في وقت يسعى فيه لبنان للتعافي من أزمة اقتصادية طوقته منذ انفجار مرفأ بيروت قبل سنة من الآن، يشتعل من جديد فتيل الحرب في المدن الجنوبية بين جماعة حزب الله وإسرائيل، ليزداد الوضع سوءاً.

عمقت الطبقة السياسية التي تتجاذبها الصراعات الطائفية، الأزمة المالية في لبنان، والتي تواصلت منذ الحرب الأهلية التي اندلعت بين سنتي 1975 و1990.

ولم تتمكن في المقابل المسيرات والاحتجاجات التي انطلقت في الشوارع، منددة بتداعيات الأزمة السياسية على اقتصاد البلاد، ولا حتى الضغوطات الدولية، من وضع حد للتشظي الذي يشهده المشهد السياسي والذي أدى إلى انهيار اقتصادي كبير، سيكون من الصعب على لبنان تجاوزه بسهولة.

وممَّا زاد الوضع تعقيداً وسوءاً، الانفجار الضخم في مرفأ بيروت، والذي تواصل السلطات اللبنانية في تعطيل مسار التحقيق فيه وتوفير الحصانة للمتهمين في الضلوع فيه بصفة مباشرة أو غير مباشرة، وذلك بحسب تقرير صدر مؤخراً عن منظمة العفو الدولية. كل ذلك أدى إلى مزيد من تأجيج الاحتقان الشعبي على الطبقة السياسية بكل أطيافها، والتي تحمل المسؤولية الأولى والكبرى اليوم في تداعي النظام السياسي والاقتصادي، والتي كانت سبباً في موت الكثيرين من أبناء الشعب اللبناني، وإلقاء الكثير منهم بنفسه في عرض البحر هرباً من وضع لا يؤمل حله، وسقوط الباقين في براثن الفقر.

وفي الأثناء وبينما كان اللبنانيون يتطلعون لحل عاجل ولطرف يتولى زمام المبادرة لإصلاح ما يمكن إصلاحه، تحتدم حرب حامية بين جماعة حزب الله وإسرائيل في الحدود الجنوبية للبنان، منذرة بمواجهات وحروب أهلية بين المدنيين وأنصار حزب الله.

لبنان على حافة الانهيار

هز العاصمة اللبنانية بيروت انفجار ضخم بالمرفأ يوم 4 أغسطس/آب 2020، وسقط ضحية الانفجار الكبير حوالي 217 شخصاً، وأكثر من 7000 جريح، وشرد أكثر من 300 ألف شخص من منازلهم، وخلف حجماً كبيراً من التدمير للبنية التحتية.

وبينما كان يحتاج لبنان إلى سيولة مالية عقب الأزمة الاقتصادية التي زعزعت استقراره وأدت إلى شلل بالبنوك وعجز عن تسديده الالتزامات المالية والدولية، فاقم انفجار بيروت من حدة الأزمة وزاد الأعباء على الحزانة المالية بقيمة حوالي 4.6 مليار دولار.

وللمرة الثانية على التوالي، وضعت العديد من القوى العالمية والدول الأجنبية مساعداتها ومنحها للبنان وشعبها لتجاوز الكارثة، رهن اتفاق السياسيين ونجاحهم في تشكيل حكومة ووضع خريطة طريق تنتشل لبنان من أزمته.

وقد وضع الشرط نفسه في مؤتمر باريس 2018، حين وعد المانحون بدعم لبنان وتقديم مليارات الدولارات، وذلك شريطة أن يتم إصلاح وتغيير في المسار السياسي، إلا أن الطبقة السياسية لا تزال تغض الطرف عن حجم الكارثة وتغلب خلافاتها الشخصية على حساب المصلحة العامة، بحسب ما يرى ذلك ناشطون ومحللون. وتفتح بذلك الباب على مصراعيه أمام صراعات ومواجهات بين أبناء الشعب الواحد المنهك مالياً واجتماعياً، و الذي تتجاذبه بالأساس الصراعات الطائفية التي تغذيها وتستثمر فيها عديد الأطراف منذ عقود للتوجيه نحو مسارات معينة.

حزب الله يواجه غضباً شعبياً متصاعداً

على غرار بقية مكونات المشهد السياسي في لبنان، تحمل حزب الله الشيعي الدرجة نفسها من المسؤولية في ما آلت إليه الأمور في البلاد.

ورغم التهم التي وجهت إلى الحزب على إثر انفجار بيروت، بتحميل حزب الله المواد المتفجرة إلى المرفأ لنقلها من هناك إلى سوريا، ونفي أمينه العام حسن نصر الله تلك المزاعم، ومطالبته القضاء بسرعة الكشف عن ملابسات الجريمة الإنسانية، فإن ذلك لم يجنبه غضباً شعبياً متصاعداً يراه طرفاً رئيسياً في الأزمة اللبنانية. وتصاعد السخط الشعبي إثر المواجهة الأخيرة التي اندلعت في المناطق الحدودية بين لبنان وإسرائيل.

وقد أعلن حزب الله يوم الجمعة 6 أغسطس/آب الجاري أنه أطلق عشرات الصواريخ من جنوب لبنان في اتجاه مزارع شبعا، المناطق المتنازع عليها بين لبنان وسوريا وإسرائيل، وذلك رداً على غارات الاحتلال على مناطق لبنانية خلال الأسبوع، وقامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بدورها بالرد على ذلك بقصف مدفعي.

وأدت هذه المواجهات بين الطرفين إلى غضب شعبي، يرى أن حزب الله يستعمل المدن والقرون اللبنانية كدروع، ويعرض حياة المدنيين للخطر. وفي السياق ذاته تناقلت وسائل إعلامية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، صوراً ومشاهد لاعتراض سكان بعض القرى في بلدة شويا بمدينة حاصبيا الواقعة بجنوب لبنان، لمجموعة تتبع حزب الله، وصادروا راجمة صواريخ استُعملت لإطلاق الصواريخ، وتم تسليمها لاحقاً للجيش اللبناني.

ويبدو أن هذه المشاهد بحسب صحيفة لوفيغارو الفرنسية، تنذر بتوترات ومواجهات أهلية محتملة، وذلك بعد أن وقعت حادثة مماثلة في بلدة الخالدة، حين قتل 3 من عناصر من حزب الله في أثناء اشتباك مسلح بين جماعتين من السنة والشيعة. وقبلها، خلال سنة 2008، حين اشتبك مقاتلو حزب الله مع أطراف موالية للسلطة في مدخل مدينة بيروت.

ويبدو أن حزب الله الذي كان يحظى بشعبية عربية لمحاربته عدواً مشتركاً وهو الاحتلال الإسرائيلي، والذي تمكن من أن يحظى منذ 2006 بقوة سياسية ذات ثقل كبير، أدمجته في العملية السياسية في لبنان، بدأت اليوم شعبيته تتآكل ليواجه سخطاً كبيراً، ومعارضة شعبية، تأججت منذ تورطه في الحرب في سوريا. ولم يعد في نظر الكثير من البنانيين يمثل المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي وإنما ذراعاً لإيران بلبنان وبالمنطقة العربية، ولعل الشعارات التي تنادت في الاحتجاجات الأخيرة مؤشر واضح على ذلك حين نادى اللبنانيون "حزب الله إرهابي" وطالبوا بخروج إيران من لبنان.

TRT عربي
الأكثر تداولاً