في خطوة أربكت المشهد السياسي السوداني، أعلن المجلس العسكري الانتقالي رفضه رسميا للمبادرة التي طرحتها إثيوبيا لتسوية أزمة السودان، وذلك بعد ساعات من موافقة قوى الحرية والتغيير عليها.

الخرطوم ـــ شدد الناطق باسم المجلس العسكري، الفريق شمس الدين الكباشي، على ضرورة أن تنأى المبادرة الموحدة عن طرح الحلول الجاهزة، وأن تعمل على إعادة الفرقاء السوادنيين إلى طاولة المفاوضات.

وسرعان ما ردّت قوى الحرية والتغيير، بأنه لا توجد أصلاً مبادرة من الاتحاد الإفريقي، وقالت إن بين الوسيط الإثيوبي السفير محمود درير، ومبعوث الاتحاد الإفريقي إلى الخرطوم، محمد الحسن لبات، مبادرة موحدة طُرحت عليها وعلى المجلس العسكري في توقيت متزامن.

وقال القيادي في قوى الحرية والتغيير خالد عمر يوسف لـTRT عربي، إن المجلس العسكري غير جادّ في نقل السلطة للمدنيين، وإنه يناور من أجل كسب الوقت، للانفراد بالسلطة، وإقصاء المكونات الثورية.

ولفت يوسف إلى أن المجلس العسكري، لم يكتفِ برفض المبادرة الإثيوبية، بل قام بالانقلاب على اتفاقه مع قوى الحرية والتغيير حول المجلس التشريعي ومجلس الوزراء.

وكانت المبادرة الإفريقية قد اقترحت الإبقاء على الاتفاق السابق الذي منح قوى الحرية والتغيير 67% من مقاعد المجلس التشريعي، المكوّن من 300 مقعد، كما منحها حق تشكيل مجلس الوزراء بصلاحيات واسعة.

بالنسبة لقوى الحرية والتغيير، فالمجلس العسكري غير جادّ في نقل السلطة للمدنيين، ويناور من أجل كسب الوقت، للانفراد بالسلطة
بالنسبة لقوى الحرية والتغيير، فالمجلس العسكري غير جادّ في نقل السلطة للمدنيين، ويناور من أجل كسب الوقت، للانفراد بالسلطة (AP)

واقترحت المبادرة أيضاً تكوين مجلس سيادي من 15 عضواً، تُعيِّن قوى الحرية والتغيير سبعة منهم، ويسمي المجلس العسكري مثلهم، على أن يتوافق الطرفان على شخص مدني ثامن، وأن تكون الرئاسة دورية.

البحث عن حاضنة سياسية

يبدو أن المجلس العسكري الانتقالي حسم أمره، ومضى في البحث عن حلفاء جدد، بخلاف قوى الحرية والتغيير، وذلك بعدما اتسعت المسافة الفاصلة بينهما.

إذ شرع المجلس فعلياً في بناء تحالفات عشائرية وقبلية، بحثاً عن تفويض شعبي.

وذكر نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق أول محمد حمدان "حميدتي" في خطاب جماهيري يوم الإثنين، أنه ينبغي لقوى الحرية والتغيير، أن تقبل بمناصفة المجلس التشريعي، حال أصرّت على مناصفة المجلس السيادي، وذلك في تطور جديد.

ويرى الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية د.منتصر الطيب، أن قوى الحراك الشعبي لن تقبل بمناصفة مجلس الوزراء، على اعتبار أن هذا الشرط طرحه المجلس العسكري في بدايات التفاوض، ورفضته قوى الحرية والتغيير.

وأشار أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية إلى أن المجلس العسكري يراهن على الحواضن الاجتماعية والعشائرية والقبلية لكسب معاركه مع قوى الحراك الشعبي، منوهاً بأن هذه التحالفات لن تصلح لتكون حاضنة سياسية.

وأضاف: "قد يستفيد المجلس العسكري من تلك التحالفات في المضمار الانتخابي، لكنها ليست مجدية سياسياً، لأن غالبية قادة الإدارات القبلية تصنّف ضمن أنصار الرئيس المعزول عمر البشير، وبالتالي إذا كانت فعالة فمن باب أولى أن تكون قد نفعت البشير".

لكن الخبير الاستراتيجي التازي عمر، يرى أن أداء قوى الحرية والتغيير، خلال مرحلة ما بعد سقوط البشير، لم يكن مقنعاً، مشيراً إلى أن ذلك قد يعزز شعبية المجلس العسكري، بخاصة في بلد مثل السودان، تبدو قطاعات كثيرة منه حبيسة العاطفة تجاه النظم الشمولية، بدلاً من الديمقراطية.

وقال عمر لـTRT عربي، إن المجلس العسكري رفض اتفاقه السابق مع قوى الحرية والتغيير حول المجلس التشريعي، لشعوره بأن هناك قوى سياسية راغبة في التحالف معه، وبالتالي سعى لاقتصاص جزء من السلطة، لصالحها.

واستبعد التازي لجوء المجلس العسكري إلى تشكيل حكومة مدنية بصورة منفردة، لكنه توقّع أن يلجأ المجلس العسكري إلى الإعلان عن انتخابات مبكرة، في مدة أقصاها عام.

قال محمد حمدان
قال محمد حمدان "حميدتي" في خطاب جماهيري يوم الإثنين، أنه ينبغي لقوى الحرية والتغيير، أن تقبل بمناصفة المجلس التشريعي (AA)

لكن هذه الفرضية لم ترُق لأستاذ العلوم السياسية د.منتصر الطيب، مشيراً إلى أن المجلس يهدف من هذا التصعيد إلى إجبار قوى الحرية والتغيير على تقديم تنازلات تجعلها تفقد الأغلبية الميكانيكية داخل المجلس التشريعي، خوفاً من إصدار تشريعات تضر بمصالحه وتحالفاته الخارجية، بخاصة حول مشاركة القوات السودانية في اليمن.

سباق المبادرات

موافقة المجلس العسكري على وساطة الاتحاد الإفريقي، ورفضه لمبادرة رئيس الوزراء الإثيوبي، رأى مراقبون أنها نابعة عن صراع المحاور والنفوذ داخل القارة الإفريقية.

وأشار الأكاديمي د.منتصر الطيب، إلى أنه من الراجح جداً أن تكون مبادرة الاتحاد الإفريقي وراءها الحكومة المصرية التي تسعى لإيجاد دور لها في تسوية الأزمة السودانية، منوهاً بأن مصر لن تكون سعيدة بنجاح وساطة رئيس الوزراء الإثيوبي، لأن ذلك يعني نشوء حكومة في السودان تدين له بالفضل، وهذا ما لا تقبله مصر التي تخوض صراعاً على المياه مع إثيوبيا.

ولفت الطيب إلى أن خلافات حادة داخل مكونات الاتحاد الإفريقي، جعلت منظمة الإيقاد التي يرأسها رئيس الوزراء الإثيوبي الدكتور أبي أحمد، تساند المبادرة الإثيوبية، جرياً على موقف مجلس السلم والأمن الإفريقي الداعم للمبادرة، والمتشدد تجاه المجلس العسكري.

وأشار إلى أن مفوضية الاتحاد الإفريقي التي يقودها وزير الخارجية التشادي السابق موسى فكي، تبدو أقرب لمساندة مبادرة الاتحاد الإفريقي، بحكم العلاقة الراسخة بين تشاد ومصر والسعودية والإمارات، لافتاً إلى ظهور أكثر من وساطة عقب رفض المجلس للمبادرة الإثيوبية.

وكان الناطق باسم المجلس العسكري، قد أعلن رسمياً عن مبادرة تقودها نيجيريا وأخرى من دولة جنوب السودان، لكنه قال إن الأولوية لهم مبادرة الاتحاد الإفريقي.

وبعد ساعات من رفض المجلس العسكري للمبادرة الإثيوبية، وصل وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، إلى الخرطوم، حاملاً مبادرة جديدة لتسوية الأزمة السودانية، حيث التقى رئيس المجلس العسكري ونائبه، ومن المتوقع أن يلتقي قوى الحرية والتغيير.

دعوات التصعيد الثوري

الموقف الذي أعلنه المجلس العسكري من المبادرة الإثيوبية، ومطالبته بإدماجها مع مبادرة الاتحاد الإفريقي، قابله تجمع المهنيين، الذي يقود الاحتجاجات في السودان، باستغراب شديد، واعتبره محاولة من المجلس لنفض يده من الوساطة كلياً.

وأكد المتحدث باسم تجمع المهنيين السودانيين، إسماعيل التاج، تمسكهم بالوساطة الإثيوبية، مؤكداً أن رفضها أو التراجع عنها بمثابة إعلان حرب على المجتمع الدولي والإقليمي من قبل المجلس العسكري.

وأعلن التاجر سمياً عن مظاهرة حاشدة، في الثلاثين من يونيو المقبل، لحث المجلس العسكري على نقل السلطة إلى المدنيين.

هنا يؤكد الخبير الاستراتيجي التازي عمر، إن اللجوء إلى التصعيد في مواجهة المجلس العسكري رهان خاسر، منوهاً بأن المجلس يملك القدرة الأمنية والمالية على مواجهة التظاهرات، عكس الرئيس المعزول عمر البشير، لافتاً إلى أن شعبية قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين لم تعد كما كانت في السابق، بسبب الأخطاء التي لازمت أداءهم خلال الفترة الماضية.

لكن الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، د.منتصر الطيب، يرى أن فرص نجاح المظاهرات ضد المجلس تبدو أكبر من تلك التي كانت تحدث في عهد الرئيس المعزول عمر البشير، منوهاً بأن حالة الغبن تجاه المجلس الحالي وأنهار الدماء التي سالت في فضّ اعتصام القيادة العامة للجيش السوداني، كفيلة بخروج المواطنين للتظاهر.

المصدر: TRT عربي