أعلن أمس الاثنين رئيس وزراء الحكومة الانتقالية عن حكومته الجديدة التي جرى تشكيلها وفاءً لاتفاق السلام الذي وُقع في أكتوبر/تشرين الأول العام الماضي مع الجبهة الثورية.

زادت الوزارات من 18 إلى 26 لتستوعب الحكومة الجديدة القادمين من الحركات المسلحة، في وقت بدا فيه أن تغييراً قد طرأ على تركيبة "قوى الحرية والتغيير" التي كانت تشكل الحاضنة السياسية للحكومة عقب ثورة ديسمبر/كانون الأول.

تصاعدت وتيرة الاحتجاجات التي اندلعت بأغلب مدن السودان نتيجة للأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، فتحولت حياة السودانيين إلى سلسلة من المعاناة اليومية، فبالإضافة إلى الأسعار المرتفعة والغلاء توجد ندرة في السلع الأساسية والاحتياجات اليومية مثل الخبز وغاز الطبخ.

"الانهيار الاقتصادي الكامل" هي الجملة الأكثر تداولاً بين الاقتصاديين والمحللين في وصف حالة التردي التي يشهدها الاقتصاد السوداني اليوم، في ظل تفاقم الأزمة والهبوط غير المسبوق للعملة المحلية بمواجهة الدولار. فقد سجل الجنيه السوداني انهياراً كبيراً في السوق الموازي (السوق السوداء) بعد تجاوز سعر الدولار 400 جنية سوداني في أدنى مستوى له على الإطلاق، فيما وصلت معدلات التضخم إلى 270% في يناير/كانون الثاني الماضي، ما أدى إلى ارتفاع جنوني بأسعار السلع والخدمات في بلد يعيش أكثر من 70% من مواطنيه تحت خط الفقر. بينما وصلت معدلات البطالة إلى نحو 27% حسب التقديرات الحكومية، فيما ترجح منظمات المجتمع المدني أن نسبة البطالة تفوق 50% وتقدر قيمة الديون الخارجية للسودان بـ60 مليار دولار. كما بلغ عجز الموازنة للعام الحالي مليارَي دولار من الناتج المحلى فيما يقدره اقتصاديون بـ4 مليارات دولار.

أسباب الأزمة الاقتصادية

يرى محللون تحدثوا إلي TRT عربي أن الأزمة تكمن في عدة جوانب، منها أسباب هيكلية في الاقتصاد السوداني القائم على سياسات اقتصاد المدن الاستهلاكي من دون الاعتماد على الاقتصاد الإنتاجي. كذلك فانسداد الأفق وضعف الإرادة السياسية ساهمتا بشكل كبير بتراجع الأداء الاقتصادي. ويضيف في هذا الإطار الدكتور عبد المنعم عوض أستاذ الاقتصاد بالجامعة السودانية في تصريح له لـTRT عربي أن انفصال الجنوب في 2011 أدى إلى فقدان أكثر من 70% من عائدات البترول، إذ كانت سبباً أساسياً في اختلالات الاقتصاد السوداني وبروز تشوهات يصعب التحكم فيها) ويرى د. عوض أن محاولات حكومة الفترة الانتقالية لإنعاش الاقتصاد كانت ذات فكرة واحدة تعتمد على الدعم والهبات الخارجية من دون بناء الشراكات والمشروعات التنموية والإنتاجية، في إشارة إلى مؤتمر أصدقاء السودان الذي عقد في برلين برعاية ألمانية بـ25 يونيو/حزيران 2020 ومؤتمر أصدقاء السودان الذي عقد بالرياض في 11 أغسطس/آب 2020 إضافة إلى ضعف الإنتاج وخلل السياسات المالية والنقدية.

وفي سياق متصل يرى المحلل الاقتصادي عمر الخير بتصريح لـTRT عربي أن "استحقاقات السلام الذي وقع في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2020 بجوبا ستشكل عبئاً مالياً ثقيلاً على الوضع الاقتصادي المتردي، بخاصة أن هذه الاتفاقية لم تحظَ بدعم مالي كبير من الدول والمنظمات كما كان الحال في اتفاقيات السلام في كل من أبوجا عام 2006 والدوحة عام 2010 التي دعمتها قطر بأكثر من مليارَي دولار، وبالنسبة إلى الخير "فإن مرتبات العاملين بالدولة تمثل تهديداً كبيراً للحكومة التي لا تملك أي موارد ولا احتياطيات نقدية، ما يجعلها مضطرة إلى طباعة مزيد من العملة بلا سقف ائتماني، ما رفع الأسعار والتضخم، متوقعاً أن يتجاوز 300% نهاية الشهر الجاري مع تسارع انهيار العملة المحلية التي من المتوقع أن يصل فيها سعر الدولار إلى 500 جنيه قبل نهاية الربع الأول من العام الحالي.

تطبيق نظام مجلس العملة كبديل لنظام التعويم في السودان

بعد الانهيار المتسارع للعملة المحلية في السودان باتت حكومة الفترة الانتقالية تفكر بصوت عالٍ في إمكانية تعويم الجنية السوداني، ويرى محللون اقتصاديون أن الحل الوحيد لمشكلة انهيار سعر الصرف المتفاقم في السودان هو تبنى مجلس عملة، على قرار ما كان عليه الحال في 1957-1960، وهو في تعريفه العملي: نظام نقدى يحافظ على سعر صرف ثابت للعملة الأجنبية مع إلغاء السوق الموازي. ويكون هذا النظام ملزماً للحكومة، ويضمن بقوة القانون للمواطنين والمستثمرين الأجانب تحويل عملاتهم المحلية إلى دولار بسعر ثابت، بافتراض ربط العملة بالدولار. وهذا يعني أن المجلس هو الجهة الوحيدة المخول لها إصدار العملة وإدارتها. مع التزام عدم طباعة جنيه واحد ما لم يوفر نظيره من العملة الأجنبية. وهذا يجعل المجلس أقرب إلى نظام الذهب فيحتفظ البنك المركزي باحتياطي من الذهب يعادل نسبة عالية من العملة التي يطبعها. ولكن هذه الفرضية صعبة التطبيق أو مستحيلة في ظل الهشاشة السياسية لحكومة الفترة الانتقالية وعدم وجود فكرة اقتصادية متفق عليها بين شركاء الحكم.

هل يتعافى الاقتصاد السوداني؟

يرى العديد من السياسيين والاقتصاديين أن إزالة اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب خطوة كبيرة يمكن أن تساعد بتحقيق استقرار الاقتصاد السوداني وإنعاشه، وأضافوا أنها ستسمح للسودان بمعاودة الانضمام إلى شبكات التمويل العالمية وتزيد من تحويلات العاملين بالخارج ومن تدفقات التجارة والاستثمار.

وقالت وزيرة المالية السابقة في السودان هبة عبد الله إن "الولايات المتحدة يمكنها تسوية متأخرات ديون السودان ودعم خطط للإعفاء من الديون ومساعدة السودان على الحصول على أكثر من مليار دولار سنوياً من مقرضين دوليين". لكن محللين حذروا كذلك من المبالغة في التفاؤل، مبررين بأن الاقتصاد السوداني لن يتغير بين عشية وضحاها، والولايات المتحدة أصدرت قوانين من الكونغرس تقيد مساعداتها للسودان. ويقول المصرفي السوداني طارق المختار لـTRT عربي إن "خطوات استئناف العلاقات مع البنوك الأجنبية ستكون بطيئة على الأرجح والثقة بتعافى النظام المصرفي ستكون صعبة ما لم تغير الحكومة سياساتها المالية".

أما الكاتب الصحفي مالك طه فيرى أن "رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإنهاء الحصار الاقتصادي لن يؤثر كثيراً بواقع الاقتصاد السوداني الذي لم يمتلك رؤية ومقدرة تبادلية للاستفادة من الانفتاح العالمي على السودان، على الأقل في المدى القريب، إذ يعتبر قطاع الإنتاج الصناعي خارج الخدمة (على حد وصفه)، كذلك فإن مناخ الاستثمار في الظرف السياسي المتقلب وانهيار العملة المحلية أمام العملات الأجنبية يجعل نسبة المخاطرة عالية جداً للعمل في السودان، وذلك خصم على تدفق أموال المستثمرين الأجانب كما هو أيضاً عامل عكسي في هروب رأس المال الوطني بحثاً عن مناخ أفضل".

هل من مخرج آمن؟

يرى مراقبون وخبراء أن الوضع الاقتصادي في السودان يحتاج إلى عمليات جراحية شجاعة تعتمد على موارد حقيقية، وإنشاء مشروعات إنتاجية ذات عائد مادي تساهم في توفير العملات الأجنبية لوقف تدهور سعر صرف العملة المحلية والسيطرة على الذهب بإنشاء بورصة محلية له، إذ يعتمد السودان على بورصة دبي للذهب، ما يفقده الاستفادة من موارده والاستقلالية.

فيما يرى آخرون ضرورة المسارعة في تكوين هيئة اقتصادية مستقلة من الخبراء السودانيين في المهجر والمصرفيين للإسهام بإدارة المرحلة الانتقالية لإصلاح اقتصاد بلادهم وتقديم الاستشارات والمعالجات السريعة للاقتصاد. وتضطلع هذه الهيئة بدور الإسهام في إصلاح ما وصفتها بعملية التدمير الممنهج التي أدت إلى تهاوي الاقتصاد السوداني وجر البلاد إلى مؤشرات فقر تصل إلى 80% مع غياب الشفافية وانهيار العملة المحلية وإفلاس العديد من البنوك والمؤسسات.

إلا أن السيد رئيس الوزراء عبدا لله حمدوك بدا واثقاً في حديث ليلة أمس في المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه التشكيل الوزاري الجديد بأن الحكومة وضعت خطة لإنعاش الاقتصاد السوداني من خلال منحة تبلغ 1.2 مليار دولار من صندوق المعونة الأمريكية، وسوف تستثمر الحكومة منها بـ300 مليون دولار بقطاع البترول الذى تراجع بسبب الإهمال، وذلك من معدل 125 ألف برميل يومياً في 2011 إلى أقل من 60 ألف برميل، كما ستستثمر الحكومة بـ60 مليون دولار بقطاع الكهرباء الذي بلغت نسبة عجزه أكثر من 60%، ما سيسهم في تطوير القطاعين الزراعي والصناعي، كما وعد بالعمل على وقف تدهور العملة المحلية والتضخم.

ولكن يبدو أن الحالة السياسية الهشة في السودان ستكون هى المؤشر الذى يحكم الملف الاقتصادي والسياسات المالية والنقدية الفترة المقبلة، وتبقى بذلك مساعي التوصل إلى توافق وطني يضم كل أبناء السودان مجرد محاولات لا تجد آذان مصغية أمام التدافع السياسي والشد والجذب الذي يسود الساحة السياسية اليوم.

TRT عربي