أصابت موجة الجفاف التي تعرضت لها مدينة إسطنبول خلال العام الماضي قلقاً عارماً لدى عامة الجماهير.

وشهد مستوى المياه بسدود المدينة انحداراً مسجلاً أدنى مستوى له منذ عشرة أعوام، وإلى ما دون 30%، وهو المنسوب الذي كان يكفي المدينة 45 يوماً فقط، وفقاً للإحصاءات الرسمية الصادرة عن الدولة التركية.

وعلى الرغم من هطول الأمطار المكثف لاحقاً وارتفاع المناسيب في السدود المختلفة إلى ما يزيد على 60%، إلا أن الجدل حول التغيرات المناخية وتأثيراتها السلبية على الواقع التركي بصفة عامة لا سيما على القطاع الزراعي والأمن الغذائي لا يزال مُثاراً بصورة كبيرة، إلى درجة مناشدة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والخبراء بضرورة ترشيد المياه وسرعة التحول نحو أنظمة ري موفرة للمياه بخاصة في ظل استهلاك القطاع الزراعي لنحو 77% من الموارد المائية التركية.

ومما زاد من حدة القلق العام أن هذه لم تكن المرة الأولى التي يضرب فيها الجفاف تركيا، فقبل أعوام قليلة دفعت موجة جفاف عاتية وزير المياه والغابات التركي آنذاك للقول: "إن تركيا شهدت أسوأ موجة جفاف سنة 2017 لم تعرفها البلاد منذ 44 سنة بسبب الانخفاض الكبير فى الأمطار"، ومعها بدأ التحذير من الآثار السلبية للتغيرات المناخية على الموارد المائية التركية.

وتكاثرت الحفر الكبيرة التي سبَّبها الجفاف في السنوات الأخيرة وباتت كافية لابتلاع سيارة في أكثر سهول تركيا خصوبة، الأمر الذي أثار قلقاً متزايداً بين المزارعين الذين يخافون من اقتراب هذه الحفر من منازلهم. وتتشكل الحفر العميقة للغاية عندما تنهار التجاويف في باطن الأرض والتي كانت تخزن المياه تحت وطأة وزن التربة.

وهو الأمر الذي دفع الخبراء إلى الحديث حول أن تركيا تواجه جفافاً مزدوجاً بسبب التغيرات المناخية، أولاً وبشكل رئيسي بسبب الطقس الجاف، وثانياً بسبب انخفاض منسوب الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية، وهو الضرر الذي امتد إلى التأثير السلبي على إمدادات نهرَي دجلة والفرات إلى سوريا والعراق.

وتغيُّر المناخ مشكلة متعددة الأبعاد ذات عواقب بيئية واجتماعية واقتصادية خطرة وتنتج بشكل رئيسي عن زيادة الغازات الدفيئة بالغلاف الجوي، لاسيما انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من محطات توليد الطاقة والأنشطة الصناعية، وتؤثر تغيرات المناخ العالمي على درجة الحرارة وهطول الأمطار، مما يشكل تهديداً كبيراً لتوافر الموارد المائية على أساس إقليمي.

ويمكن اعتبار تركيا دولة شديدة التعرض للآثار السلبية لتغير المناخ العالمي بسبب وجود العديد من المناطق المناخية بولاياتها المختلفة ولكونها تقع في حوض البحر الأبيض المتوسط لا سيما فيما يتعلق بدرجة الحرارة وهطول الأمطار، وتمتد هذه التأثيرات إلى توافر المياه، فضلاً عن جودتها وتوزيعها، وإلى التغييرات في الجريان السطحي ومصدر إمدادات المياه المتجددة بالمناطق التركية المختلفة، وهي النتائج المباشرة للتغيرات في هطول الأمطار والتبخر التي تتأثر بشدة بدرجة الحرارة.

وتشير الدراسات المتخصصة إلى أن من المتوقع أن تزداد درجة الحرارة اليومية بمقدار 2.5-3 درجات مئوية، ويواكبها انخفاض في معدلات هطول الأمطار، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه التغييرات قد تختلف بشكل كبير بين المناطق التركية، إذ تتميز تركيا بتنوُّع مناخي كبير بمناطقها، فتعرف المناطق الجنوبية بالصحارى الساخنة، بينما يهيمن البرد السيبيري بالشمال الشرقي، وفي الغرب يساعد المحيط الأطلسي -مصدر واسع لبخار الماء- بضخ الطاقة بسواحل تركيا على البحر المتوسط وإيجة.

ومن المتوقع أن تكون منطقة البحر الأبيض المتوسط الأكثر تأثراً بهذه التغيرات، إذ يتوقع أن تنخفض كميات أمطارها بشدة ليس فقط في الصيف بل سيمتد إلى الشتاء الذي من المتوقع انخفاض أمطاره ​​بنسبة 42-46% بحلول 2070، على الرغم من ارتفاع متطلبات المحاصيل الزراعية بنسبة 5-10%.

ولفت ليفينت كورناز الخبير بمركز تغير المناخ بجامعة البوسفور إلى أن الخطر الأكبر على تركيا من المخاطر المحتملة لتغير المناخ يتمثل بتهديد الأمن الغذائي وإمدادات المياه في البلاد، وأن الجفاف هو القضية الأكثر إلحاحاً التي تحتاج تركيا إلى مواجهتها، وأن نقص المياه سينعكس بشكل أكبر على الزراعة والأمن الغذائي التركي.

لم تغب الدولة التركية عن مساندة القطاع الزراعي ومشروعات الري، فشيدت خلال آخر 18 عاماً 600 سدّ و423 بركة ريّ و1457 مرفقاً للري، وكان من الطبيعي أن ينتج ذلك قفزة نوعية في الإنتاج والصادرات الزراعية، فقفز الإنتاج الزراعي خلال الـ16 عاماً الأخيرة من 6.7 مليار دولار إلى 38.8 مليار دولار، وقفزت الصادرات الزراعية من 3.7 مليار دولار إلى ما يزيد على 18 مليار دولار خلال آخر 18 عاماً.

وبحلول عام 2030 تستهدف خريطة التنمية المستديمة التركية القضاء على الجوع وتحقيق الأمن الغذائي وتحسين التغذية وبناء مخزون استراتيجي من السلع وتقليل الفاقد على امتداد سلسلة الإنتاج والتسويق والاستهلاك من أجل ضمان الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي.

تقف آثار التغيرات المناخية وفي مقدمتها الجفاف في وجه الطموحات التنموية التركية، وهو الأمر الذي يحتاج إلى استراتيجيات تتعامل بصورة علمية جادة مع البوادر الحالية لها، فالاستراتيجيات التي تتعلق بإنشاء السدود وترشيد الاستخدام واستخدام طرق الري الحديثة وغيرها من الأمور التي اتبعتها الدولة التركية مؤخراً تبدو قصيرة الأمد بصورة كبيرة، كما قد تشكل ضرراً لدول الجوار.

تحتاج تركيا والدول المجاورة إلى تبنِّي مختبرات علمية متخصصة بمجالات المياه وتوفير الموازنات الكافية لها ليس فقط لتطوير أساليب الاستخدام وتقليل الفاقد وإنما بالأساس للبحث في استنبات البذور التي تتحمل درجات الملوحة العالية واختراع طرق جديدة غير مكلفة لتحلية المياه من المرجح أن تصبح مصدراً رئيسياً للحاجات التنموية زراعياً وصناعياً خلال العقدين المقبلين.

TRT عربي
الأكثر تداولاً