في الوقت الذي تهدد فيه الزيادة القصوى لانبعاثات الكربون حياة البشرية جمعاء، يشدد العلماء والخبراء الإخصائيون على قادة الدول لضرورة اتخاذ إجراءات سريعة، بخاصة أن خيارات تفادي ذلك باتت اليوم أكثر ضآلة من أي وقت مضى.

استجابة لنداءات الاستغاثة التي وجّهتها المنظمات العالمية والخبراء والعلماء الإخصائيون، اجتمع قادة الدول مؤخراً في مدينة غلاسكو الاسكتلندية، للتباحث حول سبل وسياسات تفادي كارثة بشرية وشيكة، جرَّاء التغير المناخي الذي يهدّد الكوكب والإنسانية.

ويشير عديد من الأبحاث والدراسات إلى أن السبب الرئيسي وراء التغيير المناخي يتمثل أساساً في الانبعاثات الكربونية، التي تُقدَّر وفق إحصائيات رسمية بأكثر من 36 ألف مليون طن سنوياً، معظمها من استخدام الوقود الأحفوري وتوليد الطاقة من خلال القنوات غير المتجددة ومختلف الأنشطة البشرية الملوِّثة.

في هذا السياق كشف تقرير صادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية WMO أن تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للأرض بلغ منذ سنة 2018 نحو 407.8 جزء في المليون، بما يمثل نسبة أعلى بنحو 47% من فترة ما قبل الصناعة، ليحطم بذلك جميع الأرقام القياسية في تاريخ البشرية.

وبينما أثارت هذه الأرقام المفزعة مخاوف الجميع، استرعت في الوقت ذاته الانتباه للدول التي تتحمل المسؤولية الكبرى في ذلك، وكان من بينها دول عربية اعتبرتها عدة دول خطراً على الإنسانية.

دول عربية ضمن الترتيب الأول

على الرغم من تحديد التقارير والدراسات قائمة الدول المسؤولة عن الانبعاثات الكربونية التي تشكّل أكبر تهديد للإنسانية، فإنه لا يوجد في الحقيقة حتى اليوم قانون دولي أو قيود، تقلّل هذه الأخطار. لذلك فإن الجميع يتطلع إلى مخرجات مؤتمر غلاكسو، للضغط على هذه الدول واتخاذ الإجراءات اللازمة. وقد أكّد خبراء وإخصائيون أنه لم يتبقَّ من الوقت إلا عشر سنوات تقريباً لبدء هذه الإجراءات.

وفيما تحتل الصين والولايات المتحدة الأمريكية والبلدان الأوروبية الصدارة في ترتيب الدول المسؤولة عن هذه الانبعاثات، لفت وجود دولة عربية ضمن هذا الترتيب الانتباه.

إذ تحتلّ المملكة العربية السعودية المرتبة العاشرة، وبذلك تكون في مقدّمة الدول العربية بإنتاج يقارب 638 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنة 2018، تليها مصر بنحو 258 ألف طنّ، ثم الإمارات بنحو 203 آلاف طن.

ووفق ما أشار إليه تقرير الاتحاد الأوروبي الصادر عام 2018، فإن إنتاج الدول العربية من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وصل إلى نحو 8.5% عالمياً.

وإن كانت السعودية اليوم في مقدمة الدول المسؤولة عن الانبعاثات الكربونية التي تشكّل أكبر خطر محدق بالإنسانية، فإن فرص تَخلُّصها من الكربون في أقرب وقت تقتضيه الخطورة تكاد تكون مستبعَدة، وإن أبدت استعدادها لذلك خلال المؤتمر، حسبما أشار خبراء ومحللون.

فالمملكة تُعتبر اليوم ثاني أكبر منتج للنفط عالمياً، وتملك أكبر احتياطي للنفط، يقوم عليه بشكل كبير الاقتصاد السعودي، بل يُعتبر الدعامة الرئيسية له، لذلك فإن تقليص انبعاثات الكربون سيتسبب لها في خسارة فادحة كما أكدت عدة تقارير اقتصادية سابقة.

ولكن الضغط الدولي والأخبار التي انتشرت مؤخراً مثيرةً ضجة كبيرة، مؤكدةً تورُّط بعض الشركات والمسؤولين في عدة دول، على غرار المملكة، في تغيير توصيات ومخرجات التقرير الأممي حول تغيُّر المناخ، يبدو أنها دفعت السعودية إلى الإعلان عن عدة إجراءات قد تساهم في تقليص انبعاثات الكربون، وكان من بينها تَعهُّد المملكة بزراعة 10 مليارات شجرة، وتوليد نصف طاقتها من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، إضافة إلى التعاون مع عدة دول لزراعة 40 مليار شجرة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ومحاولة تنويع مجالات الاقتصاد السعودي بعيداً عن الوقود الأحفوري.

ويعتبر كثيرون أن هذه الإجراءات قد تدفع بقية دول الجزيرة العربية وأعضاء الدول المنتجة للنفط، إلى توخِّي نفس المسار. ولا يزال الجميع في هذه الأثناء يتطلع إلى مدى مصداقية هذه الدول، في إنقاذ البشرية.

حياة ملايين في خطر

في حين يعتمد اقتصاد عديد من الدول الكبرى والدول الغنية التي تتسبب في نحو نصف انبعاثات الكربون في العالم، أساساً على الوقود الأحفوري، يؤكّد العلماء أن لذلك تأثيراً كارثياً على الكوكب وعلى المحيطات.

وأشارت عدة تقارير إلى أن استمرار انبعاث الكربون قد يتسبب في مقتل ملايين البشر حول العالم.

ووفق ما جاء في دراسة صادرة عن معهد الأرض بجامعة كولومبيا الأمريكية، فإن إزالة انبعاثات الكربون بالكامل بحلول عام 2050 تنقذ حياة 74 مليون شخص تقريباً، وتلفت الدراسة إلى أن إضافة نحو مليون طن متري إلى خط الأساس لعام 2020، وهي ناتجة أساساً عن انبعاثات السيارات والطائرات ومحطات الطاقة التي تعمل بالفحم، من شأنها أن تقتل نحو 226 شخصاً.

وتفترض الدراسة أن المناطق الأكثر سخونة وذات الدخل المنخفض، ومن بينها بلدان الشرق الأوسط والبلدان الإفريقية، ستواجه تأثيراً أكبر لانبعاثات الكربون، يتمثل أساساً في زيادة حالات الوفيات، بنسبة أكثر من المناطق الأكثر برودة وذات الدخل المرتفع، إذ بإمكان البلدان ذات الدخل المرتفع تطوير سياسات تقلّل تأثير الوفيات الناتجة عن التعرُّض لدرجات الحرارة المرتفعة.

TRT عربي