مع وصول الأزمة في السودان إلى طريق مسدود، منذ إعلان قائد الجيش عبد الفتاح البرهان يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وحلّ مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين، شدد المجتمع الدولي على ضرورة عودة الحكومة المدنية، داعياً مختلف الأطراف للتدخل في حل الأزمة.

تتجه أنظار العالم خلال الفترة الأخيرة إلى الأحداث المتسارعة في السودان والتي لم تهدأ وتيرتها منذ إعلان قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الانقلاب على السلطة وعزل رئيس الحكومة عبد الله حمدوك يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

ومع ارتفاع حصيلة الإصابات في صفوف المتظاهرين المطالبين بعودة الحكم إلى المدنيين ومحاسبة "قادة الإنقلاب"، خلال الساعات الأخيرة، أثناء المواجهات الحامية، مع قوات الجيش، في أنحاء متفرقة من العاصمة الخرطوم، عبر المجتمع الدولي عن قلقه المتزايد إزاء الأحداث الأخيرة، ودعا مختلف الأطراف، وفي مقدمتها إسرائيل إلى التدخل في حل الأزمة، والضغط لإنهاء الإنقلاب العسكري في السودان.

قمع وقتل وانتهاكات جسيمة

تحت لافتة "مليونية 17 نوفمبر" التي دعت إليها في وقت سابق "تنسيقية لجان المقاومة"، واحتجاجاً على "الانقلاب العسكري" الذي نفذه الجيش على السلطة المدنية، وأعلن بموجبه حالة الطوارئ وحلّ مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين وإعفاء الولاة، واعتقال العديد من القيادات الحزبية والوزراء والمسؤولين، خرج الآلاف من المتظاهرين إلى شوارع العاصمة السودانية الخرطوم ومدينتي بحري وأم درمان، يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، رافعين شعار "الشعب يريد المدنيين" و"لا لحكم العسكر".

ووفق ما أشارت إليه العديد من المصادر الإعلامية المحلية والأجنبية، والمنظمات الحقوقية، فقد اجهت قوات الجيش المظاهرات والحشود المحتجة، بالحديد والنار، وأطلقت على المتظاهرين الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع، وأغلقت في الأثناء الطرق المؤدية إلى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة وإلى قصر الرئاسة ومقر الحكومة، للحول دون وصول المتظاهرين إليها واقتحامها.

وفي تدوينة على صفحتها الرسمية على فيسبوك، أدانت لجنة أطباء السودان المركزية الانتهاكات والقمع من قبل قوات الجيش قائلة بأن : "القوات الانقلابية تستخدم الرصاص الحي بكثافة في مناطق متفرقة في العاصمة الخرطوم وعشرات الإصابات بالرصاص الحي بعضها حالات حرجة".

من جانبه أشاد تجمّع "المهنيين السودانيين"، بما اعتبره شجاعة "ثوار السودان" في الاحتجاجات الأخيرة وندد بالفظاعات والجرائم التي ارتكبتها قوات الجيش في حق الآلاف من المتظاهرين، قائلاً في بيان رسمي : "خاض شعبنا اليوم ملحمة بوجه قوات المجلس الانقلابي التي ارتكبت مذبحة مكتملة الأركان، ارتقى فيها 15 شهيداً وشهيدة فدوا بأرواحهم مسيرة شعبنا الظافرة والبالغة لغاياته في الحرية والسّلام والعدالة".

وجاءت المواجهات الأخيرة، بعد أيام قليلة من مقتل 7 أشخاص يوم السبت 13 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، إثر الواجهات التي اشتدت بين القوات العسكرية والمتظاهرين. بذلك ارتفعت حصيلة أعداد القتلى في صفوف المحتجين والمتظاهرين إلى نحو 23 قتيلاً، منذ إعلان الجيش انقلابه على السلطة يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول المنقضي، حسب ما أفادت به لجنة أطباء السودان المركزية.

وفي السياق ذاته ولمزيد تطويق الحراك والتضييق عليه، أكد ناشطون ومعارضون أن السطات الحالية عطلت خدمات الاتصالات وشبكة الإنترنت، ونفذت حملات واسعة لاعتقال قادة الحراك وأبرز الناشطين في السودان.

هل تدخل تل أبيب على خط الأزمة؟

عبر المجتمع الدولي عن قلقه المتزايد إزاء التطورات والأحداث الأخيرة في السودان والتي أودت بحياة الكثيرين، وبدأت تدخل منعرجاً خطيراً لا تنذر بانفراجة أو حل قريب.

وتعليقاً على ذلك قال ستيفان دوجاريك، المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، خلال مؤتمر صحفي : "نحن في انتظار الحصول على بعض التفاصيل من زملائنا على الأرض في السودان لكن من الواضح، إذا أُكّدت هذه الأرقام، فإنها مقلقة للغاية".

ولكن يبدو أن تمسك كل الأطراف اليوم بمواقفها المتباينة في الأزمة، وعدم الاستجابة لضغط الشارع ومختلف الأطراف المحلية، سيدخل المشهد في السودان إلى مزيد من التعقيد والجمود والفراغ السياسي، وقد يطيل ذلك في عمر الصراع الذي قد يخلف وراءه الكثير من الخسائر المادية والبشرية.

وبالتالي فقد انخفضت رهانات العديد من الأطراف على قوة الشارع الذي تحول الإطاحة بالبشير عام 2018، إلى قطب آخر في المعادلة، ورجحت بذلك اليوم بعض الأطراف ضرورة تدخل طرف ثالث لحل الأزمة والوساطة بين شريكي السلطة السابقين والمتنازعين عليها اليوم. وهو ما يفسر الدعوة التي وجهتها ممثلة واشنطن لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد، إلى إسرائيل للتدخل في حل الأزمة في السودان قائلة : "إن الولايات المتحدة تضغط على إسرائيل لتشكيل حكومة في السودان وإنهاء الانقلاب العسكري في البلاد".

ولفت خبراء ومحللون الانتباه إلى أن واشنطن وتل أبيب يقفان على طرفي نقيض من الأزمة في السودان منذ البداية. حيث تدين الولايات المتحدة الانقلاب الأخير وتعتبر حمدوك ممثلاً للشرعية في السودان، وقد سارعت بناء على ذلك في تعليق 700 مليون دولار من المساعدات للسودان.

أما إسرائيل فتدعم في المقابل القيادات العسكرية السودانية وتقيم علاقات وثيقة معها، بخاصة منذ ضغط الأخيرة على الموقف السوداني لتوقيع اتفاقية أبراهام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

وقد كشفت العديد من الوسائل الإعلامية في وقت سابق عن لقاءات عديدة جمعت بين رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو وعبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني. وبذلك تتجه الأنظار اليوم إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي نفتالي بينيت وعن الدور الذي من الممكن أن يضطلع به في اتجاه الضغط لحل الأزمة المتفاقمة في السودان.

TRT عربي
الأكثر تداولاً