدى لسرديات الجماعات الإرهابية وتحدّ من قدرتها على استغلال مثل هذه الممارسات لتبرير أعمال العنف التي ترتكبها".

ولكن مع ذلك، وعلى الرغم مما كشفه التقرير من حالة السجون العراقية، لم يكن الأمر مفاجئاً أو صادماً كثيراً للرأي العامّ، الذي يعلم حقيقة ما يُمارَس خلف القضبان وداخل أقبية المعتقلات في العراق منذ زمن طويل.

السجون العراقية.. سنوات من العنف والتنكيل

وإن التزمت السلطات العراقية الصمت حول ما نُشر من حقائق وتفاصيل تُدينها بالتورط في ممارسة العنف والتعذيب ضد المحتجزين، فقد أنكرت في وقت سابق على لسان وزير العدل سالار عبد الستار وجود أي انتهاكات داخل مراكز الاحتجاز والتحقيق.

وأشارت تقارير حقوقية وإعلامية سابقة إلى وجود حالات من التعذيب والمعاملة السيئة للمحتجزين، داخل السجون التي تخضع للسلطات العراقية، وذلك منذ انتقال السلطة في يونيو/حزيران 2004.

ومع كل محطة سياسية فارقة في حكم العراق يتعرض كثير من الناشطين والسياسيين للملاحقة والاختفاء القسري والاحتجاز في ظروف مريعة، لأنه في الفترة السابقة للانتخابات البرلمانية في ديسمبر/كانون الأول 2005، نفّذَت السلطات العراقية عديداً من الاعتقالات، ومارست التعذيب والعنف بوحشية على أكثر من 170 معتقلاً، كشفت عنهم مداهمات لقوات أجنبية تحركت إثر ضغط حقوقي دولي.

وفي السياق ذاته كشفت بعد ذلك منظمة العفو الدولية عام 2006 في تقرير مفصل، تَعرُّض المعتقلين العراقيين للصعق بالكهرباء والضرب بالكابلات البلاستيكية وغيرها، في إخلال واضح للضمانات الواردة في القوانين العراقية والمواثيق الدولية بعدم تعريض السجناء للتعذيب وتمتيعهم بالمثول أمام القضاء بلا تأخير.

وإثر تردُّد عديد من الأنباء عن تورط السلطات العراقية في تعذيب المحتجزين وتعنيفهم، حوصرت الهيئات المستقلة في مراقبة مرافق الاعتقال، وقُيّدَت حريتها في الوصول إلى المعتقلين وذويهم لإماطة اللثام عن كثير من التجاوزات.

واليوم مع ارتفاع عدد المعتقلين من الناشطين والسياسيين والحقوقيين، إثر الحراك والاحتجاجات التي اندلعت مؤخراً في العراق، تصبح قضية تفعيل قوانين الرقابة ومساءلة الجهات الرسمية أمراً ملحّاً لوضع حد لهذه الممارسات التي استمرت فترة طويلة بلا رادع قانوني.

TRT عربي