يترقب الجزائريون عودة رئيس البلاد عبد المجيد تبون إلى البلاد من ألمانيا، حيث يواصل علاجه بعد إصابته بفيروس كورونا، وذلك بالنظر إلى حجم وثقل الملفات التي تنتظر الجزائر داخلياً وخارجياً، والتي تتطلب وجود الرجل الأول في الدولة للفصل فيها.

ومنذ أن نُقل الرئيس تبون في 28 أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى ألمانيا للعلاج، تعالت المخاوف من أن يكرر غيابه ما عاشته البلاد من تعطيل في سير مؤسسات الدولة وتنفيذ المشاريع كما جرى في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

عودة منتظرة

في 13 ديسمبر/كانون الأول الجاري، قلص الرئيس تبون الكثير من الاستفهامات التي كانت تختلج الجزائريين بعد ظهوره في فيديو نشر على حسابه في تويتر، وهو أول ظهور له بعد قرابة شهرين من الغياب، لكنه لم ينهها بالنظر إلى أنه لا يزال حتى اللحظة خارج البلاد.

وقال تبون: "منذ ما يقارب شهرين تم نقلي إلى الخارج على جناح السرعة، لما كان قد أصابني من وباء كورونا، واليوم والحمد لله وبفضله وعنايته ولطفه، وبفضل أطبائنا في المستشفى العسكري بعين النعجة (بالعاصمة الجزائر) والأطباء الألمان، بدأت مرحلة التعافي التي قد تأخذ بين أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، لكن إن شاء الله سأسترجع كل قواي البدنية".

وأوضح تبون أن بعده عن الوطن "ليس معناه نسيانه"، فهو يتابع "يومياً وساعة بساعة كل ما يجري في الوطن، وعند الضرورة أسدي تعليمات إلى الرئاسة".

ولحد الآن لم تصدر الرئاسة الجزائرية أي بيان يكشف موعد عودة الرئيس تبون إلى البلاد، الذي تنتظره العديد من الملفات التي تستدعي الاستعجال في معالجتها.

قضايا داخلية

يوضح الكاتب الصحفي محمد لهوازي لموقع TRT عربي أن تبون سيجد عند عودته إلى الجزائر جملة من الملفات على طاولة مكتبه التي تنتظر أن يفصل فيها، ويعجل إجراءات المصادقة عليها، وفي مقدمتها مشروع قانون المالية لعام 2021.

وجرت العادة في الجزائر أن يوقع رئيس الجمهورية مشروع قانون المالية قبل بداية العام الجديد، في اجتماع تحضره الحكومة بكامل وزرائها، ويتم أخذ صورة جماعية للرئيس مع الحكومة، وهو التقليد الذي حرص على القيام به حتى الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي كانت حالته الصحية حرجة لعدة سنوات.

وأشار لهوازي إلى أن من بين أهم الملفات التي يجب على الرئيس تبون تعجيل النظر فيها عند عودته إلى البلاد "التحضير للانتخابات التشريعية والمحلية المسبقة، وتقييم جهود الحكومة في التكفل بمناطق الظل (المناطق التي تعاني نقصاً في التنمية) والوضعية الصحية العامة للبلاد بسبب جائحة كورونا، والفصل في ملف اقتناء اللقاح واختيار أي نوع منه ستستورد الجزائر".

وكان الرئيس الجزائري قد تحدث في فيديو 13 ديسمبر/كانون الأول عن أهمية هذه الملفات الملحّة، فقد أعلن على سبيل المثال أن قانون الانتخابات الجديد قد يكون جاهزاً في أقرب وقت ممكن، وذلك لإجراء انتخابات محلية وتشريعية مبكرة بناء على مخرجات الاستفتاء الدستوري الذي جرى في الفاتح من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

عمل دبلوماسي

بالنسبة إلى البرلماني السابق محمد حديبي، فإن الرئيس عبد المجيد تبون لن يكون في وسعه عند عودته إلى الجزائر الجلوس في مكتبه والراحة، بالنظر إلى حجم العمل الدبلوماسي الذي ينتظره، وبالخصوص بعث التحرك الجزائري لحل الأزمة في ليبيا التي لم تحقق الجهود المبذولة بشأنها إلى اليوم تقدماً ملحوظاً، مثلما قال لـTRT عربي.

ولفت حديبي إلى أن ملف الصحراء الغربية التي تعد الجزائر، بالاضافة إلى موريتانيا، بلداً مراقباً في مفاوضاته حسب قرارات الأمم المتحدة، سيشكل أحد المحاور التي سينظر في تطوراتها الرئيس تبون، وبالخصوص بعد التطورات التي شهدتها الصحراء في معبر الكركرات، واعتراف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.

وحسب البرلماني السابق، فإن التطورات الأخيرة التي عرفتها المنطقة بتطبيع المغرب مع إسرائيل وانعكاساتها المحتملة على الجزائر، ستكون من أكبر الملفات التي سيبحثها الرئيس تبون عند عودته إلى بلاده، بالنظر إلى أن "وصول الكيان الصهيوني إلى حدود الجزائر الغربية يشكل خطراً على المنطقة كلها، وهو ما يستدعي اتخاذ إجراءات ردعية لحماية أمن ومصالح الجزائر، والعمل على تفعيل تكتل دولي مناهض للتكتل "العربي الصهيوني" الجديد".

ويعتقد الكاتب الصحفي محمد لهوازي أن الملف الإفريقي بعد التطورات الأخيرة التي تجري في المنطقة، سيحظى هو الآخر بأولوية عند الرئيس تبون سواء بالنظر إلى أهميته الأمنية أو الاقتصادية، لذلك يتوقع متابعة رئاسية جزائرية للتطورات في مالي، كما سيعمل الرئيس تبون على تسريع ملفات التعاون مع دول غرب إفريقيا "إيكواس" وتفعيل المشاريع العالقة بين الجزائر ونيجيريا، وفي مقدمتها مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، والعمل على تعزيز التعاون أكثر مع دول الجوار تونس وموريتانيا والنيجر.

وخلال المكالمة الهاتفية التي جرت هذا الأسبوع بين الرئيس تبون ونظيره التونسي قيس سعيد تم الاتفاق على عقد لقاء قريب بينهما، فور عودة الرئيس الجزائري من فترة علاجه بألمانيا.

وأكدت الجزائر وتونس رفضهما الانضمام لحملة التطبيع التي تقوم بها دول عربية مع الاحتلال الإسرائيلي، بل إن البلدين رفضا فتح مجالهما الجوي للطائرة التي انتقلت يوم الثلاثاء من تل أبيب إلى المغرب.

تغيير وزاري؟

وتوقع البرلماني السابق محمد حديبي في حديثه مع TRT عربي أن يقوم عبد المجيد تبون فور عودته من ألمانيا بـ"تغيرات مهمة لا سيما في الجهاز التنفيذي".

وأضاف أن التغييرات ستتمثل في "تعديل حكومي وحركة في سلك الولاة، بالنظر إلى ثبوت عجز البعض عن تحقيق التنمية المطلوبة، والتكفل بانشغالات المواطنين".

وفي فيديو ظهوره الأول بعد فترة العلاج، طالب الرئيس تبون وزير الداخلية بالعمل والحرص على التكفل بسكان المناطق النائية، دون أن يذكر الوزير الأول مطلقاً في خطابه، على الرغم من أنه الأولى بالمخاطبة بالنظر إلى أنه الأعلى درجة بعده في الجهاز التنفيذي.

وقد فسرت بعض الأطراف عدم ذكر الوزير الأول، بأن الرئيس تبون منزعج من تحركات عبد العزيز جراد التي كثفها في غيابه، وكأنه يحضر نفسه لرئاسة البلاد، مثل ما قال النائب البرلماني حكيم بري في جلسة بالمجلس الشعبي الوطني.

وقال بري في رسالة موجهة للرئيس تبون: "إن الوضعية بالجزائر تزداد سوءاً يوماً بعد يوم خاصة في فترة غيابك التي استغلها الوزير الأول في الشروع في ما يبدو حملة رئاسية مسبقة بدعم من بعض المقربين منك، ومنهم أحد مستشاريك".

وأضاف بري مخاطباً الرئيس تبون: "كيف يعقل والجزائر تعيش في وضع صعب من الناحية المالية والاقتصادية ومشاكل دولية بجوار حدودنا، ولا نجد رد فعل من الحكومة؟ فالوزير الأول اكتفى بالتعازي والتهاني والتبريكات على صفحته في فايسبوك، حتى إنه لم يكلف نفسه تمني الشفاء لك (الرئيس تبون)، وهو أضعف الإيمان".

ودعا حكيم بري الرئيس تبون إلى إجراء تغيير حكومي مستعجل بعد عودته من رحلته العلاجية على أساس الكفاءة وليس الولاءات.

والأكيد أنه بالنظر إلى التطورات الداخلية والخارجية التي تعيشها الجزائر والمنطقة، تصبح عودة الرئيس تبون إلى البلاد أكثر من ضرورة في أقرب وقت، بالنظر إلى أن جميع الجزائريين لا يرغبون في أن يتكرر معهم السيناريو الذي عاشوه في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وهم الذين سيحيون بعد أقل من شهرين الذكرى الثانية لحراك 22 فبراير/شباط 2019.


TRT عربي
الأكثر تداولاً