تحت عنوان رؤية 2030 قررت المملكة العربية السعودية منح جنسيتها لأصحاب الكفاءات المتميزة التي بإمكانها تعزيز التنمية والاستثمار السعودي. وقد فاجأ القرار كثيرين، إذ طالما عُرفت المملكة بتشدُّدها في هذا الملف.

بعد إعلان الإمارات قرارها تجنيس عدد من المقيمين فيها، من أصحاب الكفاءات والمستثمرين والمثقفين، متصدرة في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي، رجّحت مجلة إيكونومست البريطانية حينها على غرار عدة جهات إعلامية، أن تتبعها في ذلك عدة دول خليجية أخرى.

ولم تمضِ فترة وجيزة على القرار الإماراتي حتى فاجأت السعودية الجميع بإعلانها مجموعة من التعديلات والإجراءات، على قانون الإقامة والتجنيس السعودي، وقررت مزيداً من الانفتاح على ذوي الخبرات والكفاءات المتميزة والمستثمرين، بمنحهم الجنسية السعودية.

ويرى خبراء ومحللون، أن الخطوة السعودية وقبلها الإماراتية تشير إلى توجه استراتيجي جديد لبلدان الخليج، بعد عقود من الانغلاق.

السعودية تجنّس الكفاءات

بموافقة رسمية من الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، أعلنت السلطات السعودية يوم الخميس 11 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، فتح باب تجنيس مختلف الكفاءات الشرعية والطبية والعلمية والثقافية والرياضية والتقنية، التي بإمكانها تقديم القيمة المضافة للبلاد وتعزيز عجلة التنمية.

وذلك تماشياً مع "رؤية 2030 " التي كان أعلن عنها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عام 2016، والتي تهدف إلى تعزيز البيئة الجاذبة التي يمكن من خلالها استثمار الكفاءات البشرية واستقطاب المميزين والمبدعين، وذلك حسب ما جاء بوكالة الأنباء السعودية "واس".

ويندرج القرار، ضمن مجموعة من الإجراءات والتعديلات في قانون الإقامة والتجنيس السعودي، التي أطلقتها المملكة مؤخراً، لمزيد الانفتاح على الطاقات ورؤوس الأموال من مختلف الجنسيات، والتي ستساهم وفق ما أكده خبراء وإخصائيون سعوديون، في تنويع موارد الاقتصاد السعودي بعيداً عن المصادر النفطية التقليدية.

ففي عام 2019 أيضاً قررت المملكة منح "الإقامة المميزة" للأجانب الأثرياء، لمزيد من جذب المستثمرين. وقال حينها وزير التجارة والاستثمار السعودي ماجد بن عبد الله القصبي في تصريح إعلامي: "إن نظام الإقامة المميزة سيعزز التنافسية وسيمكّن المملكة من استقطاب مستثمرين وكفاءات نوعية".

ووفق ما أعلنت عنه الجهات الرسمية في السعودية، فإنه سيكون التجنيس قائماً على الترشيح، ولن يُفتح باب تقديم للطلبات، وسيُختار بالتالي الأنفع والأكثر تلبية للاحتياجات التنموية للبلاد، وفق تقديرهم.

وأكد عديد من المصادر في السياق ذاته، أن القطاعات التي ستُستهدف، تتمثل أساساً في الطب والصناعة والطاقة والزراعة والجيولوجيا والفضاء والطيران والذكاء الصناعي وإنترنت الأشياء وغيرها من التخصصات النادرة والمطلوبة.

مسار خليجي لتعزيز الاقتصاد

لم تكن السعودية الدولة الخليجية الأولى التي خطت هذه الخطوة في اتجاه مزيد الانفتاح على الكفاءات، إذ سبقتها في ذلك مؤخراً دولة الإمارات التي قررت منح جنسيتها للمستثمرين والموهوبين والمتخصصين من العلماء والأطباء والمهندسين والفنانين والمثقفين وعائلاتهم.

وتطمح بذلك الإمارات إلى تعزيز اقتصادها وتطويره وجلب الاستثمارات إليها، واستقطاب اليد العاملة المختصة والنوعية، كما يؤكد خبراء وإخصائيون.

وقد استدعى القرار الإماراتي ومن بعده السعودي انتباه كثيرين، كانوا يعدُّون في ذلك تحولاً استراتيجياً هاماً، لأن الدولتين على غرار بقية بلدان مجلس التعاون الخليجي من أكثر البلدان انغلاقاً، ولطالما كانت سياسة المواطنة في هذه البلدان مشددة وصارمة، على الرغم من أن عدد مواطنيها لا يتجاوز 30% في أحسن الحالات مقابل نسب مرتفعة من الجاليات الأجنبية الأخرى المقيمة فيها.

وقد اتخذت دولة قطر الإجراء ذاته من قبل، باستهدافها تجنيس الكفاءات في مختلف المجالات الثقافية والرياضية والطبية، بخاصة خلال فترة الحصار لتجاوز التضييقات الاقتصادية المفروضة عليها.

أما الكويت فقد استقطبت بدورها عديداً من الكفاءات منذ سبعينيات القرن الماضي، لتحقق بذلك تقدم اقتصادي لافت.

وعلى ضوء الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تعيشها البلدان الخليجية، بخاصة مع انخفاض أسعار النفط، وأمام الاستحقاقات الإقليمية والتحديات الجيوستراتيجية، تقود الإمارات والسعودية توجهاً ومساراً حقيقياً في كسر دائرة الانغلاق الخليجي الذي وُسمت به، والانفتاح في المقابل على الخبرات والكفاءات.

TRT عربي