تسبب التنافس الجيوسياسي المحتدم بين أمريكا والصين في التشكيك بأي شكل من أشكال العلاقات مع الأكاديميين الصينيين (Katherine Taylor/Reuters)
تابعنا

في 21 ديسمبر/كانون الأول الجاري، أدانت محكمة في ولاية بوسطن الأمريكية، أستاذ الكيمياء الشهير بجامعة هارفرد تشارلز ليبر، بتهمة "الكذب على السلطات الفيدرالية"، بسبب إخفاء حصوله على دخل منتظم من الصين كان يُحوّل لحساب مصرفي صيني يملكه.

ينتظر العالِم الكيميائي حكماً قد يصل إلى السجن 26 عاماً، ودفع غرامة تقدر بنحو 1.2 مليون دولار، وفق تقرير يروي قصته نشرته مجلة "الإيكونمست".

في البداية، حاول ليبر تجنّب السجن بالتحايل على المحققين الفيدراليين، الذين استجوبوه ضمن التحقيق في مزاعم سرقة الصين لرؤى واكتشافات علمية من الولايات المتحدة.

أخفى ليبر أيّ شكل من أشكال التعاون بينه وبين الصينيين خلال العقد الماضي، لكن لاحقاً تهاوت تلك الأكاذيب بدلائل دامغة واتهمته السلطات بالتورط في نقل منجزات علمية مهمة إلى الصين.

تسبب التنافس الجيوسياسي المحتدم بين أمريكا والصين في التشكيك بأي شكل من أشكال العلاقات مع الأكاديميين الصينيين، كون إثبات تورط بعض الأكاديميين في التجسس يظلّ دوماً مهمة صعبة، ومع استهداف السلطات الأمريكية لأي محاولة تجسس صينية، قد يعاني مجال تطور العلم في الولايات المتحدة بشدة.

كيف تورّط الكيميائي الأمريكي؟

يبدو من تفاصيل التحقيق أن بريق المال كان الحافز الأساسي الذي دفع تشارلز ليبر إلى التعاون مع الصين.

فرغم أنه تلقى نحو 15 مليون دولار على هيئة منح من المعاهد الوطنية للصحة NIH ووزارة الدفاع DOD بين عامي 2008 و2019، إلا أن الصين جعلت المنافسة أكثر شراسة.

ففي عام 2011، وقّع ليبر اتفاقية مع جامعة ووهان للتكنولوجيا، تستهدف التعاون بشكل أساسي في بحوث مجال "تكنولوجيا النانو"، وبعدها بعام واحد، وقّع عقداً مدّته 3 سنوات للمشاركة في برنامج مواهب صيني، متخصص في جذب العلماء الأجانب ومنحهم فرصاً للتوظيف في الصين، ويضمن البرنامج توفير 1.5 مليون دولار لتمويل مختبر جديد في ووهان.

أما الراتب الشهري لليبر، فقد وصل إلى 50 ألف دولار، وُجد بعضها في الحساب المصرفي الصيني، بجانب حصوله على تعويضات الإنفاق المعيشي.

لم يقدّم السيد ليبر هذه المعلومات للمحققين بالطبع، ولا لمصلحة الضرائب أو وزارة الدفاع والمعاهد الوطنية للصحة.

ورغم قانونية عقد شراكات مع الجامعات الأجنبية، لكن السلطات الأمريكية تطالب العلماء بالكشف الدوري عن تفاصيل علاقتها بتلك الجامعات.

"مبادرة الصين"

تسعى الصين للحصول على تقنيات مهمة عبر التجسس، بل وخصّصت مليارات الدولارات للحصول على تلك التقنيات في قطاعات رئيسية، تتضمن "تكنولوجيا النانو"، مجال تخصص تشارلز ليبر.

ورغم أن بعض تلك المجالات لا تشكل تهديداً أمنياً للولايات المتحدة، لكن مجالات أخرى مثل الفضاء قد تتضمن تطبيقات عسكرية.

ولمواجهة ذلك الجهد الصيني المنظم، أطلقت وزارة العدل الأمريكية "مبادرة الصين" عام 2018، وهي حملة تستهدف التركيز على قضايا التجسس الاقتصادي الصيني.

وتوضح أستاذة القانون مارغريت لويس أنّ "الحملة كانت غير مسبوقة، فقد ركّزت على استهداف جرائم التجسس المتعلقة بالصين فقط، والاهتمام بمصادر الاستخبارات غير التقليدية" مثل الأكاديميين، وفق مجلة "الإيكونوميست".

لكن بعض العوائق القانونية تحول دون تنفيذ تلك المبادرة على الوجه الأمثل، فإثبات التجسس الاقتصادي أمر صعب للغاية بطبيعته، حيث يتوجب على المدّعين إثبات أن أي معرفة نُقلت كانت بالفعل "سراً تجارياً أو تكنولوجياً"، وإثبات أن ذلك حدث بهدف إفادة حكومة أجنبية.

في ظلّ تلك التحديات القانونية، ومع ازدياد تخوّف الولايات المتحدة من تسريب أي تقنيات تستغلها الصين اقتصادياً أو عسكرياً، قد يضطر الأكاديميون إلى تجنب أي تعاون مع زملائهم الصينيين بشكل كامل، حتى في المجالات ذات المصالح المتبادلة، ما يهدد مستقبل البحث العلمي، وفق مجلة "الإيكونوميست".

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً