مع مرور الوقت لا يبقى هناك متسع من الوقت للتشكيك في الدور السياسي الذي باتت تضطلع به الشركات الكبرى لتكنولوجيا المعلومات والاتصال الرقمي.

ففي الأيام الأخيرة وضعتنا بعض الأحداث، ذات العلاقة، وجهاً لوجه مع بعض التطورات التي تحمل في طياتها العديد من الدلالات العميقة لما سوف تكون عليه حوكمة الإنترنت في القرن الحادي والعشرين. فمن فرض رقابة على المحتوى، والانحياز السياسي، والتأثير على قناعة الناخبين، إلى تآكل الخصوصية والاستثمار غير الممنهج للبيانات الشخصية، يبدو أن شركات تكنولوجيا المعلومات ستحظى بالكثير من الأضواء على مدار الأعوام المقبلة.

إصمات ترمب

وقد كانت أولى هذه الأحداث ردة الفعل القوية التي اتخذتها العديد من شركات تكنولوجيا المعلومات ضد الرئيس ترمب حينها، ومن خلفه التيار اليميني المتطرف، على إثر اقتحام مجموعة من الغوغاء مبنى الكونغرس الأمريكي في ما بات يعرف "بالأربعاء الأسود"، نظراً لرفض الرئيس السابق ترمب التسليم بنتائج الانتخابات، وترويجه الدائم أنها مزورة ومسروقة، وهو ما أجج من حالة الاحتقان بالشارع الأمريكي، وزاد من حدة الاستقطاب.

ففي غضون أيام قليلة من الحادثة، أغلق فيسبوك وتويتر حسابات ترمب، ولحق بهما كل من Shopify، وTwitch، وبعد ذلك مباشرة حذا سناب شات حذوهما. كما أن شركتي Stripe وPayPal قطعت خدمة معالجة الدفع لتمويل إعلانات تابعة لترمب، في حين أزال كل من Google Play، وApp Store من Apple تطبيق Parler كإجراء عقابي لرفضه القيام بتعديلات تخص محتواه الذي يشجع على العنف. تبعهما في ذلك Amazon web Service بإيقاف التطبيق ذاته عن تخزين البيانات في الإنترنت السحابي. وقد أدت هذه الإجراءات وغيرها، كما يرى مراقبون، إلى احتواء الخطاب اليميني المتطرف إلى حد بعيد.

لقطات لاقتحام أنصار ترمب مبنى الكونغرس لتعطيل التصدييق على نتائج الانتخابات التي فاز بها جو بايدن (Reuters)

وقد كانت هذه الإجراءات مبررة لدى كثير من الخبراء والمتابعين للأحداث على الرغم من أنها تنتهك، وفق القانون الأمريكي، التعديل الخامس والعشرين من الدستور والذي ينص على حماية حرية التعبير لجميع المواطنين الأمريكيين، فما بالنا بمواطن من درجة رئيس كترمب؟

وقد استند التبرير المسوق لمثل هذه الإجراءات العقابية على حجم الصدمة الذي خلفه احتلال الكونغرس من قبل هؤلاء الرعاع، وبتحريض مباشر من الرئيس ترمب حينها، الأمر الذي دفع بعض السياسيين مثل المفوض الأوروبي تيري بريتون إلى وصف احتلال الكونغرس بأنه "هجمات 9/11 لمنصات التواصل الاجتماعي".

مثّل هذا التدخل من الشركات التكنولوجية واحداً من أبرز معالم انخراطها في المعترك السياسي، فلم تعد الشركات التكنولوجية تتمتع بالحياد باعتبارها وسائط كما كانت عليه في السابق، بل أصبحت واحداً من أهم اللاعبين السياسيين الذين يملكون من القدرات ما يمكنهم من تغيير موازين اللعبة، فكلنا يتذكر كيف كان دورها قبل ما يقرب من أربع سنوات عندما ساهمت بشكل ما في فوز ترمب، من خلال التلاعب الذي جرى وما كشفت عنه فضيحة كامبرج انالاتيكا.

بالون اختبار

على أن طبيعة انخراط هذه الشركات لا تقتصر على تدخلها المباشر في الحلبة السياسة وتغليبها طرفاً على حساب طرف، بل إنها باتت حتى تنتهج بعض الأساليب السياسية في التعاطي مع خدماتها التكنولوجية. فواحد من الأساليب التي يلجأ إليها السياسيون عادة هو بالون الاختبار، وذلك من أجل قياس ردة فعل المواطنين من أجل الوصول إلى حسابات أدق نحو تقييم المنافع والخسائر حال تبني سياسة جديدة.

ففي توقيت شبه متزامن، أعلنت شركة فيسبوك أن تطبيقها للمحادثات الأشهر في العالم واتساب سوف يخضع لحزمة جديدة من سياسات الخصوصية، الأمر الذي أثار ضجة عالمية.

ويدور جوهر هذه التعديلات حول رغبة فيسبوك في التكسب المالي عبر استثمار بيانات المستخدمين في الإعلانات التجارية. ولم يشكل هذا الإعلان صدمة عند المطلعين على سياسة فيسبوك وغيرها من الشركات التكنولوجية مثل Google، والتي تعتمد في أرباحها على كمية ما تجنيه من بيانات من المستخدمين حيث تتبع هذه الشركات ما بات يطلق عليهسلطة التعقب، أي تعقب جميع المعلومات والبيانات التي ينتجها أو يتتبعها المستخدم على التطبيقات والخدمات الرقمية التابعة لهذه الشركات. بتعبير آخر، إنها رأسمالية الخوارزميات التي تجعل من بيانات المستخدمين موادها الأولية للتربح.

وربما تفي بعض الإحصائيات بالغرض لإدراك حجم البيانات التي يمكن لواتساب أن يجنيها من قبل مستخدميه. فهناك أكثر من 100 مليار رسالة نصية ترسل يومياً عبر التطبيق، أي ما يعادل 69 مليون رسالة في الدقيقة. كما تجرى أكثر من ملياري دقيقة على شكل مكالمات صوتية ومرئية، و55 مليون مكالمة فيديو تتم عبر التطبيق يومياً أيضاً بإجمالي مدة تبلغ 340 مليون دقيقة.

كانت نتيجة هذا الإعلان من واتساب حول الخصوصية أن دفع بالملايين من المستخدمين حول العالم إلى التفكير جدياً في خيارات أخرى، وكان معيار المستخدمين الأول نحو البحث عن البديل المناسب لتطبيق واتساب هو مدى رجاحة سياسات الخصوصية عند هذا البديل عن ذاك. وهذا ينم عن تطور وعي جمعي لدى المستخدمين بأهمية الخصوصية، وبأنهم على الرغم من اتكالهم على مثل هذه التطبيقات، فإنهم يرفضون أن تتهشم خصوصياتهم أكثر من ذلك. وقد سجلت بالفعل مئات الآلاف لمستخدمين حذفوا واتساب لمصلحة تطبيقات أخرى في مشهد وصف على نطاق واسع بأنه "هجرة رقمية".

أدى هذا الصراخ الرقمي الصامت، المتمثل بالاستنزاف الجماعي لمستخدمي واتساب بعيداً عن التطبيق، بصناع القرار في شركة فيسبوك، التي استحوذت على واتساب عام 2014 بصفقة قدرت بنحو 22 مليار دولار، إلى التفكير ملياً في قرارهم السابق. وقد ذكرت تقارير أن واتساب قد قررت فعلاً تجميد العمل بسياسة الخصوصية الجديدة، في الوقت الحالي على أقل تقدير، ونشرت على تطبيقها بعض الإعلانات التي من شأنها طمأنة المستخدمين أن خصوصيتهم تعتبر واحدة من أهم أولويات الشركة.

دفع هذا التراجع بعض المراقبين إلى النظر إلى الموضوع على أنه بالون اختبار من شركة فيسبوك تريد من ورائه جس نبض المستخدمين حيال الخصوصية، وذلك من أجل تنفيذ تطبيق متدرج لخطتها الاستراتيجية المتمثلة بعملية دمج تطبيقاتها في ماسنجر فيسبوك، وواتساب، وإنستغرام معاً. وهي الخطوة الاستراتيجية الطموحة التي تحاول شركة فيسبوك الوصول إليها بطريقة هادئة حتى تتجنب، أولاً غضب المستخدمين، وثانياً نقمة المشرعين في واشنطن وغيرها من العواصم كبروكسل، الذين باتوا يمارسون عملية رقابة أكبر على شركات تكنولوجيا المعلومات، وخصوصاً شركة فيسبوك، ويسعون لتطبيق قوانين منع الاحتكار التي من شأنها أن تجبر شركة فيسبوك أن تمنح حكماً ذاتياً رقمياً لكل من تطبيقي واتساب وإنستغرام.

مارك زوكربيرغ أثناء جلسة استماع في الكونغرس  (Reuters)

في الحقيقة، ما زاد من غضب عشرات الآلاف من المستخدمين من سياسة واتساب الجديدة المعلن عنها ليس محتواها فقط، وإنما أيضاً الطريقة التي تمت بها. لقد كانت رسالة واتساب واضحة بمعنى "إما أن توافق على سياسة الخصوصية الجديدة لدينا وإما فسيتم حذف حسابك".

لقد اعتبر العديد من المستخدمين هذا التصرف وقاحة من فيسبوك، ومحاولة استغلال حاجتهم إلى التطبيق من أجل لي أذرعهم. ولذلك، فلدى الكثيرين، كان حذف التطبيق لا يتعلق بموضوع اعتراضهم على الخصوصية وحسب بل لاعتراضهم على أسلوب التعامل. ومن هنا فالبحث عن بديل كان لأغراض تتعلق بالسلامة المعلوماتية، وبالاحترام والتقدير أيضاً.

واتساب والبديل الآمن

يراهن واتساب على عدة نقاط قوة من أجل إغواء المستخدمين بالبقاء. وهذه النقاط ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج مجهود متواصل من التطوير والبحث والاستثمار خصوصاً في علوم تتعلق بهندسة الجذب والانتباه، التي من شأنها استغلال الجوانب النفسية لدى المستخدمين واستثمارها تجاه البقاء أكثر متسمرين أمام الواجهات الرقمية.

ومن نقاط القوة هذه، أولاً سعة الانتشار. فنحن نتحدث عن ما يزيد على ملياري مستخدم نشط بشكل يومي حول العالم. وثانياً الأسبقية، حيث كان واتساب من أوائل تطبيقات المحادثة المجانية وهو ما يعتاده الناس، ولا يجدون الأمر سهلاً للتحول إلى غيره. وثالثاً التشفير ثنائي القطب أو ما يسمى End-to-end encryption.

وفي الوقت الذي كانت نقاط القوة هذه غير قابلة للتحدي سابقاً، أثبتت واقعة الخصوصية مؤخراً أن الأمر قابل للحدوث. فهناك المزيد والمزيد من المستخدمين باتوا يلجؤون إلى تطبيقات أخرى على رأسها تطبيق Signal، وتيليغرام، وWire التي توفر ميزات تضاهي واتساب في بعض الأحيان، وربما أكثر.

يعتبر تطبيق سيغنال أحد التطبيقات البديلة الآمنة عن واتس آب (AFP)

ومع مرور الوقت سوف يعتاد الناس على هذه التطبيقات خصوصاً أن بعضها يمتلك إلى حد كبير الواجهات والميزات ذاتها التي يوفرها تطبيق واتساب، أما عن نظام التشفير فإن بعض التطبيقات يعتبر متقدماً على واتساب، وخياراً أفضل بكثير منه لحفظ الخصوصية. فالتعددية الرقمية تبرز، في نهاية المطاف، كواحدة من الضرورات في عصرنا الحالي لتجاوز الدكتاتورية الرقمية.

يبرز من ضمن هذه البدائل تطبيق Signal، ولذلك لم يكن من المستغرب أن يُقدِم أغنى رجل في العالم أيلون ماسك على التغريد في حسابه على تويتر لمصلحة التطبيق بعبارة موجزة قال فيها فقط: "استخدموا سيغنال".فما الذي يجعل هذا التطبيق بديلاً مقنعاً عن واتساب؟

أولى هذه الخصائص تأتي من حفظ الخصوصية والأمان. فتطبيق Signal كان الأول في استخدامه لتكنولوجيا التشفير ثنائية القطبية، وهي التكنولوجيا التي نسخها تطبيق واتساب لاحقاً وأصبحت مستخدمة لديه. كما يحتوي على ميزة حذف الرسائل ذاتياً والمسماة disappearing messages. ويتم الحذف وفق فترة زمنية محددة يتم ضبطها بناء على رغبة المستخدم.

وهناك أيضاً ميزة View-once media التي تسمح بظهور الوسائط السمعية والبصرية لمرة واحد فقط وبعدها يتم حذفها تلقائياً، وهي ميزة لا توجد في واتساب، وتخدم المستخدم ليس فقط على نطاق حفظ الخصوصية بل وتخدمه أيضاً في حفظ مساحة التخزين من خلال التخلص من الوسائط غير الضرورية. هذا فضلاً عن خدمة ملفات التعريف المشفرة. كما يحفظ التطبيق بيانات المستخدم من الذهاب إلى Google Drive أو Apple iCloud بطريقة غير مشفرة، وذلك باستخدامه ميزة لوحة مفاتيح المتصفح المتخفي أو ما يعرف بـ incognito keyboard.

كما يتبع تطبيق Signal تصميم الأنظمة مفتوحة المصدر، الأمر الذي يتيح لأي أحد من المبرمجين في العالم إمكانية تفحص المفتاح التشفيري للتطبيق، وذلك للنظر في أي عيوب أو ثغرات للتعامل معها وسدها، الأمر الذي يوفر مزيداً من الحماية. إذن فهو تطبيق بتصميم تشاركي.

كما يوفر هذا النظام التشاركي مفتوح المصدر مزيداً من الشفافية، إذ يستطيع أي مبرمج تفحص إذا ما كان للتطبيق باب خلفي Back Door، وهو الخاصرة الرخوة في أي شيفرة التي تسمح بتسلل القراصنة، أو باستغلال غير قانوني من قبل القائمين على التطبيق من خلال التصرف بالبيانات من غير علم أصحابها.

على العكس، يتبنى واتساب تصميماً مغلق المصدر، بمعنى أنه لا يستطيع أي مبرمج تفحص المفتاح التشفيري للتطبيق إذا لم يكن من ضمن فريق مبرمجي واتساب. للوهلة الأولى قد يبدو هذا النظام أكثر أماناً. ولكن على العكس، فإن هذا النظام يعاني من ضعف فيما يتعلق بمتابعة الثغرات والعيوب لأنه يقتصر على بضعه أشخاص من المبرمجين، ولذلك تابع العالم كيف استطاعت بعض شركات القرصنة مثل الشركة الإسرائيلية NSO اختراق محادثات واتساب والتجسس على المستخدمين من خلال برنامجها للتجسس المعروف بـ "بيغاسوس". كما لا يمكن التأكد من ادعاء واتساب بأن تطبيقها لا يحتوي على بوابة خلفيه، حيث لا يخضع للشفافية بسبب نظامه المغلق.

TRT عربي
الأكثر تداولاً