يبلغ طول حدود دولة السودان نحو 7500 كيلومتر، وتحدها دولتان عربيتان هما (مصر وليبيا) وخمس دول إفريقية، ويمتد طول الحدود البحرية على ساحل البحر الأحمر إلى نحو 670 كيلومتراً مع المملكة العربية السعودية.

منذ استقلال السودان فى عام 1956 مثلت الحدود مع دول الجوار التحدي الأكبر للحكومات الوطنية المتعاقبة، على الرغم من الاتفاقات المبرمة والوثائق الموقعة بين تلك الدول والمملكة المتحدة التي كانت تستعمر السودان فى ذلك الوقت، ونشير هنا إلى منطقتي (مثلث حلايب وشلاتين) فى الحدود المصرية السودانية وتبلغ مساحته 20.580 كيلومتراً مربعاً، ومنطقة الفشقة فى الحدود الشرقية بين السودان وإثيوبيا بمساحة مليوني فدان، كانت إثيوبيا حتى نوفمبر/تشرين الثانى 2020 تحتل منها نحو مليون فدان، إلا أن القوات المسلحة السودانية قامت بإعادة انتشار في المنطقة، واستعادت ما يقارب 80% من أراضيها حسب قولها. إضافة إلى الحدود بين دولتي السودان وجنوب السودان بعد الانفصال فى عام 2011، حيث لم ترسم الحدود بين البلدين حتى الآن، وفشلت كل المبادرات الثنائية والدولية فى إنهاء الخلافات، رغم أن اتفاقية السلام الموقعة في نيفاشا فى عام 2005 بين دولة السودان والحركة الشعبية التى كانت تقود الحرب ضد الخرطوم، نصت الاتفاقية على أن تكون حدود دولة جنوب السودان وفق حدود 1956.

النزاع بين السودان وإثيوبيا على الفشقة (AA)

أحقية السودان فى السيادة على أراضيه:

يقول الدكتور معاذ أحمد تنقو رئيس مفوضية الحدود لـTRT عربي: "إن السودان يمتلك كامل الحق في السيادة على أراضيه فى كل من مثلث حلايب وشلاتين ومنطقة الفشقة، وفقاً للاتفاقيات الموقعة والخرائط الموثقة في الأمم المتحدة، والمؤيدة بالقانون الدولي". مضيفاً أن سياسة فرض الأمر الواقع التي تنتهجها مصر فى مثلث حلايب، ورفض مناقشة الأمر على المستوى الثنائي أو الذهاب إلى المحكمة الدولية، يعتبر احتلالاً وتجاوزاً لكل الأعراف الدولية وسياسة حسن الجوار. ودعا مصر إلى قبول التحكيم الدولي مثل ما قبلت ذلك فى منطقة طابا فى العشرين من سبتمبر/أيلول عام 1988، أو بالاتفاق الثنائي مثل ما حدث مع المملكة العربية السعودية في النزاع حول جزيرتي (تيران وصنافير) الموقع فى 8 أبريل/نيسان 2016.

وفي ما يتعلق بمنطقة الفشقة قال تنقو: "إن إثيويبا لم تعترض على ترسيم الحدود بين البلدين منذ توقيع اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين فى عام 1902 حتى عام 2018، وقد اعترفت كل الحكومات الإثيوبية المتعاقبة بتبعية منطقة الفشة للسودان، وإن سمح السودان فى بعض الأوقات للمزارعين الإثيوبين بالزراعة فى أراضيه دون التنازل عن حقه السيادي. إلا أن تعقيدات سياسية الآن جعلت إثيوبيا تحاول التنصل من اعترافاتها السابقة، ولكن ذلك لن يغير في الأمر شيئاً فالاتفاقات والوثائق والتاريخ كلها لمصلحة السودان. وأن العلامات على الأرض لن تتغير". مضيفاً: "أن العمل المشترك بين اللجنة السياسية العليا فى السودان ودولة جنوب السودان مستمر بجد من أجل ترسيم الحدود ووضع العلامات على الأرض"، ولكنه اعترف بصعوبة الأمر وتباعد المواقف، حيث يجمل السودان الخلاف حول خمس نقاط وتتمسك دولة جنوب السودان بنحو خمس عشرة نقطة.

التأثيرات السياسية على ذلك

الكثير من المراقبين والمتابعين للشأن السوداني يرون أن الأوضاع فى شمال وشرق وجنوب السودان أفرزتها عدم قدرة الحكومات الوطنية المتعاقبة منذ الاستقلال على اتخاذ قرارات حاسمة فى وقتها، جعلت الأمور فى حالة سيولة وتأرجح سياسي وأمني تحكمت فيه التطورات السياسية والمصالح المؤقتة دون اللجوء إلى خيارات استراتيجية.

السفير خالد موسى الناطق الأسبق باسم الخارجية السودانية قال لـTRT عربي: "إن التحديات التي تواجه حكومة الفترة الانتقالية والهشاشة السياسية لحاضنتها، والتباعد ما بين المكونين المدني والعسكري، جعلت الحكومة فى موقف لم تستطع معه تحريك كل الملفات على المستوى الدولي، واستحسنت خيار التجميد كما هو فى حلايب، أو خيار الحوار عبر طرف ثالث كما هو فى قضية الفشقة مع إثيوبيا". وأضاف موسى: "أن الوضع فى حلايب سيبقى على ما هو عليه إلا إذا ما حصل تطور دراماتيكي في العلاقة بين البلدين، وأن السودان سيظل يجدد شكواه سنوياً لمجلس الأمن الدولي، وسيظل خيار التحكيم الدولي هو الخيار الأنسب للبلدين لما بينهما من علاقات تاريخية ومصالح مشتركة".

إلا أن الصحفي والمحلل السياسى ضياء الدين بلال رئيس تحرير صحيفة السوداني ذكر لـTRT عربي "أن قضية حلايب ستكون خنجراً في خاصرة العلاقات السودانية المصرية، إذ إنها أصبحت قضية شعبية لا تخضع للمواقف السياسية فقط، فكلا الشعبين يرى أحقية بلاده في السيادة على المثلث ويحشد التأييد الشعبي من أجل ذلك، ممَّا يصعب موقف الحكومات فى أي خيار غير الاحتفاظ بالمنطقة كجزء من أراضيها".

ويضيف بلال: "أن الوضع مع الجارة إثيوبيا مرشح للمواجهة المسلحة أكثر من أى وقت مضى، وأن الأمر فى منطقة الفشقة مرتبط أيضاً بملف سد النهضة، خصوصاً أن أكثر من ثلاثين مليون إثيوبي في إقليم الأمهرة يعيشون على أرض جبلية بركانية كانت استثماراتهم الزراعية على أرض الفشقة، ولا خيار لهم غير ذلك".

هل المواجهة العسكرية خيار قادم؟

الخبير العسكري الصوارمي خالد سعد الناطق الأسبق باسم القوات المسلحة السودانية قال في تصريحات خاصة لـTRT عربي: "إن الحرب ستكون مكلفة، وإن كانت خياراً غير مستبعد فى منطقة الفشقة مع إثيوبيا"، مبيناً أن المناوشات العسكرية مستمرة منذ ستينيات القرن الماضي بين ما يسمى بالشفتة الإثيوبية والمواطنين السودانيين، ولكن احتمال نشوب حرب عسكرية مفتوحة ستكون مكلفة وباهظة الثمن لا تقوى عليه الدولتان، مضيفاً أن المبعوث الأمريكي الخاص إلى إثيوبيا السيناتور كريس كونز فى لقائه مع رئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد يوم 22 مارس/آذار 2021، قال في مؤتمره الصحفي في أديس أبابا "إن الولايات المتحدة قلقة بشأن التوتر الحدودي بين إثيوبيا والسودان، ودعا إلى حل الخلافات بين البلدين بالحوار، وذلك يعني بأن أمريكا لن تقبل حرباً جديدة فى منطقة تعاني من التوترات الأمنية والنزوح واللجوء". على حد تفسيره مشيراً إلى أن توقيع اتفاق السلام في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2020 في جوبا مع الحركة الشعبية شمال فى كل من جبال النوبة والنيل الأزرق ومع الجبهة الثورية فى دارفور سيكون مدخلاً لنهاية التوترات الأمنية مع دولة جنوب السودان، وإعادة انتشار القوات وانسحاب قوات الحركات التي كانت تهدد السلم فى تلك المناطق، ممَّا يمهد الطريق لاستئناف اللجنة السياسية الأمنية المشتركة المعنية بترسيم الحدود لعملها والوصول إلى تفاهمات تفضي إلى حسم الخلافات.

السودان يدعو إثيوبيا لتحديد موعد اجتماع لمناقشة الخلافات الحدودية بين البلدين (AA)

مستقبل العلاقات فى ظل التوترات:

لم يتبق أمام الحكومة السودانية الكثير من الوقت ولا الكثير من الخيارات، فالسودان البلد الشاسع الغني بالموارد والثروات والقليل فى تركيبته السكانية، سيكون قبلة للهجرات البشرية من دول الجوار التي تبحث عن مساحات للزراعة وللهجرة السكانية، فكل من إثيوبيا ومصر يفوق عدد سكانها 110 ملايين شخص، لذلك يرى البعض بأن يطرح السودان مشروعات تكاملية فى تلك المناطق الحدودية مع التأمين الكامل لأحقيته في السيادة الكاملة على أراضيه، وذلك ما أشارت إليه وزيرة الخارجية السودانية مريم المهدي فى زيارتها إلى مصر فى 2 مارس/آذار 2021 من أن السودان يسعى إلى تطوير وتحويل المناطق المتنازع عليها إلى شراكات إستراتيجية فى التنمية والتطوير تخدم مصالح الشعبين، بدلاً من الإبقاء على حالة التوتر والاستقطاب.

TRT عربي