ساهمت التقنيات الحديثة التركية في إلحاق ضربات موجهة ضد تنظيم PKK الإرهابي في العراق (Baykar/AA)

لطالما كان شمال العراق ملاذاً آمناً لتنظيم PKK الإرهابي، في وقت تستهدف العمليات الجوية والبرية التركية بشكل دائم هذا التنظيم في المنطقة الجبلية بشمال العراق القريبة من الحدود مع تركيا.

إضافة إلى هذه العمليات على غرار "مخلب النسر" و"مخلب البرق"، بدأت تركيا في منتصف مايو/أيار، استراتيجية جديدة في معركتها، وذلك عبر اعتمادها على العمليات المستهدفة والدقيقة والتي قتلت العديد من الشخصيات البارزة في تنظيم PKK الإرهابي، ما ساهم في ضرب بنيته التنظيمية والقيادية.

مؤسسة "جيمس تاون" للأبحاث، عملت في هذا التقرير على تركيز تركيا على العمليات الدقيقة والتي تشير إليها تحت اسم "الضربات الشخصية"، وعلى قدرة أنقرة العسكرية الحديثة في تحديد الأهداف المستقبلية المحتملة.

أولى "الضربات الشخصية"

في الـ17 من مايو/أيار الماضي، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مقتل المسؤول الأول لتنظيم PKK الإرهابي في سوريا والذي يُدعى "صوفي نور الدين" إثر استهدافه في شمال العراق.

نشرت وزارة الدفاع التركية حينها مقطع فيديو يعود لعملية اغتيال صوفي، حيث تظهر طائرات مسيرة تركية ترصد مدخل مغارة داخل أحد الجبال شمالي العراق، قبل أن تغير طائرة حربية من طراز F-16 بصاروخ خلف انفجاراً هائلاً في مدخل المغارة ما أدى إلى تدميرها بشكل كامل.

والإرهابي نور الدين بحسب بيان وزارة الدفاع، كان يتنقل تحت اسم مستعار هو "خلف المحمد" وهو مدرج في النشرة الحمراء للإرهابيين المطلوبين لدى السلطات التركية ولدى الشرطة الدولية (إنتربول).

كان الإعلان عن تلك العملية المركزة بداية لعمليات أخرى شبيهة، فقد تم تنفيذ عملية أخرى في شمال العراق في 24 مايو/أيار، إذ استهدفت الطائرات التركية سيارتين في محيط "منجيش"، إحدى مناطق محافظة دهوك في العراق، وقتلت أربعة من أعضاء التنظيم الإرهابي، بمن فيهم قياديان عسكريان للتنظيم موجودان في القائمة الرمادية لأنقرة.

على إثر ذلك، وفي 5 يونيو/حزيران نجح جهاز الاستخبارات التركية في استهداف سلمان بوزقور المعروف أيضاً باسم "الدكتور حسين"، والذي يعتبر المسؤول الأول لتنظيم PKK الإرهابي في مخيم مخمور الذي بات ملجأ للتنظيم، بعدها بأيام، في 10 يونيو/حزيران تحديداً، تمكنت الاستخبارات التركية من استهداف "حسن أدير" الملقب بـ"صالح جزرة" وهو واحد من أهم مسؤولي التنظيم الإرهابي في مخيم مخمور شمالي العراق.

استراتيجية جديدة.. مخمور وقنديل

كان الإرهابي سلمان بوزقور يبيض أموال تنظيم PKK الإرهابي بشكل غير قانوني في العراق قبل أن يصبح مسؤولاً عن مخيم مخمور الذي أصبح شبيهاً بالمعسكرات، خلال مقابلة تلفزيونية مباشرة قبل أيام قليلة من استهدافه، لمح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى عملية وشيكة ضد بوزقور، كما أشار إلى ملجأين آمنين للتنظيم الإرهابي في شمال العراق، بما في ذلك جبال قنديل ومخيم مخمور.

جبال قنديل، التي تقع على بعد أكثر من 200 ميل من تركيا بالقرب من الحدود العراقية الإيرانية، تعتبر المقر الرئيسي لكوادر القيادة العليا لتنظيم PKK الإرهابي ويتمركز فيها الجزء الأكبر منه منذ عقود.

أما مخمور، فهو مخيم للاجئين يسع 12000 شخص على الأقل، موجود في المنطقة منذ عام 1998، وتقول أنقرة إن تنظيم PKK الإرهابي بدأ في تجنيد الموجودين في مخمور منذ سنة 1992 عندما نقلهم بالقوة من تركيا إلى شمال العراق، وتعترف الحكومة العراقية والأمم المتحدة بمخمور كمخيم رسمي للاجئين في عام 2011، لكن في السنوات الأخيرة، زاد التنظيم الإرهابي من نفوذه في المخيم، ما جعله معسكراً له.

كان الرئيس التركي واضحاً عندما قال يوم 2 يونيو/حزيران، إن بلاده تعطي الأولوية لمخيم مخمور مثل قنديل، مضيفاً: "هذا المكان بمثابة حاضنة لقنديل... يتم تدريب الأطفال في سن التاسعة أو العاشرة هناك ثم إرسالهم إلى قنديل. إذا لم نذهب إليهم، فسيواصلون التجنيد".

وجه أردوغان وقتها كلامه للأمم المتحدة مطالباً إياها بالتدخل لإخلاء المخيم ونقل المدنيين فيه إلى مكان آخر، مشدداً على عدم سكوت تركيا لتحول المخيم إلى معسكر يستهدف أمنها، ليأتي الجواب بعدها بأيام عندما استهدفت القوات التركية الشخصين الرئيسيين من التنظيم الإرهابي في مخيم مخمور.

تستمر الطائرات التركية المسيرة في حالة تأهب دائمة لشن "الضربات الشخصية"، وتتضمن الضربات استهداف المقاتلين دون عناء وتكلفة المواجهة، وخاصة المخاطرة بالجنود الأتراك، إذ يتم تحديد الهدف عبر شاشة مشغل الطائرات الحديثة التركية، ومن خلال تقييم سلوك المقاتلين، إضافة إلى قدرة الخبراء الأتراك على التمييز بين المقاتلين والمدنيين، وكان الهجوم الجوي التركي في 30 مايو/أيار الماضي والذي أسفر عن مقتل خمسة من أعضاء التنظيم الإرهابي في منطقة "غارا" شمال العراق مثالاً على هذا النوع من الضربات الشخصية الدقيقة.

ومع ذلك، فإن العمليات المذكورة أعلاه ضد مقاتلين محددين، وكذلك تصريحات أردوغان، تشير إلى تحول استراتيجي في مكافحة الإرهاب لدى تركيا، والتي يمكن تعريفها على أنها "عمليات ضربات شخصية" أو "عمليات استهداف حسب القائمة". يرتبط استهداف مقاتلي تنظيم PKK الإرهابي ارتباطاً وثيقاً بالقدرات الدقيقة، وامتلاك التقنيات الجوية اللازمة، بما في ذلك الطائرات بدون طيار المسلحة، والقدرة الاستخباراتية العالية للدولة، وهذا ما تمتعت به تركيا في السنوات الأخيرة.

إضافة إلى مخمور، من المتوقع أن تكون العمليات الدقيقة القادمة في جبال قنديل، والتي تبعد مسافة طويلة عن الحدود التركية ممَّا يجعل خيار الهجوم البري عليها شبه مستحيل، تتميز هذه الجبال ببنية تحتية قوية للكهوف والمخابئ والتي عمل عليها تنظيم PKK الإرهابي لسنوات، الأمر الذي يجعل من تحديد الأهداف فيها أعقد من أي منطقة أخرى، وهو ما يحتاج إلى تقنيات أكثر حداثة وقوة تكنولوجياً وعسكرياً.

"الدرون" الجديدة.. مفتاح قنديل

تعمل تركيا منذ سنوات على تطوير قدراتها العسكرية، والتي تجسدت مؤخراً في طائرات "بيرقدار" المسيرة، إلا أن هذه الطائرات لا يمكنها ضبط أهداف في منطقة مثل جبال قنديل بسبب ارتباطها بنطاق اتصال الهوائي بينها وبين محطتها الأرضية والذي يمتد إلى حوالي 185 ميلاً.

انطلاقاً من ذلك، بدأ العمل على نسخة أكثر تحديثاً منها، الأمر الذي كشف عنه المدير الفني لشركة "بيرقدار"، سلجوق بيرقدار في أواخر 2020، عن النسخة الجديدة من طائرته والتي تحمل اسم "أقنجي تيها"، والتي تم دمجها مع نظام اتصالات الأقمار الصناعية (SATCOM)، وستسمح هذه التقنية باستخدام الطائرات خارج خط البصر.

وتسمح قدرة SATCOM للطائرة الجديدة بالتحليق فوق المناطق التي يغطيها القمر الصناعي التركي "TURKSAT 4B". ومع قدرتها على الطيران لـ24 ساعة متواصلة، أصبحت تمتلك القدرة على استهداف مناطق تبعد عشر ساعات أو أكثر على مع إمكانية العودة إلى تركيا.

وزُوّدت "أقنجي تيها" بمزايا تكنولوجيا فائقة مثل رادارات جو جو، وأنظمة مراسلة عبر الأقمار الصناعية، ورادارات تحديد العوائق، وغيرها من المزايا التي تجعلها مميزة بين نظيراتها حول العالم.

ويمكن لـ"أقنجي تيها"، بفضل الكاميرات المزودة بها لغرض الاستطلاع والمراقبة، تحديد الأهداف البرية التي قد يغفل عنها قائدها على الأرض، في خطوة تزيد من فاعلية استخدام المسيرة.

وستلعب دوراً مهماً في تخفيف أعباء المقاتلات الحربية، حيث سيكون بإمكانها تنفيذ ضربات جوية وقصف الأهداف المحددة، من خلال صواريخ جو جو المصنّعة هي الأخرى بإمكانات محلية.

ودخلت "أقنجي تيها" إلى أسطول القوات التركية بعد عملية تسليم أشرف عليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

لا تقل أهمية الطائرة "ANKA" عن "أقنجي تيها"، والتي تستخدم تقنية الاتصال بالأقمار الصناعية، ففي 24 فبراير/شباط الماضي أعلن المدير العام لشركة "TUSAŞ"، وهي الشركة المنتجية لـ"ANKA"، أن الشركة قد سلمت 27 طائرة دون طيار إلى القوات التركية، ما قد يساهم في عمليات أكثر دقة في قنديل، كما تتطلب هذه "الضربات الشخصية" جهوداً استخباراتية كبيرة من أجل تحديد الأهداف بدقة.

TRT عربي