تُعتبر الصناعات الدفاعية ركيزة أساسية لدعم السيادة الوطنية ورسم معالم السياسات الخارجية لأي دولة، إذ يمكّن التسلح الذاتي من تحقيق الأمن والتوازن بين القوى الدولية والاقليمية، علاوة عن تنميته للنشاط الاقتصادي.

استجابة منها للتحديات الداخلية والاقليمية، عملت تركيا على تطوير صناعتها العسكرية، بخاصة خلال السنوات الأخيرة الماضية، إذ تمكنت من خفض استيرادها للمعدات العسكرية من نسبة 70% إلى نسبة 30%.

"بالإلهام الذي استلهمناه من إرث أسلافنا المجيد، قللنا اعتمادنا الخارجي في صناعة الدفاع من نحو 70% إلى نحو 30%". بهذه الكلمات التي ألقاها في حفل افتتاح روكستان Rokestan السنة الماضية،أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن نجاح بلاده في رفع معدل الإنتاج المحلي للمعدات العسكرية.

وتواصل بذلك النمو السريع للصناعات الدفاعية في تركيا ليحقق انتعاشاً اقتصادياً، ساعدها على تجاوز الآثار السلبية المترتبة على انتشار فيروس كورونا في العالم.

طفرة في مجال الصناعات الدفاعية

تمكنت تركيا بتوظيف مختلف مؤسساتها من تصميم وتصنيع منتجاتها العسكرية، وتسعى في ذلك إلى تحقيق صناعة وأنظمة مبتكرة وتنافسية على المستوى العالمي.

فعلى غرار بقية الدول الأعضاء بحلف شمال الأطلسي (ناتو) لم تدّخر تركيا الجهد في تحديث أنظمة أسلحتها وتطوير قدرتها في إنتاج المعدات العسكرية، وذلك منذ انضمامها إلى الحلف عام 1952.

وتضافرت في ذلك جهود القطاعين الخاصّ والعامّ للاستجابة لمتطلبات القوات المسلحة التركية. وكان من بين هذه الشركات التي طورت القطاع شركةROKETSANالتي تنتج تقنيات الذخيرة ذاتية الدفع والذخيرة الموجهة وأنظمة الصواريخ المتطورة والحلول الباليستية، وكذلكASPİLSANوİŞBİRاللتان تركزان على أنظمة الطاقة (مثل المولدات والبطاريات)، وشركةASELSANالتي تُدمِج وتحدّث أنظمة الأسلحة الأرضية، وعدة شركات أخرى.

وتشجيعاً منها لمزيد من تطوير القطاع وتنميته، قامت رئاسة الصناعات الدفاعية التابعة لرئاسة الجمهورية التركية، يوم الخميس 18 شباط/فبراير 2021، في العاصمة أنقرة، بالتوقيع على 6 مشاريع في البرمجيات المبتكرة، ومنصة خلية البيانات، والكشف عن الثغرات الأمنية القائمة على الذكاء الصناعي والوقاية منها في الشبكات المعرفة بالبرمجيات، وتحليل مكامن الضعف العالمي، وتطوير موادّ مدرَّعة خفيفة وقوية، وبرنامج تطوير موادّ محركات الطيران.

وصرّح إسماعيل دمير رئيس مؤسسة الصناعات الدفاعية التركية، بأن المؤسسة أنفقت حتى الآن 3.5 مليار ليرة تركية (نحو 500 مليون دولار) على 104 مشاريع للبحث والتطوير.

وتواصل مؤسسة الصناعات الدفاعية التركية إنجاز مشاريع مهمة في المجال، من بينها إنتاج المركبات حاملات الأسلحة "بارس" و"النمر". وتعليقاً على ذلك قال أنيل شاهين، الباحث في مجال الصناعات الدفاعية، في تصريح سابق لـTRT عربي، إن مركبات "بارس" ستمثّل إضافة لا مثيل لها في مخازن القوات المسلحة، ويرجع ذلك إلى هيكلها القوي وعجلاتها الاستثنائية، بما يجعلها ذات قيمة كبيرة في العمليات التكتيكية.

كما تُعتبر تركيا واحدة من بين 6 دول تصنع طائرات دون طيار مسلَّحة، بما يضمن لها دوراً إقليمياً هامّاً، ففي منصف سنة 2010 أنتجت شركة بايكار طائرة بيرقدار محلية الصنع التي تتمتع بميزة الاستطلاع الليلي وإمكانية إجراء مهامّ المراقبة والاستكشاف والتدمير الآني للأهداف.

أما بحراً، فقد صنّعت شركة التقنيات الدفاعية التركية "STM" أول فرقاطة تحت اسم "إسطنبول"، وذلك ضمن مشروع "ميلغم" (MİLGEM) لبناء السفن الحربية بإمكانات محلية، وتمتلك هذه الفرقاطة قدرات عالية في مجال الحرب البحرية والدفاع ضد الغواصات.

براً وبحراً وجواً، تسعى أنقرة لتطوير ترسانتها ومعداتها العسكرية ومزاحمة الدول التي تتصدر الترتيب العالمي في مجال الصناعات الدفاعية بإنتاج الأسلحة الخفيفة والثقيلة والسفن والصواريخ، بل إنها تجاوزت ذلك إلى الفضاء حيث تسعى إلى تطوير مشروع نظام إطلاق الأقمار الصناعية الصغيرة والمخطط انتهاؤه بحلول عام 2025، الذي سيمكّن تركيا من وضع أقمار صناعية صغيرة تزن 100 كيلوجرام أو أقل في مدار أرضي منخفض بارتفاع لا يقلّ عن 400 كيلومتر.

وفي السياق ذاته قال وزير الدفاع التركي خلوصي أقار، إن تركيا بينما كانت في الماضي تستورد حتى بندقية المشاة، باتت اليوم من الدول البارزة المنتجة والمصدرة للأسلحة.

بذلك اعتُبر مجال الصناعات الدفاعية من بين القطاعات التي غذّت الاقتصاد التركي، إذ إن واردات السلاح تستنزف احتياطيات العملة الصعبة، وهو ما تفادته تركيا بالعمل على رفع الإنتاج المحلي.

ورغم تداعيات انتشار جائحة كورونا التي طالعت كل القطاعات وعلى مستوى العالم أجمع، فإن قيمة الصادرات التركية من الصناعات الدفاعية والجوية، بلغت نحو مليارين و279 مليون دولار في 2020.

وفي تقرير صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، اعتبر تركيا واحدة من 4 دول تمتلك شركات عسكرية هي الأسرع نمواً، وأن تركيا انتقلت من المرتبة 29 دولياً في تصدير الأسلحة سنة 2000 إلى المرتبة 13 في الفترة بين سنتَي 2015 و2019.

التحديات الداخلية والاقليمية لتطوير الصناعات الدفاعية

تواجه الدول التي لا تستطيع إنتاج أنظمة دفاع خاصة بها، تهديدات وتحديات دبلوماسية وعسكرية، وذلك بسبب اعتمادها على القوات والأطراف الخارجية.

ومع تنامي الاستحقاقات الأمنية الداخلية والإقليمية، ومع فرض الحظر عليها في أكثر من مناسبة، توجهت تركيا إلى تطوير أنظمة الأسلحة والمعدات العسكرية لديها، لا لتحقيق اكتفائها الذاتي فقط، بل ولمساعدة حلفائها في المنطقة، فأرسلت الأسلحة عالية الجودة إلى أذربيجان وإندونيسيا وكازاخستان وليبيا، وغيرها من دول الشرق الأوسط والشرق الأقصى.

توجهت تركيا إلى الصناعات الدفاعية في ثمانينيات القرن الماضي، تزامناً مع الخلاف القبرصي، إذ إن الموقف الدولي الذي لم يقف إلى جانب تركيا في حربها أجبرها على العمل على إنتاج أسلحتها التي طُوّرَت بعد ذلك تدريجياً.

وعلى صعيد آخر، أدى توتر العلاقات بين واشنطن وأنقرة إلى تطوير الأخيرة للطائرات المسيَّرة بيرقدار عوض الطائرات الأمريكية، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية سعت في أكثر من فرصة إلى الضغط سياسياً على تركيا مقابل تزويدها بالمنتجات الدفاعية، وبالتالي محاولة إخضاعها. فمع بدئها عملياتها ضد تنظيم PKK الإرهابي شمال سوريا، أعلنت أمريكا وفرنسا وكندا وألمانيا وقف بيع المنتجات الدفاعية لتركيا، وكان من بينها صواريخ باتريوت.

وتلت ذلك مواقف مماثلة عند إعلان تركيا دعمها حكومة الوفاق في ليبيا المعترَف بها دولياً، وكذلك استمر التضييق والحصار في أثناء معركة تحرير قره باغ. ويتواصل اليوم الحظر ذاته بهدف وقف تركيا كذلك عن التنقيب عن الغاز في مياه شرق المتوسط.

لم تكن هذه الضغوط ومحاولات الحصار وفرض العقوبات بمختلف أشكالها، إلا حافزاً قوياً للعمل على زيادة الإنتاج المحلي في قطاع الصناعات الدفاعية والعسكرية كإحدى أهمّ دعائم الاقتصاد الوطني، للحفاظ على أمنها القومي ومساعدة حلفائها في المنطقة.

TRT عربي