تصاعد الغضب الشعبي العراقي من قِبل سياسيين ومواطنين بعد تصريحات السفير الإيراني إيراج مسجدي الذي صرّح بأن بلاده لا تقبل وجود أي قوات أجنبية في العراق ولا التدخل العسكري فيه، مطالباً القوات التركية بالانسحاب وألا تشكل أي تهديد للأراضي العراقية.

قال السفير التركي في العراق فاتح يلدز : "أعتقد أن السفير الإيراني آخر شخص يمكن أن يعطي تركيا درساً في احترام حدود العراق".

هذه التصريحات فتحت الأبواب الموصدة حول سيادة العراق وتورُّط أحزاب سياسية بولائها لإيران، وتمويل إيران لمليشيات تسيطر على أجزاء واسعة من العراق، وتهديدها للصحفيين والباحثين الذين انتقدوا ممارسات إيران. ومن جانبٍ آخر أظهرت دور السفير التركي في تشبيك العلاقات الثنائية وتقريب وجهات النظر الثقافية والتعاون الاقتصادي المشترك لتنفيذ مشاريع استثمارية وتجارية في العراق.

بين تصريحات السفير الإيراني والتركي كتب رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي على حسابه في تويتر تغريدة ذكر فيها: "ممثلو البعثات الدبلوماسية في العراق واجبهم تمثيل بلدانهم وتعزيز التعاون بين البلدين، فعلى بعض ممثلي تلك البعثات أن يعي جيداً واجباته، ولا يتدخل فيما لا يعنيه، ويحترم سيادة العراق لكي يُعامَل بالمثل".

إيران تنتهك سيادة العراق

حسب مراقبين في الحكومة العراقية سردوا تاريخ ما سموه انتقام إيران للعراق بعد الغزو الأمريكي من خلال استيلاء الأحزاب السياسية الموالية لإيران على السلطة، وفرض سيطرتها على مؤسسات الدولة الأمنية والاقتصادية، ثم تشكيلها لفصائل مسلحة خارج نطاق وزارة الدفاع العراقية، وهي سياسات تحاول إيران الثأر واسترداد خسارتها في الحرب الإيرانية العراقية عام 1980.

بهذا الصدد تحدث البروفيسور في العلاقات الدولية سامي الموسوي لـTRT عربي قائلاً: "بعد احتلال الولايات المتحدة للعراق عام 2003 وفي ظل وجود أحزاب السلطة العميلة لإيران أصبح كل شيء مُنتهكاً في العراق، وهذا هو السبب الذي دعا بسببه المتظاهرون للمطالبة بوطن غير مستباح لعدم وجود وطن ذي سيادة، وقد تكررت الضربات الجوية الإيرانية عن طريق مليشياتها على مواقع مختلفة في العراق، وكأن إيران هي المسيطرة على الدولة وتُشرف على تقاسم الوزارات والمناصب داخل قبة البرلمان العراقي".

وتابع الموسوي: "يجب أن نعترف بأن لا فرق بين أن تُنتهك سيادة الوطن من قبل دولة سبق لها أن احتلته أو دولة سبق لها أن دخلت معه في حرب، الأولى هي أمريكا والثانية هي إيران وكلاهما استباح سيادة العراق بأشكال متعددة، فقد سلمت الولايات المتحدة ملف الشأن السياسي العراقي لدولة إيران كشريك استراتيجي في توازن قوى الصراع الإقليمي".

بدوره صرح رئيس ائتلاف الوطنية إياد علاوي بالقول: "لطالما تدخلت إيران في شؤون العراق خصوصاً عندما أعلن مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، وقال قبل فترة قصيرة إن إيران هي القوة الأولى في المنطقة سواءً شاء العدو أم أبى، والخط الممتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وفلسطين هو خط جبهة المقاومة وسيستمر". ولكن القوى السياسية في العراق تجاوزت انتهاك إيران لسيادة العراق، بل ورحّبت بسفيرها إيراج مسجدي والتقت به أغلب الأحزاب السياسية وبحثت المصالح المشتركة".

كما أضاف علاوي أن "الدول التي تحترم سيادتها تسارع حكومتها للرد على أي تجاوز أو خرق يطال السيادة، إذ نستغرب صمت المسؤولين العراقيين إزاء التصريحات التي صدرت عن مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، التي تنتهك السيادة العراقية".

تركيا تحاول تقوية العلاقات مع العراق

يرى مراقبون في الشأن السياسي دور تركيا وسفيرها بشكل مغاير إذ أثبتت تركيا أن سياستها تجاه العراق تعتبر شاهداً حقيقياً لعملية التقارب الدولي، إذ تحاول تركيا العمل على تعزيزها في مختلف المجالات وبما يضمن مصالح البلدين والشعبين الصديقين. إذ يسعى السفير التركي فاتح يلدز لبحث أهمية حماية الأمن والاستقرار وتخفيف التوترات التي تشهدها المنطقة والتلاقي والتواصل في مناقشة الخلافات القائمة واحترام سيادة الدول ورفض كل ما من شأنه تقويض بناء الثقة وتهديد السلام.

بهذا الصدد تحدث الباحث في الشأن السياسي أحمد الدليمي لـTRT عربي قائلاً: "تحاول إيران استفزاز تركيا بخطابات تحريضية لجرها نحو الخلافات الدولية وليجري توريطها بصراعات إقليمية، ولكن تركيا تدرك ذلك جيداً، فترد بطريقة دبلوماسية من دون المرور باسم العراق، ومواقفها إيجابية تجسدت بمحاولتها تسهيل منح تأشيرة "الفيزا" بشكل مجاني للعراقيين، وفتحت شركات استثمارية كثيرة لتخفيف البطالة في العراق، ولا يمكن نسيان مساهمة تركيا بمنح مساعدات مالية لإعادة إعمار الموصل بعد تحرير المدينة 2017".

تابع الدليمي: "دور تركيا في مساعدة المهجرين والنازحين كان بمثابة إظهار حسن النية ودعم القضايا الإنسانية، فقدمت المنظمات الدولية التركية المساعدات الغذائية والطبية، كما سارعت بتقديم الدعم اللوجستي والتدريبي للقوات العراقية لمسك الأرض بعد حرب تنظيم داعش، ووقَّعت البعثات التجارية التركية على اتفاقيات تبادل النفط والغاز بينها وبين الحكومة العراقية".

بدورها قالت نور القيسي وهي طالبة ماجستير في هندسة الاتصالات بجامعة حكومية تركية إن "من أهم إنجازات العلاقات التركية-العراقية محاولة تركيا التقارب نحو العراق عن طريق التعليم، فقد فسحت المجال للبعثات الطلابية، وقدمت المنح الدراسية للطلاب العراقيين، وهذا ما لم تفعله إيران بل دمرت الأحزاب السياسية العراقية التابعة لإيران التعليم في العراق، وفتحت الجامعات الأهلية وقد زوّرت الجامعات الإيرانية الوثائق والشهادات ومنحتها للسياسيين العراقيين".

الدور الإيراني والتركي في العراق

التصريحات التصعيدية المتكررة للسفير الإيراني إيراج مسجدي بإخراج القوات الأجنبية من العراق أثارت جدلاً كبيراً في الأوساط العراقية، ما اعتبره المتابعون انتهاكاً صريحاً لسيادة العراق، وقد امتد ذلك إلى إنشاء مصانع وبنوك تجارية إيرانية للالتفاف حول عقوبات الخزانة الأمريكية وتمويل مليشياتها، وفي الجانب الآخر سعى السفير التركي فاتح يلدز بالتركيز على الأواصر الثقافية ودعم ملف النازحين في المخيمات للحفاظ على حقوق الإنسان ودعم المهجرين.

وفقاً لهذا السياق تحدث الخبير الأمني صابر الرفاعي لـTRT عربي قائلاً: "بعد أن خاضت إيران حرباً قاسية وموجعة سُميت حرب الخليج الأولى، استمرت لمدّة ثماني سنوات مع العراق في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، فقد أصبحت وكالاتها الأمنية على اطلاع كبير بالتضاريس الطبيعية والسياسية لأرض العراق، كما أصبحت قادرة على الاحتفاظ بوجود استخباراتي نشط في جنوب العراق وفي بغداد وبعض مدن إقليم كردستان. وتشتمل أذرع النفوذ الإيراني على شبكة واسعة الانتشار من المخبرين مدفوعي الأجر وفيلق الحرس الثوري الإيراني IRGC أو Pasdaran، والدعاية الدينية المموَّلة بواسطة دولار النفط وحملات الرعاية الاجتماعية".

من جانبه تحدث الخبير الاقتصادي علي الجوراني موضحاً أهمية الدور التركي في العراق، قائلاً: "تحاول تركيا تحقيق هدف اقتصادي كبير برفع حجم التجارة مع العراق إلى 20 مليار دولار سنوياً، ويتابع السفير التركي فاتح يلدزر بنفسه خطط إصلاح خط الأنابيب الذي دمره تنظيم داعش الإرهابي عام 2014، ورغبة تركيا في ضخ نفط كركوك إلى الأسواق العالمية بكميات أكبر المنطقة".

وتابع الجوراني: "لطالما أكدت السفارة التركية في العراق ضرورة احترام سيادة الدولة العراقية، وتثبيت التعاون الأمني المشترك لمحاربة PKK بالعراق، ما يتناقض مع تصريحات السفارة الإيرانية بانتهاك تركيا سيادة العراق، فالحكومة التركية واضحة بخطاباتها وليست لديها قوات عسكرية بالعراق، بعكس إيران التي تجول وتسيطر على الأراضي العراقية برفقة قيادة الحرس الثوري الإيراني ومليشيات عراقية مختلفة".

تضاربت التفسيرات حول انتهاك الدولتين إيران أو تركيا أو مساعدتهما للعراق مع ميول أغلب الشارع العراقي نحو الامتعاض من انتهاك إيران لسيادة الدولة العراقية سياسياً وأمنياً واقتصادياً وزرعها للمليشيات بمدن عراقية عديدة.

في حين يوجد تأييد من معظم العراقيين لمحاولات تركيا توطيد العلاقات الدبلوماسية مع العراق ضمن اتفاقيات ثنائية، وهذا ما ستترجمه السنوات القادمة في السياسة الدولية، علماً أن إيران كما يرى خبراء مطلعون تنهش بالدولة العراقية منذ عام 2003، كجزء من الاتفاق الإقليمي الذي فرضته الولايات المتحدة التي سلّمت عنق العراق لإيران، وفي الجانب الآخر تحاول تركيا مساعدة العراق على الرغم من الاتهامات التي تواجهها، بهدف إعادة تثبيت التعاون السياسي والاقتصادي المشترك.

TRT عربي