يبدو أن التحول الذي حدث في السودان في 11 أبريل/نيسان 2019 لم يكن تحولاً ثورياً شعبياً من أجل إسقاط نظام الحكم الداخلي فقط، في البلد المصنف حسب التصنيف الأمريكي والإسرائيلي ضمن ما يُسمَّى بـ(دول الممانعة).

قامت الثورة الشعبية في السودان باحتجاجات مطلبية من أجل حياة أفضل في الاقتصاد والأمن والسياسة. وألهبت الشارع بشعارها (حرية، سلام وعدالة)، فخرج الناس يبحثون عن الحرية والسلام والعدالة والعيش الكريم لا سواها. وبعد إعلان اللجنة الأمنية استجابتها لنداءات الشارع السوداني المعتصم أمام القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية لخمسة أيام، مؤكدة في بيان لها بأن الجيش قرر إنهاء حكم الرئيس البشير، ودخول البلاد في مرحلة انتقالية لمدة ثلاثة أعوام، يتقاسم فيها الحكم بين العسكر والمدنيين، وتحكمها الوثيقة الدستورية الموقعة بين الطرفين في 17 أغسطس/آب 2019 بمهام محددة للحكومة الانتقالية، تمثلت في: تحقيق السلام والعدالة وتحسين حالة الاقتصاد السوداني وإجراء الانتخابات العامة.

العسكريون يتصدرون المشهد

على عكس ما نادت به شعارات الثورة بمدنية الحكومة التي تقود الفترة الانتقالية، فقد تصدر العسكريون، وخاصة في المجلس السيادي الذي يترأسه الفريق أول عبد الفتاح البرهان ونائبه الفريق محمد حمدان دقلو( قائد قوات الدعم السريع)، المشهد السياسي. في الوقت الذي قاد فيه البرهان ملف العلاقات الخارجية السودانية، صعد نجم دقلو في ملف السلام مع الحركات المسلحة المعارضة.

وقبل مضي خمسة أشهر على جلوسه في مقعد الرئاسة، فاجأ البرهان الأوساط السياسية السودانية والعالمية بلقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عنتبي بدولة يوغندا، في الاثنين 3 فبراير/شباط 2020 بتنسيق من الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، واتفق الجانبان على التعاون في سبيل تطبيع العلاقات بين الدولتين. وأضاف رئيس الوزراء الإسرائيلي في تغريدة على حسابه في تويتر يومها قائلاً: "يؤمن رئيس الوزراء نتنياهو بأن السودان يمضي في اتجاه جديد وإيجابي ".

وأكد نتنياهو أن البرهان يريد مساعدة بلاده على الدخول في مرحلة تطوير وتحديث عبر "إخراجها من العزلة ووضعها على خريطة العالم"، على حد تعبيره.

لماذا الإصرار على التطبيع مع إسرائيل؟

خلال إعلان التطبيع بين السودان وإسرائيل بواسطة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في يوم الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول 2020، أشار مستشار الرئيس جاريد كوشنر إلى أن العقدة الرئيسية في القضية الفلسطينية وفي مسار التطبيع العربي كانت تتمثل في لاءات الخرطوم، حين قال: "إن الخرطوم هي عاصمة اللاءات الثلاث: لا صلح مع إسرائيل لا اعتراف ولا تفاوض. فالعاصمة التاريخية تقول اليوم نعم لمعكوسات لاءاتها". وأصبح يومها التحول الدراماتيكي في موقف الخرطوم بعد 53 عاماً محل حيرة وتساؤل حول أسباب ما جرى في هذا البلد في الأشهر القليلة التي أعقبت الثورة.

يرى الصحفي محمد عمر الذي تحدث إلى TRT عربي "أن حكام السودان الجدد يحملون مشروعاً سياسياً مغايراً لثوابت الأمة السودانية". مستشهداً بحديث وزير العدل نصر الدين عبد البارى في بيان أصدرته وزارة العدل نُشر بعد يوم واحد من أعلان التطبيع في البيت الأبيض في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2020، "بأنه لا يوجد شيء يسمى بالثوابت السودانية، وأن الوثيقة التي تحكم الفترة الانتقالية لم تحظر إقامة علاقة مع إسرائيل. فالسياسة الخارجية تبنى على أساس المصالح فقط، ولا ينبغي أن تحددها قناعات أيديولوجية حزبية". مضيفاً أن جل وزراء حكومة الفترة الانتقالية، كشأن وزير العدل، هم من حملة الجوازات الأجنبية بمن فيهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، جاؤو إلى السودان بعد نجاح الثورة ولم يشاركوا فيها.

الدور الإقليمي في تحولات الموقف السوداني

تؤكد المصادر أنه رغم أن العديد من المخابرات الأجنبية والسفارات الغربية والعربية في الخرطوم نشطت في استقطاب مكوّنات حكومة الفترة الانتقالية في السودان بشقيها المدني والعسكري، بيد أن الدور الإماراتي يبقى هو المهندس والقائد لعملية التطبيع مع إسرائيل، وفقاً لما تقوم به دولة الإمارات في المنطقة بأكملها، وترويجها "للسلام الإبراهيمي" في وقت تتبنى فيه مشروع محاربة ما تطلق عليه "الإسلام السياسي"، فقد عملت على إضعاف وإسقاط حكومة البشير ذات الخلفية والتوجه الإسلامي، والتي كانت قريبة من المحور التركي القطري في مواجهة أبو ظبي والرياض والقاهرة، وبالفعل دفع نظام البشير الثمن وتم إسقاطه، وإيداعه في السجن. ولقد عرف البشير بموقفة الثابت من التطبيع طوال حكمه، ورغم تلقيه الإغراءات والتهديدات من أجل التطبيع فإنه رفض ذلك بشدة. وفي آخر أيام حكمه طلب منه الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي زيارة إسرائيل سراً من أجل تقديم حفنة من المساعدات الاقتصادية وتخفيف الضغط الدولي عليه، وحتى يضمن البقاء في كرسيه.

ويرى الصحفي عبد الماجد عبد الحميد في تصريحات خاصة لـTRT عربي أن ما حدث من تغيير في السودان تم صناعته بامتياز من قبل دوائر صنع القرار الصهيوني والغربي، لتنفيذ أجندة مرتبطة بمحاور إقليمية ودولية. "وأن التطبيع هو هدف مرصود منذ سنين لدى الدوائر الأمريكية والصهيونية، وينفذ الآن عبر الحكومة الانتقالية دون الاستناد إلى أي مؤسسة أو مشروعية، في ظل غياب مؤسسات نيابية منتخبة، وتم هذا من أجل تغريب السودان وسلبه من هويته بالمصادقة على كل القوانين والمعاهدات الدولية ذات المرجعية المصادمة لعقيدة الأمة السودانية وثوابتها، يحدث كل هذا رغم أنف الأغلبية السودانية، فلقد تم إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل دون الرجوع إلى الشعب أو البرلمان، والتطبيع معها. فالحكومة الآن تمضي إلى تنفيذ الأجندة المرسومة لها بجدارة.. ويجب أن نقول إن هذه الحكومة تلعب دورها المرسوم لها فقط".

السودان ما بين التركيع والتطبيع

يرى مراقبون أن الحكومة الانتقالية تدفع الآن فواتير واجبة السداد من دول ودوائر ساعدتها في الوصول إلى الحكم. وفي مقدمة هذه الدول الإمارات التي ضمت عاصمتها أبو ظبي 3 مارس/آذار 2020 وفداً سودانياً بقيادة رئيس مجلس السيادة الفريق البرهان، لإجراء مشاورات مع مسؤولين أمريكيين وإماراتيين حول تطبيع العلاقات بين الخرطوم وتل أبيب. وأن القرار السوداني أصبح الآن مرتبطاً بالخارج أكثر من ارتباطه بالداخل، وأن الحكومة الحالية تسوق السودان دولياً على أنه دولة علمانية، تحارب الجذور الإسلامية في مناهجها الدراسية، وفي تشريعاتها وقوانينها. ويضيف عبد الحميد "أن الحكومة الانتقالية بعد كل ما قامت به حتى الآن من تنازلات، تعاني من أزماتها الخانقة في الاقتصاد والسياسة والأمن، بالإضافة إلى هشاشة الشراكة السياسية بين مكوّنات الحكومة الانتقالية الثانية بعد دخول شركاء السلام من الحركات المسلحة، وفقاً للاتفاق الموقَّع في جوبا في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2020، وأن من قبض الثمن هو من خان الوطن، وأن من قبض الثمن هو من كتب في صحائف التاريخ أنه باع القيم".

سيظل التاريخ يحفظ للخرطوم أنها بعد أسابيع قليلة من حرب النكسة في 5 يونيو/حزيران 1967 استضافت القمة العربية في أغسطس/آب، وسط حالة يأس كبيرة في الأوساط السياسية والشعبية والعربية عقب الهزيمة في الحرب. ولقد استطاعت الخرطوم جمع القادة العرب في قمة تاريخية، أعادت الروح المعنوية للقضية وللشعوب العربية. وخرجت القمة بمقررات رافضة لكل ضغوط الاستسلام لإسرائيل، ووقّعت على لاءاتها الثلاث "لا للاعتراف، لا للتفاوض، لا للاستسلام". تلك اللاءات أعطت الخرطوم رمزيتها الخاصة منذ ذلك الوقت في خريطة القضايا العربية. واستتبعها السودان بخطوات رمزية أخرى منها مشاركته في كثير من حروب التحرير، وأهمها حرب العبور في أكتوبر/تشرين الأول 1973، إذ شاركت وحدات من الجيش السوداني إلى جانب الجيشين المصري والسوري، حتى تحقق النصر الذي انتهى بتدمير خط بارليف، فلن يستطيع أحد أن يمحو من الخرطوم لاءاتها ويكسر صمود ولائها، حتى وإن رضخ حكام اليوم لرياح التطبيع التي انتظمت العالم العربي، فلقد خرج الشعب السوداني في مظاهرات خلال الأيام الماضية داعمة للحراك المقدسي، كما تم حرق العلم الإسرائيلي فيها كتعبير عن الرفض الشعبي للتطبيع الرسمي.

TRT عربي