معرض "السلاح والأمن 2021" في كييف (Reuters)

العلاقات التركية الأوكرانية ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل هي ضاربة في القدم لأسباب تتعلق بتشارك الشعبين للعديد من القواسم الثقافية والتاريخية بحكم تشاركهما جغرافيا واحدة، إلا أن الأزمة الروسية الأوكرانية التي اشتعلت عام 2014 لعبت دوراً مهماً في الارتقاء بعلاقات البلدين إلى مستوى استراتيجي في معظم المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وشهدت السنوات السبعة الأخيرة تنامي العلاقات على مختلف الأصعدة الاقتصادية والسياسية، وارتفع حجم التعاون العسكري بين البلدين إلى مستويات غير مسبوقة، من خلال توقيع العديد من الاتفاقيات الخاصة بالتعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وأصبحت تركيا من أهم مزوّدي الأسلحة الحديثة والمتطورة للجيش الأوكراني، أهمها الطائرات المسيّرة والزوارق البحرية فضلاً عن أنظمة الصواريخ والذخيرة الذكية.

وعقب احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، والأزمات على الحدود الأوكرانية الشرقية، توجهت أوكرانيا نحو تركيا من أجل تعزيز ترسانتها العسكرية بأسلحة تركية متطورة، أثبتت كفاءتها وتفوقها على الأسلحة الروسية تحديداً في أكثر من ساحة صراع، بدءاً من سوريا، مروراً بليبيا، وصولاً إلى أذربيجان.

أهمية الشراكة لكلتا الدولتين

يسعى البلدان من خلال اتفاقات التعاون المشترك (التكميلية) في الصناعات الدفاعية إلى الارتقاء بعلاقتهما من علاقة المشتري والبائع إلى مستوى جديد من التعاون، يتيح لكليهما إنتاج أسلحة جديدة متطورة بكميات كبيرة من أجل تعزيز قدراتهما الدفاعية، وذلك من خلال دمج التقدم التكنولوجي الرقمي التركي مع تكنولوجيا إنتاج المحركات في أوكرانيا، المكتسبة خلال الفترة السوفيتية.

تركيا من جانبها، لا تهدف فقط إلى الاستفادة من قدرات الشركات الأوكرانية المختصة في صناعة المحركات من أجل تعويض اعتمادها على الدول الغربية التي تهدد بين الفترة والأخرى بفرض عقوبات لمنع توريد هذه المنتجات لتركيا، بل تخطط أيضاً من أجل الاستعداد للمرحلة المقبلة التي تهدف خلالها إلى اكتساب القدرة على صناعة محركات بإمكانات محلية كاملة، وتزويد منتجاتها الدفاعية الواعدة بها، وذلك من خلال تطوير مهارات مهندسيها وإكساب شركاتها الخبرات اللازمة لإنتاج مثل هذه المحركات، عبر اتفاقيات الشراكة المختلفة مع كبرى الشركات الأوكرانية المختصة بهذا النوع من المنتجات.

وبالإضافة إلى مساعي أوكرانيا الحثيثة لتعزيز قطاع الصناعات العسكرية لديها والدفع به إلى الأمام من خلال الاستفادة من التقدم التكنولوجي والصناعي الذي تملكه تركيا، فإنها تتعاون مع أنقرة بشكل ملحوظ من أجل التخلص من اعتمادها على المعسكر الشرقي في التسلّح والتحرر النظام الدفاعي السوفيتي السابق، من خلال الاستفادة من الأنظمة والمعايير الدفاعية التركية، التي ستسهل عملية انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في المستقبل.

مشاريع دفاعية مشتركة

ولم تكتف كييف بشراء الأسلحة التركية وحسب، بل سعت للنهوض بالتعاون الاستراتيجي في مجالات الصناعات الدفاعية إلى مستويات متقدمة، فبعد شرائها 6 مسيّرات تركية من طراز "بيرقدار تي بي 2" و3 محطات تحكم أرضية عام 2019، أعلن مدير عام الشركة الوطنية الأوكرانية لتجارة الأسلحة، فاديم نوزدريا، أنهم مهتمون بالإنتاج المشترك لهذه المسيّرات، وأوضح بأن الجيش الأوكراني يخطط لشراء 48 مسيّرة مسلحة عبر الإنتاج المشترك.

والثلاثاء، أفادت شركة الصناعات الفضائية التركية (TUSAŞ) بأن شركة "موتور سيش" الأوكرانية ستقوم بتوريد 14 محركاً لطائرة هليكوبتر هجومية من الدرجة الثقيلة بموجب العقد الموقع، ووفقاً للبيان الصادر عن الشركة، ستقوم الشركة الأوكرانية بتوريد أول محركين في سبتمبر/أيلول 2020، فيما سيتم تسليم البقية بحلول عام 2025، وستكون المروحية الجديدة جاهزة للتحليق في الذكرى المئوية الأولى للجمهورية التركية التي تصادف 29 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وفي أغسطس/آب 2019، أعلنت شركة "بيكار" التركية المصنعة لمسيّرات "بيرقدار تي بي 2" عن بدء تعاونها مع شركة "أوكرسبيتسكبورت" الأوكرانية المختصة في تجارة الأسلحة، من أجل التعاون لتنفيذ مشاريع مشتركة في مجال صناعة الأسلحة عالية الدقة وتقنيات الصناعات الفضائية، وسيكون من أوائل مشاريعهما المشتركة تطوير جيل جديد من الطائرات المسيّرة، القادرة على إجراء طلعات استكشافية تفصيلية وقضاء ساعات طيران طويلة، وشن هجمات دقيقة بأسلحة عالية الدقة.

وفي السياق ذاته، اتفقت شركات تركية على المشاركة في إنتاج طائرة (AN-178) مع شركة "أنطونوف" الأوكرانية لصناعة الطائرات، وإلى جانب المسيّرات ومحركات المروحيات والطائرات، اتفق البلدان على تبادل الخبرات في صناعة الطرادات البحرية من طراز "أدا" (ADA)، والمحرك الخاص بصاروخ "أطمجة" التركي المضاد للسفن والغواصات، ومحركات صواريخ الكروز والطوربيدات، فضلاً عن استخدام محرك توربيني نفاث أوكراني الصنع في مشروع صواريخ (GEZGİN) المسيّرة.

أسلحة تركية لصد أي هجوم

تتربع تركيا حالياً على رأس قائمة موردي المنتجات الدفاعية إلى أوكرانيا، إذ تلبّي أنقرة جميع احتياجات كييف من المنتجات المتطورة في المجال الدفاعي ومجال الاتصالات العسكرية، فخلال العامين المنصرمين اشترت أوكرانيا عدداً من الطائرات المسيّرة من طراز "بيرقدار تي بي 2"، ومجموعة من أنظمة التحكم الأرضية والرادارات وأنظمة اتصالات متطورة من شركة "أسيلسان"، بالإضافة إلى توقيع عقود جديدة لتزويد الأسطول الأوكراني بسفن حربية كورفيت من فئة "أدا" (ADA) المزودة بصواريخ وطوربيدات حديثة، فضلاً عن طائرات مسيّرة جديدة.

وخلال مشاركة وزير الخارجية الأوكراني، دميترو كوليبا، في "منتدى أنطاليا الدبلوماسي" نهاية الأسبوع الماضي، قال إن بلاده ستستخدم الطائرات المسيّرة التي اشترتها من تركيا للدفاع عن نفسها في جميع المناطق وتابع: "الطائرات بدون طيار المسلحة ضرورية لردع روسيا"، وأردف: "يجب أن تفكر روسيا مرتين قبل التخطيط لشن هجوم أو إشعال توتر واسع النطاق ضد أوكرانيا".

ومن جانب آخر، تقف تركيا في مقدمة الدول المؤيدة لانضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وفيما تعد تركيا عضواً كامل العضوية في حلف الناتو، فإن أوكرانيا دولة مرشحة لعضوية الحلف، ويذكر أن تركيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت بأوكرانيا كدولة مستقلة ذات سيادة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينيات القرن الماضي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً