حملت العبارات التي أطلقها تجار سوق الحريقة في العاصمة دمشق خلال مظاهرة غاضبة خرجت في منتصف فبراير/شباط 2011 دلالات أبعد من استنكار حادثة الاعتداء على أحد تجار السوق من قبل شرطي مرور.

نادت حناجر المتظاهرين بمقولة "الشعب السوري ما بينذل"، لتشير هذه العبارة إلى كمية احتقان متراكمة لدى الشعب السوري، عبر عنه هؤلاء التجار خلال مظاهرتهم التي دفعت وزير الداخلية إلى النزول إلى الشارع ومخاطبة المتظاهرين وقتها.

شهر مارس/آذار2011 شهد الشرارة الكبرى التي أشعلت جذوة الاحتجاجات الشعبية في مختلف المحافظات السورية، عقب قيام العميد "عاطف نجيب" ابن خالة رئيس النظام السوري بتوجيه إهانة إلى وجهاء محافظة درعا، عندما راجعوا فرع الأمن السياسي الذي يرأسه "نجيب" من أجل محاولة إخراج مراهقين كتبوا على الجدران عبارات مناهضة للنظام، فاندلعت الاحتجاجات في درعا استنكاراً للرد المسيء الذي جاء على لسان "عاطف نجيب".

الذكرى العاشرة لاندلاع الثورة السورية (Others)

التحقت محافظات: حمص وإدلب وريف دمشق والسويداء والحسكة بركب الاحتجاجات، التي حملت مظاهراتها عبارات تضامنية مع درعا، لكن مع مرور الوقت بدأت تتبلور مشاعر غضب دفينة لدى الشعب السوري، جراء عملية خنق الحريات على مدار عقود، واستحواذ طبقة متحالفة مع النظام أو تابعة له على الاقتصاد وسوق العمل، وإهمال عملية التنمية وغيرها من الأسباب التي دفعت الأمور إلى ثورة شعبية حقيقية، كان شعارها: كرامة عدالة حرية.

عمل "بشار الأسد" على التغطية على وصوله إلى السلطة عام 2000 بطريقة التوريث، وخرق الدستور وتغيير سن الرئيس في سوريا إلى 34، فقام بإطلاق وعود بالإصلاح السياسي والاقتصادي، لكن هذه الوعود سقطت عام 2001 مع تنفيذ حملة اعتقالات ضد المعارضة السياسية المنضوية ضمن "ربيع دمشق"، ثم جرى استكمال الاعتقالات في عام 2005 ضد "منتدى دمشق" وتيارات سياسية أخرى، وبهذا أسدل الستار على حقبة الإصلاحات السياسية.

أما على الصعيد الاقتصادي فأخذت نسبة البطالة بالزيادة، وترافق هذا مع إهمال للقطاع الزراعي في المناطق الريفية، وبروز طبقة رجال أعمال موالية للنظام السوري أمثال "رامي مخلوف" و"محمد حمشو"، استحوذت على الاستثمارات في مجال الاتصالات والسياحة والصناعة، وقام النظام السوري أيضاً بفتح السوق السورية للبضائع الخارجية دون مراعاة واقع الصناعة المحلية الناشئة، الأمر الذي أدى إلى تأثر شريحة واسعة من الشعب، فتراجع المدخول من الزراعة في ريفي إدلب ودمشق، وجرى إغلاق ورشات ومعامل في حلب وريف دمشق نتيجة إغراق السوق المحلية بالبضائع المستوردة.

ساهمت العوامل السابقة مجتمعةً في تفجير غضب مجتمعي، لم يكن يحتاج إلا إلى شرارة من أجل أن يشتعل، خاصة أن المنطقة العربية كانت تعيش أولى فصول ثورات الربيع العربي في كل من تونس ومصر وليبيا.

بدا في سوريا المشهد مختلفاً عن دول المنطقة التي شهدت ثورات شعبية، فقد تعرضت لعنف غير مسبوق، وقد نجح النظام السوري في توريط غالبية المؤسسة العسكرية في الصدام مع الشعب في مختلف المحافظات، خاصة أن النظام راعى منذ عهد "حافظ الأسد" الاعتبار الطائفي في تكوين المؤسسة العسكرية وتعيين قيادتها، وهذا ما دفع بالثورة السورية بعد أقل من عام من انطلاقتها إلى خيار استخدام السلاح من أجل الدفاع.

بدا المشهد خلال الأعوام الأولى (منذ عام 2011 حتى 2013) أن الثورة السورية متجهة إلى إسقاط النظام السوري بالفعل، الذي خسر مساحة تزيد على 65% من الأراضي، لكن انخراط إيران إلى جانب النظام وإمداده بعشرات المليشيات الطائفية العراقية والأفغانية واللبنانية ساعداه على استعادة التوازن، لكن المعارضة السورية المسلحة عادت إلى التفوق من جديد في مطلع عام 2015 وسيطرت على كامل محافظة إدلب وباتت على مشارف معقله الأساسي في اللاذقية، واقتربت أيضاً من قلب العاصمة دمشق، وظهر النظام السوري والمليشيات المساندة له وكأنهم في طريقهم إلى إعلان الاستسلام، لكن التدخل العسكري الروسي المباشر وفي لحظة حساسة شهر سبتمبر/أيلول 2015 كان علامة فارقة ونقطة تحول، أتاحت لبقايا النظام السوري لململة شتاتها، والاستفادة من الدعم الروسي والإيراني واستعادة مساحة واسعة من الأراضي السورية، وقد تعرضت بعدها الثورة إلى هزة عنيفة بعد خسارة مدينة حلب في أواخر عام 2016، وانحسرت بعدها قوى الثورة المسلحة في شمال غرب سوريا.

منذ صيف 2016 بدأ الدور التركي بالتصاعد في سوريا بعد سنوات من مساندة الشعب السوري بطرق غير مباشرة، فقررت أنقرة شن عملية عسكرية في أغسطس/آب 2016 للقضاء على تهديد تنظيم داعش، تبع ذلك عملية "غصن الزيتون" في 2018 وعملية "نبع السلام" في 2019 ضد تنظيم "YPG" الإرهابي، بالتحالف مع قوى الثورة والمعارضة السورية، الأمر الذي أوجد هامشاً جغرافياً وأتاح للثورة السورية التمدد من جديد في شمال حلب وشمال شرق سوريا.

وفي مطلع عام 2020 أعلنت تركيا عملية "درع الربيع" لمواجهة زحف قوات النظام السوري بدعم روسي إلى محافظة إدلب، وقد استطاعت القوات التركية بالتحالف مع قوى الثورة والمعارضة في إدلب وقف هذا التقدم، ثم جرى الاتفاق على وقف إطلاق النار الذي لا يزال صامداً إلى يومنا هذا، الأمر الذي جنب المنطقة كارثة إنسانية تهدد ملايين السكان الذين فضلوا التجمع شمال غرب سوريا على البقاء تحت سلطة النظام السوري.

بعد مرور عقد كامل على الثورة السورية لا يبدو أن الأمر قد استتب للنظام السوري، فهو الآن يواجه ناراً تحت الرماد من الممكن أن تشتعل في أي لحظة، وذلك لأنه فشل في إعادة تدوير عجلة الحياة والاقتصاد في المناطق التي سيطر عليها، ولأنه غير قادر على تقديم الخدمات للسكان المحليين، كما أن نسبة 50% من البلاد خارج سيطرته.

المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى موقف دولي جاد للضغط على روسيا والنظام السوري للتوجه بشكل حقيقي إلى عملية انتقال سياسي تساعد على عودة النازحين الرافضين سلطة النظام السوري، وتتيح الحصول على تمويل دولي من أجل الانطلاق في جهود إعادة الإعمار وفرض الاستقرار، أو على أقل تقدير تقوية موقف كل من الشعب السوري والموقف التركي المعارض لبسط النظام السوري لسلطته على شمال غرب سوريا، أملاً في أن يسهم هذا الدعم في تشكيل ضغط على النظام السوري يدفعه إلى التوقف عن عرقلة العملية السياسية المرعية من قبل الأمم المتحدة والتي تراوح مكانها.

الموقف الدولي الموحد والمنسق مع تركيا من شأنه أيضاً أن يساهم إلى حد كبير في توحيد جهود المعارضة السورية التي تعرضت للانقسام وتحولت إلى منصات متعددة كل واحدة منها تحظى بدعم إقليمي أو دولي مختلف، وهذا كله في نهاية المطاف سيساهم في وضع حد للمأساة السورية.

TRT عربي