في أعنف وأسوأ توتر منذ 40 عاماً، تشن الصين حملة شرسة على تايوان تارة بالتلويح العسكري وتارة بالضغوطات السياسية لإخضاعها تحت سيطرتها عملاً بسياسة "الصين الواحدة".

ما إن تكاد تهدأ التوترات بين الصين وتايوان حتى تعود وتشتعل ومجدداً، باعتبار أن الدوافع الحقيقية الكامنة وراء محاولات بيكين المستمرة لإخضاع تايبيه تحت سيطرتها وبالتالي غزو كل الجزيرة، لا تزال قائمة. حيث ترى الصين أن تايوان أرض تابعة لها، وذلك وفق عقيدة راسخة تحت عنوان " الصين الواحدة".

وبينما تتمسك تايوان بسيادتها واستقلالها بدعم دولي ديبلوماسي وعسكري، تتوعد الصين مجدداً بعد أن طرحت في وقت سابق اللجوء إلى خيارات سلمية، ببذل كل جهودها واستخدام القوة اللازمة لإرجاع الجزيرة تحت سيطرتها، دون قبول أي عرض للتفاوض مع أي طرف كان.

وكان آخر تصعيد، الحملة العسكرية الأخيرة التي أرسلت خلالها الصين الأسبوع المنقضي وطيلة أيام متواصلة، حوالي 150 طائرة عسكرية، بينها قاذفات وطائرات مقاتلة وطائرات حربية مضادة للغواصات، إلى منطقة الدفاع الجوي لتايوان. واعتبر مسؤولون حكوميون وعسكريون ذلك، محاولة للضغط على الدفاع التايواني واستعراضاً للقوة العسكرية الصينية وتقويضاً للسلام الإقليمي.

وفي الأثناء، أعرب مسؤولون تايوانيون وقادة المجتمع الدولي عن قلقهم الشديد من تنامي التوتر العسكري مع الصين، الذي تسعى من خلاله إلى غزو الجزيرة، التي تعتبرها مقاطعة انفصالية.

وتعقيباً على ذلك قال وزير الدفاع التايواني تشيو كو تشينغ : "إن الصين لديها القدرة بالفعل على غزو تايوان، وستكون قادرة على شنّ غزو شامل بحلول 2025."

"الصين الواحدة".. جذور تاريخية

تعود جذور القصة إلى عام 1949، حين انتهت الحرب الأهلية الصينية، وقرر إثر ذلك "الكومينتانغ" بقيادة تشيانغ كاي تشيك وهم مجموعة من القوميين الذين هزموا خلال الحرب، التراجع والاستقرار بتايوان التي أصبحت بعد ذلك مقراً لحكومتهم، وتبعد عن البر الرئيسي للصين حوالي 160 كيلومتراً.

وبدورهم أعلن الشيوعيون المنتصرون في الوقت ذاته أي في يوم 1 أكتوبر/تشرين الأول 1949 عن تأسيس جمهورية الصين الشعبية. وتمسك كلا الطرفين بموقفه مدعياً كل جانب منهم تمثيله الرسمي للصين.

واحتد منذ ذلك الحين التوتر بين الحكومتين، ولم تهدأ المناوشات العسكرية بينهما سنوات طويلة. إلى أن قررت بيكين في يناير/كانون الثاني 1979 إنهاء القصف المدفعي للجزر الواقعة تحت سيطرة تايوان. وعرضت في الأثناء فتح قنوات اتصال مع تايوان. إلا أن الأخيرة رفضت العرض عملاً بسياسة رئيسها تشينغ " اللاءات الثلاث" وتعني: لا للتواصل، ولا للتسوية، ولا للتفاوض.

ولكن الرئيس التايواني سرعان ما تراجع عن ذلك عام 1987، واستقرت بذلك العلاقات نوعاً ما طيلة عقود. ولم يمنع ذلك من تلويح الصين المستمر باللجوء إلى القوة العسكرية إذا ما أعلنت تايوان استقلالها بشكل رسمي، وأنها لن تتوقف عن المحاولة في إرجاع تايوان تحت حكمها.

وإلى اليوم لا تزال سياسة " الصين الواحدة" التي تتمثل في الاعتراف بالموقف الصيني الذي يعتبر أن هناك صيناً واحدة وأن تايوان جزء لا يتجزء من أراضيها وبالتالي فإن كل العلاقات الديبلوماسية الرسمية تكون مع جهورية الصين الشعبية فقط، من أكثر قضايا السلم والأمن الدولي حساسية في منطقة جنوب شرقي آسيا. وتعتبرها الصين خطاً أحمر وحجر الزاوية في سياستها الدبلوماسية وعلاقتها بالمجتمع الدولي.

تايوان.. عزلة دولية بضغط صيني

في الوقت الذي تصر فيه بيكين على تبعية تايوان إلى أراضيها، وتحاول أن تلزم المجتمع الدولي بهذا الموقف، حتى تستعيد السيطرة عليها. تتمسك تايوان البالغ عدد سكانها قرابة 23 مليون نسمة باستقلالها منذ عام 1949.

ورغم أن بعض الحكومات في العالم قد اعترفت بحكومة تايوان في البداية، إلا أنها تراجعت عن ذلك بصفة رسمية. وكان على رأس هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية، التي قررت خلال فترة ولاية الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، في المقابل تطوير العلاقات الدبلوماسية مع بيكين، لعدة اعتبارات سياسية وأمنية، وكان ذلك خلال سبعينيات القرن الماضي. فدخلت بذلك تايوان في عزلة دبلوماسية دولية، فاقمت من العقبات في طريقها إلى الاستقرار والازدهار.

ولم يكن قطع العلاقات الدبلوماسية مع تايوان، الذي أقدمت عليه بعض الدول منذ ذلك الحين تاماً، فقد استمرت العلاقة مع بعضها تحت غطاء المجال التجاري أو الثقافي وغيره. ولم توقف بعضها الدعم لحكومة تايبيه، ولو بطريقة غير رسمية.

وفي هذا السياق، أصدرت واشنطن عام 1979 قانوناً ينص على أنه يجب على الولايات المتحدة مساعدة تايوان في الدفاع عن نفسها، وبموجب هذا القانون استمرت في بيع الأسلحة لتايبيه. وتحافظ في الوقت ذاته على علاقات دبلوماسية غير رسمية معها.

TRT عربي