استمرار الاغتيالات في العراق بحقّ الناشطين والصحفيين وسط صمت حكومي مريب ولجان تحقيقية لم ترَ نتائجها النور مطلقاً، ينذر بعودة وتيرة الاحتجاجات في العراق.

أثار اغتيال الناشط إيهاب الوزني فجر يوم الأحد 9 مايو/آيار 2021 في كربلاء جنوبي العراق، غضباً شعبياً في الأوساط العراقية، فخرجت احتجاجات في كربلاء ومثلها في ساحة الحبوبي في الناصرية وكذلك النجف، ويُعتبر الوزني أحد قادة احتجاجات تشرين العراقية التي انطلقت بداية أكتوبر/تشرين الأول 2019 في عموم محافظات وسط وجنوب العراق، وخلّفَت مئات الشهداء وآلاف الجرحى.

ويصف مراقبون ومحللون الحادثة بأن المليشيات العراقية تخشى الأصوات الناشطة والمستقلة، وتعتقد أنه بتصفيتهم سيقلّ تأثيرهم، وقال في ذلك المحلل السياسي شاهو القرة داغي في تدوينة له على تويتر، إن طرفاً يؤيد الدولة ويطرح المشاريع والأفكار للبناء والتطوير، وهذا ما يريده الناس، وطرفاً آخر يؤمن بالسلاح والإرهاب ويلجأ إلى الرصاص والعنف لتصفية الخصوم ونشر الخوف والرعب.

فيما لفت صحفيون الانتباه إلى طريقة اغتيال الوزني، إذ كانت الطريقة ذاتها التي اغتيل بها الخبير الأمني هشام الهاشمي في يناير 2020، وقال الصحافي علي فرحان في تدوينة له على تويتر إنه بنفس الطريقة التي اغتيل بخلالها الشهيد ‎هشام الهاشمي، اغتيل الشهيد إيهاب الوزني!

وتساءل فرحان عن عدد الحواجز الأمنية التي عبرتها الدراجات التي يستقلها المسلحون الذين نفذوا الجريمة.

في هذا السياق قال الناشط السياسي عمر فاروق في تصريح خاص لـTRT عربي: "إن اغتيال الوزني إكمال لمسلسل الرعب وتكميم الأفواه وخلط الأوراق، وجاء في الذكرى السنوية لتشكيل الحكومة التي تشكلت في مثل ذلك اليوم من العام الماضي".

يعتقد فاروق أن اغتيال الوزني سيؤدي إلى احتجاجات غاضبة، وأكد أنه منذ انتشار خبر الاغتيال انطلقت احتجاجات في بعض محافظات الوسط والجنوب.

ويتوقّع عمر أنه ستحدث تصفيات كثيرة في الأيام المقبلة، معللاً ذلك بأن أقطاب السلطة السياسية التي تملك مفاتيح هذا النظام ولديها مليشيات سوف تنتقم من كل مواطن حرّ يشكّك أو يحاول مقاومة سطوتها ونفوذها.

ورجّح عمر أن الجهة التي تقف خلف اغتيال إيهاب هي نفسها الجهة التي حاولت اغتيال كثير من الناشطين سابقاً، وهي مليشيات تمتلك غطاءً سياسياً.

ظاهرة الإفلات من العقاب

من جانبه صرّح الصحافي العراقي محمود النجار لـTRT عربي قائلاً: "احتجاجات يوم 25 مايو/أيار 2021، هي سلسلة متواصلة لاحتجاجات أكتوبر/تشرين الأول عام 2019، ولكن هذه المرة يطغى هدف موحد على المطالب، هو (إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب)، والمناشدات المستمرة لكشف هوية وأسماء القتلة المتورطين في دماء الشهداء، ومحاسبة المتهمين سواء من الأحزاب السياسية أو من المليشيات المسلحة".

وتابع النجار: "سيحاول المحتجون التواصل مع المختصين الحقوقيين والخبراء القانونيين من أجل صناعة رأي عامّ جماهيري وشعبي واسع، وتصعيد القضايا نحو المحاكم الدولية، سعياً لعدم نسيان انتهاكات كبار المسؤولين في الدولة بحق المحتجين، وهذا يأتي على رأس مطالب عوائل الشهداء، وأبرزهم إيهاب الوزني وفاهم الطائي، اللذين اغتيلا غدراً في محافظة كربلاء".

مَن قتلني؟

"مَن قتلني؟" وسمٌ ضجّت به المنصات العراقية في مواقع التواصل الاجتماعي منادياً بالخروج في احتجاجات مركزية كبرى في 25 مايو/أيار في العاصمة العراقية بغداد، للمطالبة بالكشف عمَّن يقتل العراقيين ويغتال الصحفيين والناشطين.

إذ دعا المرصد الأورومتوسطي في العراق في تدوينه على تويتر، السلطات العراقية إلى توفير الحماية للمتظاهرين، والامتناع عن استخدام القوة ضدهم، واحترام حقهم في التجمع السلمي والتعبير عن الرأي.

وقال المرصد إن ‏من المقرر أن يخرج العراقيون في مظاهرات تحمل شعار "‎َمن قتلني؟" لمطالبة السلطات العراقية بوقف حملات الترهيب ضد النشطاء والكشف عن مرتكبي جرائم الاغتيال.

أحمد الركابي أحد ناشطي حراك 25 أيار، من كربلاء، قال في تصريح خاص لـTRT عربي: "إن تمادي قوى السلاح والمليشيات سببه أنها أمنت العقاب، وتنصلت الدولة من كشف القتلة ومحاسبتهم بسبب ضغوط الأحزاب والأجنحة المسلحة، فاستمرت وتيرة الاغتيالات، وستستمر كلما اقتربنا من الانتخابات، لتصفية كل صوت معارض، واحتجاجات (مَن قتلني؟) هي ردّ على كل تلك الأحداث للمطالبة بالإجابة عن ذلك السؤال".

وأكّد الركابي أن "حراك 25 أيار هو ضغط جماهيري كبير للكشف عن قتلة المحتجين ومغتالي الناشطين والصحفيين، وكذلك لتحدي كل من قال إن تشرين انتهت والغضب اختفى، فما زال حضورنا في الميدان له تأثير، ولا يزال صوتنا يرعب الفاسدين، واحتجاجات 25 مايو/أيار لتذكيرهم بأننا موجودون وأننا قادرون على النزول إلى الشوارع في أي لحظة".

في سياقٍ متصل قال المحلل السياسي كتاب الميزان في تصريحٍ خاص لـTRT عربي: "التساؤل الذي أطلقه العراقيون (مَن قتلني؟) هو نتيجة لتراكمات وممارسات للفصائل المسلحة الموالية لإيران التي طالت كثيراً من الناشطين والمتظاهرين الأبرياء، هذه الممارسات التي أنتجت جرائم أفقدت الناس ثقتهم بالسلطات المعنية بتحقيق العدالة، مؤكداً أن عمليات الاغتيالات تأتي في إطار تصفية الأصوات الحرة الثائرة التي تطالب بحقوق مسلوبة من عشرات السنين".

ويضيف الميزان أن "الهدف من الوسم هو تعبئة الشارع أيضاً للكشف عن القتلة وتقديمهم للعدالة، ولو دخلنا بتفاصيل هذا التساؤل فسنجد حملة ممنهجة لتصفية كل الشخصيات التي كانت مشاركة ولها تأثير في صناعة رأي عامّ وتنادي بفرض هيبة الدولة وحصر السلاح بيد الدولة وتوفير بيئة آمنة للانتخابات المقبلة".

كما أوضح الميزان أن الحكومة أمام تَحدٍّ كبير هو الكشف عن القتلة وإقامة محاكم خاصة لهم، ولذلك ارتباط بموضوع الأمن الانتخابي.

واعتبر أن تقديم القتلة للمحاكمة يعني بادرة حسن نية من الحكومة وفرض هيبتها ورسالة اطمئنان بقدرتها على توفير أجواء انتخابية آمنة، وعلى حماية الناخب والعملية الانتخابية برمتها، وأكد الميزان أن الكشف عن القتلة يعطي الشارع ثقة بالعملية الانتخابية وبالدولة.

قمع الاحتجاجات

انطلقت احتجاجات 25 مايو/أيار المركزية في بغداد منذ ساعات الصباح الأولى، إذ قدِم العراقيون من محافظات وسط وجنوب وبعض غرب العراق للمشاركة فيها، وكان مطلبها الأساسي الإجابة عن سؤال "مَن قتلني؟"، ووصفها مراقبون بأنها تَحدٍّ لكل من ظن أن الفكر الذي خلّفه احتجاج تشرين قد انتهى.

"بعد الانطلاقة يوم الثلاثاء فوجئ المحتجون بإطلاق قوات الأمن الرصاص وضربهم بالعصيّ لتفريقهم"، حسب تصريح محمد فاضل أحد شهود العيان من المحتجين، لـTRT عربي، ويكمل بأن الاحتجاجات كانت سلمية منذ الصباح حتى المساء، فلم تحدث أي مظاهر للعنف أو الشغب ولم تكن أي نية للاحتكاك مع قوى الأمن.

وأكد فاضل أنه كان بين المحتجين وقوى الأمن تعاون، إذ "صُدمنا بما حدث في المساء، واحتكت مجموعات بالقوات ممَّا استفزها حتى أطلقت الغاز والرصاص، ولم يكن فاضل يميز هذه الجماعات عند سؤاله عن هويتها، لكنه يعتقد أنهم مليشيات مسلحة دخلت الاحتجاج بزيّ مدني لخلط الأوراق، حسب تعبيره.

وقال شاهد العيان إن القوات الملثمة الأمنية لم تفرّق بين المندسّ والمحتجّ، إذ أطلقوا النار عشوائياً وضربوا المحتجين بالهراوات واعتدوا على الجرحى بوحشية، حسب وصفه.

فيما تَحدَّث الكاتب حسام عادل عن تداعيات وجود مندسين داخل الاحتجاج، في تدوينه له على تويتر، قال فيها: "عدنا للبيت بخير وسلامة رغم الخطر، بكل صراحة وجود المندسين بيننا مشكلة كبيرة، اليوم بسببهم تعرضنا للموت والملاحقة، كل تظاهرة تحصل ويدخلها المندسون يقابلها مواجهة شرسة من السلطة الموجودة، وترى أن الدفاع عن نفسها واجب دون التفكير بالبقية. دون تنظيم حقيقي وإبعاد المخربين ‏كل شيء سيبقى سيئاً وفوضوياً".

وفي تصريح لمصدر أمني خاص لـTRT عربي رفض الكشف عن اسمه، قال، إن "أبو علي العسكري أوعز إلى الجناح المدني لحزب الله أمس في تغريدة بنزولهم ساحة التحرير بذريعة توفير الحماية للمتظاهرين"، إذ عملت هذه المليشيا، حسب المصدر، على استفزاز قوى الأمن ودفع المتظاهرين إلى الصدام معهم".

وقال المصدر الأمني إنه "مع الأسف الشديد وقعت حالات سيئة من قوات فضّ الشغب، إذ تمادوا في تصرفاتهم، ورصدنا ذلك، وسنعاقب المقصرين".

وذكر المصدر كإحصائية أولية عن عدد القتلى والمصابين في تظاهرة بغداد 25 مايو/آيار، أنه "استُشهد متظاهر يُدعى محمد باقر جاسم حسين من مواليد 2003 من الديوانية نتيجة طعن بالسكاكين، وكذلك أصيب 16 متظاهراً و38 عسكرياً".

وحسب المرصد العراقي لحقوق الإنسان، تزايدت محاولات الاغتيال بين يناير/كانون الثاني 2020 و2021 فقط إلى ما يقارب 40 محاولة، فيما تجاوزت الاغتيالات حاجز 36 اغتيالاً، ورغم ذلك لا يزال الناشطون العراقيون يكافحون لمواجهة هذه الظروف الأمنية المتداعية، ويرفعون الصوت مطالبين بنَيل أبسط مقومات الحياة، ويخوضون نضالاً عسيراً في سبيل العيش الكريم وإيجاد جواب لسؤالهم: "مَن قتلني؟".

TRT عربي
الأكثر تداولاً