لم يكد السودان يتعافى من أزماته السياسية والاقتصادية التي نشأت بعد الثورة الشعبية التي أطاحت بنظام البشير في السادس من أبريل/نيسان عام 2019، حتى تصاعدت حدة التوترات الأمنية في الحدود الشرقية بين السودان وجارته إثيوبيا بمنطقة الفشقة.

استهدفت مليشيات إثيوبية مسلحة (تعرف محلياً باسم الشفتة) مواطنين سودانيين وقتلت خمسة نساء وطفلاً في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، كما تعرضت قوة عسكرية سودانية لكمين قُتل فيه ضابط برتبة نقيب واثنان من الجنود وجرح آخرون في 17/12/2020.

أعلن على إثرها الجيش السوداني عملياته للسيطرة على كامل أراضيه في الفشقة الحدودية، كما استعاد أكثر من خمسة عشر موقعاً من جملة سبعة عشر موقعاً، في مساحة تتجاوز مليون فدان كانت تزرع من قبل الإثيوبيين لأكثر من 25 عاماً، وطالب وزير الدفاع السوداني الفريق ياسين إبراهيم ياسين في مؤتمر صحفي يوم 21/12/2020 أديس أبابا "بسحب قواتها ممَّا تبقى من مواقع ما زالت تحتلها في مناطق مرغد وخور حمر وقطران شرق بأسرع ما يمكن، التزاماً بالمعاهدات الدولية والاتفاقيات التي تؤكد أحقية السودان في أراضي الفشقة".

وكشف الجيش السوداني لأول مرة عن 17 منطقة و8 مستوطنات داخل حدود السودان الشرقية كانت محتلة بمليشيات اثيوبية، قبل أن يقوم بعملياته الأخيرة التي بدأت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي والتي أعاد فيها نحو 90% من الأراضي التي كانت محتلة.

وفي أعقاب هذه العملية العسكرية التي قام بها الجيش السوداني قالت إثيوبيا في أول رد فعل لها على لسان الناطق الرسمي باسم خارجيتها: "بأنها لا ترى ضرورة للتصعيد والمواجهة العسكرية مع السودان، وأن الحوار بين الشعبين هو الطريق الأفضل لحل الخلافات بينهما".

ملامح منطقة الفشقة الحدودية

منطقة الفشقة تمتد على طول الحدود السودانية الإثيوبية بطول 168 كيلومتراً بولاية القضارف، في مساحة تبلغ 5700 كيلومتر مربع وتتميز بخصوبتها الزراعية العالية، ويشقها نهر "باسلام" إلى جانب نهري "ستيت" و"عطبرة". وتعد منطقة الفشقة سودانية، وفق الخرائط والاتفاقيات الدولية التي وقعت في عام 1902 بين الحكومة البريطانية التي كانت تستعمر السودان وقتذاك والإمبراطورية الإثيوبية، وأصبحت بعد ذلك حدوداً دولية معترفاً بها بين البلدين كما يقول السودان.

النزاع بين السودان وإثيوبيا على الفشقة (AA)

ظلت هذه المنطقة تشهد العديد من التفلتات الأمنية والتوترات منذ خمسينيات القرن الماضي بسبب تعدى عصابات الشفتة الإثيوبية على المزارعين السودانيين وقتلهم من أجل السيطرة على أراضيهم، غير أن التغول الإثيوبي تصاعد بصورة أكبر في عام 1995، وهو العام الذى شهد محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد حسنى مبارك في أديس أبابا في أثناء اجتماعات القمة الإفريقية، والتي اتهم النظام السوداني الحاكم حينها بالتورط فيها، ومنذ ذلك الحين توغلت المليشيات الإثيوبية إلى نحو 30 كيلومتراً داخل الأراضي السودانية، كما قامت إثيوبيا ببناء القرى وإنشاء عدد من المؤسسات الخدمية مع تقييد حركة الجيش والمواطنين السودانيين في المنطقة.

تم الاتفاق بين السودان وإثيوبيا عام 1995 على تقسيم المنطقة إلى ثلاثة أقسام، حيث نص الاتفاق على خلو المنطقة الجنوبية من الجيوش، إلا أن هذا الوضع استغله المواطنون الإثيوبيون وجماعات الشفتة للاستيلاء والاستيطان في هذه المنطقة، وفق هجرات ممنهجة. وفى عام 2018 تم الاتفاق بين البلدين على أن تكون منطقة الفشقة منطقة تكامل اقتصادي واجتماعي، ولكن كلا الاتفاقين لم يصمد أمام المتغيرات السياسية والاقتصادية التي طرأت على البلدين.

عودة التوتر

بدا من الواضح أن إثيوبيا تريد أن تتنصل من اتفاقية عام 1902 الموقعة بين بريطانيا التي كانت تحتل السودان وإثيوبيا، حيث أشار السفير الإثيوبي في الخرطوم بيلتال امرو المو في ندوة حول العلاقات الثنائية في ضوء الأزمة الحالية عقدت في الخرطوم في الثلاثين من ديسمبر/كانون الأول الماضي، إلى "أن المستعمر البريطاني تحامل على إثيوبيا في ضم مناطق كانت تتبع لها إلى السودان".

وفي موقف مماثل قالت وزارة الخارجية الإثيوبية في بيان لها في 29/12/2020: "إن الجيش السوداني ينتهك الحدود ويرتكب أعمالاً غير قانونية"، مؤكدة أن قواتها في حالة تأهب واستعداد على الحدود مع السودان، كما "أن إثيوبيا ستتخذ إجراءات لحماية حدودها إذا لم يوقف السودان أنشطته غير القانونية". بيد أن الخبير المختص ورئيس مفوضية الحدود السابق عبد الله إدريس قال في تصريحات خاصة لـTRT: "إن اتفاقيات الحدود تعتبر المرجع الوحيد عند الخلافات بين الدول حال الخلاف في وضع العلامات والنقاط على الأرض"، مضيفاً "أن اتفاقية 1902 لم تكن في يوم من الأيام مكان خلاف بين السودان وإثيوبيا، وظلت صامدة لمدة قرن من الزمان". مبيناً "بأن حاجة إثيوبيا إلى الغذاء في ظل الانفجار السكاني الذي شهدته في العقود الخمسة الأخيرة دعتها إلى محاولة تغيير الوقائع والتراجع عن التعهدات السابقة".

محاولة خفض التوتر وطرح الوساطات

أثار التوتر الحدودي والتصعيد الإعلامي بين السودان وإثيوبيا حفيظة العديد من الدول في المنطقة التي بادرت بطرح وساطة من أجل خفض وتيرة التوتر المتصاعدة بعد أن فشل البلدان في التوافق على ترسيم الحدود، وفشلت اجتماعات اللجنة السياسية العليا للحدود التي عقدت بين البلدين بالعاصمة السودانية الخرطوم في 22/12/2020 في التوصل إلى رؤية مشتركة وانفضت دون إصدار بيان، وكان من المؤمل أن يعقد الاجتماع الثاني في العاصمة الاثيوبية أديس أبابا في الأسبوع الأول من شهر يناير/كانون الثاني الجاري، الأمر الذي لم يتم بعد.

على الرغم من حديث قادة الدولتين عن التهدئة وعدم الرغبة في الحرب فإن الواقع على الأرض يشهد احتشاد الجيوش وتحضيرات لكل محتمل.

وبادرت كل من السعودية والإمارات العربية ودولة جنوب السودان في طرح وساطة بين البلدين، فسارع السودان على لسان عضو مجلس السيادة صديق تاور إلى نفي وجود نزاع حدودي بين البلدين في منطقة الفشقة، وقال: "إن حكومة الخرطوم لن تقبل مجرد النقاش في هذا الأمر". من جانبها قالت إثيوبيا على لسان المتحدث باسم الخارجية دينا مفتى "إن بلاده لم تتفاوض مع السودان ما لم يسحب قواته من منطقة الفشقة، ويعود الوضع إلى ما كان عليه قبل الأول من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي".

وفى أحدث وساطة من أجل إحداث اختراق للحالة الأمنية المتصاعدة قال وزير الخارجية البريطاني دومنيك راب في مؤتمر صحفي عقده بالخرطوم مع نظيره السوداني عمر قمر الدين في 22 يناير/كانون الثاني 2021: "إن بلاده حريصة على حل النزاع الحدودي المتصاعد بين السودان وإثيوبيا بالطرق السلمية"، وبدا راب مهتماً بخفض التوتر المتصاعد بين السودان وإثيوبيا باعتبار أن بلاده هي التي وقعت على اتفاقية تحديد الحدود بين البلدين في عام 1902، والتي تم فيها الاتفاق الكامل بين حكومة بريطانيا ومنليك الإمبراطور الإثيوبى.

ويرى مراقبون أن فرصة الوساطة البريطانية ستكون أكبر من فرص مبادرات أخرى قوبلت بالفتور، خاصة في ظل القلق الدولي من اندلاع حرب في المنطقة.

مخاطر الحرب على الدولتين

يرى مراقبون أن الحرب المفتوحة ستكون تكلفتها باهظة على الدولتين في ظل الظروف الداخلية المعقدة في كل منهما. ففي إثيوبيا يدرك رئيس الوزراء آبي أحمد أنه مقبل على انتخابات عامة في مايو/أيار، هذه الانتخابات كان يفترض أن تجرى في أغسطس/آب الماضي وفقاً للدستور، ولكنها أجلت نتيجة لجائحة كورونا. كما أن إثيوبيا تخوض حرباً أهلية في إقليم التيغراى، خلفت أكثر من 55 ألف لاجئ داخل الحدود السودانية. ويعيش رئيس الوزراء آبي أحمد الحائز على جائزة نوبل للسلام في عام 2018 أصعب الظروف التي تواجه مشروعه السياسي.

أما السودان فهو ليس أفضل حالاً من إثيوبيا، فالحكومة الانتقالية وضعت البلاد في حالة من السيولة الأمنية والهشاشة السياسية لم يسبق أن مرت بها البلاد، وأزمة اقتصادية طاحنة حيث فاق مؤشر التضخم للشهر الماضي 269%، وانهارت العملة الوطنية بصورة لم يسبق لها مثيل، في ظل توترات خطيرة في إقليم دارفور.

يستبعد العديد من المراقبين نشوب مواجهة عسكرية شاملة لا تقوى عليها الدولتان، يقول الصحفي والخبير السياسي عمر الخير الذى تحدث إلى TRT: إن "السيناريو الأقرب للواقع هو أن تظل التوترات والمناوشات على حالها، خاصة أن الأمهرة الإثيوبيين يطمحون للعودة إلى الزراعة في الفشقة قبل أبريل/نيسان القادم أي قبل موسم نزول الأمطار، كما أن الانتخابات القادمة في إثيوبيا ستكون حاسمة بالنسبة إلى رئيس الوزراء آبي أحمد، ومحاولة إنقاذ مشروعه السياسي الذى يعانى تحت تهديدات الأقليات والإثنيات والتصدع الذي بدأ يطفو للسطح".

TRT عربي