إن بروز الخلافات الحدودية على سطح الأحداث بين السودان وإثيوبيا وسط إقليم مضطرب، يدخل ضمن ديناميكية توازنات القوة في المنطقة وأنها أكثر من مجرد نزاع حدودي.

يمثل سد النهضة تغييراً استراتيجياً فى قواعد اللعبة إذ ستتحول إثيوبيا بعد اكتمال تشييده وتشغيله لتصبح القوة الأساسية المتحكمة فى تدفقات مياه النيل، يترافق مع ذلك وجود تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة بعد تغيير المشهد السياسي وبروز قوى جديدة في لعبة السلطة داخل كل من مصر وإثيوبيا والسودان.

تدخل العلاقات السودانية الإثيوبية مرحلة جديدة من التعقيدات، بعد تصاعد نبرة تبادل الاتهامات بين الجانبين، وزيادة الحشود العسكرية على الحدود، واستدعاء سفير السودان لدى إثيوبيا إلى السودان بغرض التشاور الأمر الذى فسره البعض بأنه تصعيد دبلوماسي بعد ضعف مردود محاولات الوساطة المتعددة. كما أصبحت قضية التوتر الحدودي بين البلدين مرتبطة شرطياً بمفاوضات سد النهضة مع تلويح أديس أبابا ببدء الملء الثانى لبحيرة السد فى يوليو القادم منفردة دون اتفاق قانوني ملزم مع السودان ومصر.

جهود الوساطة الإقليمية والدولية

تصطدم جهود الوساطة التى نشطت فيها دولة جنوب السودان، ووزير الخارجية البريطانى والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقى وغيرهم، بالشروط التى يتمسك بها البلدان، إذ يشترط السودان إعادة انتشار جيشه شمال منطقة الفشقة، من جانب آخر تشترط الحكومة الإثيوبية انسحاب الجيش السودانى من أراضي الفشقة التى أعادت السيطرة عليها حتى تعلن قبولها بالوساطة. كما يرفع الطرفان بند التعويضات للمتضررين.

ولعل نقطة الخلاف الأساسية هى أن أديس أبابا تصر على تعريف المشكل بأنه نزاع حدودى ويعتبر السودان بأن القضية ليست نزاعاً حدودياً بموجب سريان ونفاذ اتفاقية ١٩٠٢ التى وقعها نيابة عن السودان البريطانى الميجور قوين مع الإمبراطور منليك، وأن المطلوب هو توضيح الترسيم ووضع العلامات الحدودية فقط.

ومع تمسك كل طرف بموقفه وشروطه المسبقة تضعف جهود الوساطة فى امتصاص التوتر وإجراءات بناء الثقة ونقل الوضع إلي موقف جديد أكثر تفاؤلاً. تزامن مع ذلك انتقال رئاسة الاتحاد الإفريقي من دولة جنوب إفريقيا إلي الكونغو الديمقراطية وسط شكوك من أديس أبابا حول انحيازات الكونغو إلي الموقف المصرى فى سد النهضة.

طلب الجانب الإثيوبي دخول تركيا وسيطاً لنزع فتيل التوتر مع السودان،قال متحدث وزارة الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، خلال زيارته تركيا برفقة وزير الخارجية الإثيوبي، إن بلاده ستشعر بالامتنان في حال توسطت تركيا بينها وبين السودان من أجل حل النزاع الحدودي القائم. مشيراً إلى إمكانية حل الأزمة الحدودية بين البلدين في منطقة "الفشقة" الحدودية، بالطرق الدبلوماسية.

إلا أن مشاهد الوساطة الإقليمية والدولية تبدو أكثر ارتباكاً من قبل، إذ ربط ممثل الاتحاد الأوروبي هافيستو وزير خارجية فنلندة السابق بين نزع فتيل التوتر بين السودان وإثيوبيا ومفاوضات سد النهضة. بل وطالب بدخول الأمم المتحدة وسيطاً وطرفاً ثالثاً، وذلك رغم فشل إدارة ترمب سابقا فى التوسط بين الدول الثلاث بعد انسحاب أديس أبابا واتهامها لواشنطن بالانحياز للموقف المصري، مما اضطر ترمب لتجميد العون التنموي لإثيوبيا. وأعلن بلينكن وزير خارجية إدارة بايدن أن واشنطن ستظل تتعاطى بقوة عبر الطرق الدبلوماسية فى ملف سد النهضة.

وفى السياق ذاته أرسل رئيس المفوضية الإفريقية أحد مساعديه محمد الحسن لباد إلي الخرطوم لاستطلاع وجهة نظر الخرطوم من أجل إطلاق وساطة إفريقية جديدة يقودها موسي فكي رئيس المفوضية. ومع تشتت جهود الوساطة الإقليمية والدولية وتعدد الوسطاء واضطراب الرؤية فى الربط بين التوتر الحدودي بين البلدين ومفاوضات سد النهضة، وتمسك الطرفين بشروط مسبقة قبل الموافقة على الانخراط في مفاوضات ثنائية، يجعل من جهود الوساطة فى الوقت الراهن غير ذات جدوى إلا إذا جرى توحيد الجهود الإقليمية والدولية ودمجها فى وساطة واحدة تحظى بقيادة إفريقية ودعم دولي، مع تحديد الأولويات بين حل الخلافات الحدودية والاتفاق على صيغة قانونية ملزمة لسد النهضة.

احتمالات الحرب، وآفاق التسوية

ليس من مصلحة السودان أو إثيوبيا اندلاع حرب على قاعدة الخلافات الحدودية بينهما، إذ ستتحول إلى حرب إقليمية تضر بالاستقرار فى القرن الإفريقي وتهدد أمن البحر الأحمر. ومع انطلاق أول رصاصة لإعلان الحرب ستقدم إريتريا دعمها العسكري واللوجستي لإثيوبيا، كما سترمي مصر بثقلها خلف السودان. وهذا السيناريو هو الأخطر لأنه سيشعل المنطقة وتتحول المناوشات إلى حرب إقليمية ذات امتدادات داخلية.

ربما يحتاج آبى أحمد رئيس وزراء إثيوبيا فى ظل الاضطرابات الداخلية التي تواجه حكمه خاصة حرب التقراى، وقرب الاستحقاق الانتخابي أن يوحد الجبهة الداخلية خلفه ويكسب تأييد قومية الأمهرة الأكثر تشدداً لاتخاذ إجراءات عسكرية ضد السودان. لذا فإن تصعيد التوتر السياسي والعسكري واتخاذ موقف وطنى يعزز من صورته كقائد وطني سيدعم موقفه السياسي الداخلي ويضاعف من فرص فوزه فى الانتخابات.

إن الهشاشة السياسية فى السودان فى المقابل، والأزمة الاقتصادية المستفحلة مع تجاوز مؤشر التضخم لحاجز ٣٠٠%، تجعل السودان أكثر زهداً فى الدخول فى حرب مع إثيوبيا، لأن ذلك من شأنه تعقيد مسار الانتقال الديمقراطي ، وسيقوّي من موقف المكون العسكري مقابل التحالف المدنى الحاكم، كما يستنزف الخزينة المركزية التى تعانى عجزاً كبيراً لا تستطيع معه تمويل الحرب ضد إثيوبيا.

لكن يحتفظ السودان بعوامل ضغط استراتيجية ضد إثيوبيا منها أن سد النهضة على مرمى نيران مدفعيته، وأن إقليم بنى شنقول المتاخم للسودان يعانى اضطرابات وبه جيوب تمرد ضد الحكومة الفيدرالية. لكن الأهم هو قدرة السودان على فتح الحدود والإمدادات اللوجستية لقومية التقراى فى حربها ضد حكومة آبي أحمد، وتوظيف تدفقات اللاجئين لصالح التقراى، في حالة نشوب نزاع. فى المقابل تستطيع إثيوبيا أن تخلق بؤر توتر فى شرق السودان، ودعم الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبدالعزيز الحلو فى جبال النوبة و عبد الواحد محمد نور فى دارفور. لكن هذا السيناريو وإن كان مستبعداً الآن لأن الطرفين خاسران، لكن ربما تدفع به صراعات القوى الداخلية فى البلدين، سيما وأن قاعدة التفاهمات التاريخية بين نظام التقراى بقيادة ملس زيناوى ونظام البشير قد تم نسفها بتغيير نظامي الحكم فى البلدين، واتباع خلفهما سياسات جديدة مغايرة تقوم على هدم إرثهما وتخوينهما دون إرساء قواعد جديدة للتعاون بين البلدين.

فى السياق ذاته تواجه السودان ضغوطاً أخرى غير مرئية فى سياق سياساته الحدودية، إذ إن أي تنازل للسودان فى حدوده مع إثيوبيا، سيضعف من موقف الخرطوم فى أي مفاوضات بشأن نزاعاتها الحدودية مع جنوب السودان خاصة منطقة ( آبيي) ومع مصر فى منطقة (حلايب).

تعقيدات سد النهضة

أحدثَ بناء سد النهضة تحولاً استراتيجياً فى توازنات القوى في المنطقة، ومع اقتراب اكتمال وتشغيل السد ستكون إثيوبيا هى المتحكم الأول فى تدفقات النيل الأزرق الذي يمثل ٨٦% من إيرادات النيل. ويمثل شهر يوليو/تموز القادم توقيتاً حرجاً لرفع حدة التوتر إذ ستبدأ إثيوبيا الملء الثانى لبحيرة السد. الأمر الذى دفع السودان ومصر لإعلان تحفظ قوي حيال التصرف المنفرد لإثيوبيا دون اتفاق قانوني ملزم للأطراف الثلاثة وأعلن السودان علي لسان وزير الري أن الخرطوم تدرس كافة الخيارات الممكنة لرفض الإرادة المنفردة لإثيوبيا خاصة الأضرار المتوقعة على الموسم الزراعي الصيفي، والدمار المتوقع على الأصول والممتلكات كما حدث العام الماضي.

يشكل فشل إدارة ترمب فى التوصل إلى اتفاق حول سد النهضة درساً بليغاً للقوى الدولية التى تحاول بلورة وساطة جديدة تحت مظلة الاتحاد الإفريقي. وفى الوقت الذي تبدو فيه مصر أكثر تفاؤلاً بتحول رئاسة الاتحاد الافريقي من جنوب إفريقيا إلي الكونغو، تتحفظ أديس أبابا على ما ينتظر أن يكون توجهات للرئاسة الجديدة بشأن السد، وينشط الاتحاد الأوروبي فى إدخال الأمم المتحدة طرفاً جديداً كوساطة أممية. لكن ما لم ينجح فيه الرئيس الأمريكى السابق ترمب لن تنجح فيه الأمم المتحدة، سيما وأن إدارة بايدن رغم اهتمامها المعلن بالتطورات في المنطقة إلا أن منطقة القرن الإفريقي لا تمثل أولوية فى سياستها الخارجية، وتفضل إدارة بايدن استخدام الآليات الدبلوماسية الإقليمية والدولية بدلاً من التدخل المنفرد كما كان ديدن الرئيس ترمب. وتشعر أديس أبابا ببعض الراحة من سياسة بايدن الخارجية التي تهتم بإعادة دور أمريكا الحيوي في ترقية وحماية حقوق الإنسان مما يؤثر حتماً على علاقتها مع القاهرة بعد أن حظيت بتعامل تفضيلي من ترمب. فى المقابل فإن الانتهاكات الإنسانية التى خلفتها حرب التقراي ستكون أداة ضغط إضافية على رئيس الوزراء آبي أحمد لقبول تسويات جديدة في الملف.

ان استمرار التوتر الحدودي بين السودان وإثيوبيا، سيعقد من أي تقدم مأمول فى مفاوضات سد النهضة. وأصبح هذا الارتباط بين القضيتين أحد محددات المستقبل السياسي لقادة دول المنطقة. ولقد برهنت مسيرة التفاوض حول سد النهضة قدرة إثيوبيا على المراوغة والمناورة والوصول إلى هدفها والذي تمثل في بناء السد كما تريد، كما أنها نفذت المرحلة الأولى من تعبئة السد دون إشراك مصر والسودان ودون الاستجابة لدعوات الوسطاء، ولربما تكرر السيناريو نفسه في توترها الحدودي مع السودان، وذلك بالاستمرار في المراوغة وفرض الأمر الواقع من خلال القرى التي قامت ببنائها والتهجير الذي جرى للإثيوبيين داخل الفشقة.

TRT عربي