تشير كل المؤشرات المتواترة إلى أن العام الجديد سيكون عام الليرة التركية، التي من المتوقع أن تستردّ فيه الكثير من قيمتها المفقودة خلال العامين الماضيين، وهو الأمر الذي سيعود بالنفع على استعادة المناخ الملائم للاستثمار الأجنبي.

علاوة على تحسُّن الأسعار في السوق المحلية، بما يعني التخفيف من الضغوط التي عانت منها الطبقات الفقيرة في الآونة الاخيرة.

ومن أهمّ تلك التباشير باستعادة الليرة عافيتها، الاتجاه الجديد للسياسة النقدية نحو رفع سعر الفائدة بعدتعيينالمحافظ الجديد للبنك المركزي، إذ رفع سعر الفائدة مرتين متتاليتين، كان آخرهما يوم 25 ديسمبر/كانون الأول الماضي، ليقفز السعر إلى 17%، لتبدأ الليرة رحلة الصعود المتواصل، لا سيما بعد الإعلان عن إعطاء السياسات النقدية الأولوية لاستقرار الأسعار بشكل دائم، مما سيقود إلى النموّ الاقتصادي عبر زيادة الاستثمارات والإنتاج.

ثم جاءت الإنجازات التي حققها الاقتصاد التركي خلال العام المنصرم لتؤكد قوة الاقتصاد ومرونته وتنوعه، ولتؤكد استمرار الاتجاه المتصاعد لليرة خلال الفترة المقبلة، إذ أعلنت وزيرة التجارة التركية روهصار بيكجان عن بلوغ صادرات البلاد نحو 166 مليار دولار، متجاوزة المستهدف السنوي البالغ 165.9 مليار دولار، على الرغم من هبوطها عن مستوى 180 مليار دولار عام 2019، وهو الإنجاز الكبير في ظلّ تداعيات فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي وحالة الإغلاق التي ضربت كل دول العالم، لا سيما الأسواق الرئيسية للصادرات التركية.

وفي إطار تعزيز الصادرات انطلق الشهر الماضي أول قطار يحمل صادرات تركية، في رحلة مباشرة إلى الصين، انطلاقاً من ولاية إسطنبول، وهو الأمر الذي وصفه وزير المواصلات والبنية التحتية عادل قره إسماعيل أوغلو، بأن تركيا باتت اليوم أكثر قرباً إلى هدفها لأن تصبح أحد أقوى 10 اقتصادات في العالم.

كما أعلن الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، أنه يتم إنشاء ممرّ نقل بين أذربيجان وتركيا عبر أراضي ناختشيفان، وهو الأمر الذي يأتي تتويجاً للانتصار العسكري الأذربيجاني بمساعدة تركيا، والذي حرّر إقليمقره باغوفتح الباب على مصراعيه للتعاون الاقتصادي.

كما أعلن الرئيس الصربي ألكسندر فوسيتش رسمياً، بدء تشغيل الغاز من التيار التركي إلى خط أنابيب الغاز البلغاري-المجري الذي يمر عبر البلاد، ومن الجدير بالذكر أن مشروع خط أنابيب الغاز "التيار التركي" يتضمن بناء خطين رئيسيين لأنابيب نقل الغاز، تصل طاقة كل منهما إلى 15.75 مليار متر مكعب. وخُصّص الخط الأول لتوريد الغاز مباشرة إلى السوق التركية، أما الآخر فخُصّص لتوريد الغاز عبر الأراضي التركية إلى الدول الأوروبية.

ومنذ أيام قلائل أشار الرئيس أردوغان إلى إنجازات مهمة على مستوى القطاع الزراعي التركي، الذي صدّر 1827 نوعاً من المنتجات الزراعية إلى 193 دولة العام الماضي، وحقق عائدات قدرها 18 مليار دولار، وبلوغ الفائض في الميزان الزراعي 5.3 مليار دولار، كما حققت تركيا المركز الأول عالمياً في تصدير القمح، والمركز الثاني في أوروبا بعدد الماشية الكبيرة بواقع 18.6 مليون رأس، والمركز الأول بعدد الماشية الصغيرة بأكثر من 55 مليون رأس.

وأشار الرئيس إلى أن تركيا تهدف إلى أن تصبح من بين أكبر خمسة بلدان في الإنتاج الزراعي على مستوى العالم، وذلك كجزء من أهدافها المخططة للقطاع الزراعي بحلول عام 2023، التي تتضمن الوصول بإجمالي الناتج المحلي الزراعي إلى 150 مليار دولار، و40 مليار دولار أمريكي للصادرات الزراعية، و8.5 مليون هكتار من مساحة المناطق القابلة للري.

كما توقع بيرول أقمان، عضو مجلس إدارة الوكالة التركية لترويج وتطوير السياحة، أن تبلغ عائدات تركيا من القطاع السياحي 15 مليار دولار بنهاية 2020، مقارنة بنحو 34 مليار و520 مليون دولار في 2019، ورغم هذا الانخفاض الكبير فإن الرقم المتحقق يُعَدّ إنجازاً كبيراً في ظل أزمة كورونا. ولولا جودة القطاع الصحي التركي واستعداد البنية السياحية التركية لَمَا تَحقَّق هذا الرقم، الذي تظهر جودته عند مقارنته بالدول السياحية الكبرى في العالم التي انخفضت إيراداتها بنسب قد تصل إلى 70% في المتوسط.

كما أتى توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين أنقرة ولندن يوم 29 ديسمبر/كانون الأول 2020، لينهي إرهاصات الفشل، والعقبات التي عطلت هذا الاتفاق خلال العام الماضي، وهو خطوة ذات أهمية سياسية واقتصادية كبيرة للجانب التركي، لا سيما وأن تفعيل الاتفاقية يتسم بسهولة كبيرة في ظل العلاقات الاقتصادية والتجارية المتينة بينالبلدين . وربما عزز خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أيضا من هذه العلاقة.

وتعني الاتفاقية بالتخفيض المتدرج للعوائق الجمركية أمام سلع البلدين الصناعية والزراعية، وهو ما تتمتع فيه تركيا بميزة تنافسية كبيرة من حيث انخفاض الأسعار، وهو ما يتضح جلياً في الصادرات التركية إلى بريطانيا التي تبلغ 10.8 مليار دولار، في مقابل واردات بقيمة 5.4 مليارات دولار، وفائض تجاري تركي بنحو 5 مليارات دولار.

وفي منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي أُعلن عن اكتشاف أكبر حقل للغاز الطبيعي في تاريخ البلاد بالبحر الأسود، وهو ما يعزّز ريادة تركيا العالمية في تجارة الطاقة، ويعطي دفعة مهمة للاقتصاد الكلي، ويؤثر بشكل إيجابي في عجز الحساب الجاري، لا سيما وأن صافي واردات البلاد من مصادر الطاقة يبلغ قرابة 41 مليار دولار سنوياً، فيما سيسهم بدء إنتاج الغاز في خفض الرقم بشكل لافت.

تشابكت السياسة التركية مع ملفات شائكة في ليبيا وأذربيجان وسوريا، كما دخلت مع فرنسا في الكثير من المناوشات، بالإضافة إلى تداعيات فيروس كورونا على الاقتصادين العالمي والتركي، وهو ما أثر سلبياً في قيمة الليرة التركية، ولكن مع النجاح في حسم بعض هذه الملفات، علاوة على الخطوات التركية الواسعة نحو توطيد علاقاتها الاقتصادية مع دول العالم المختلفة، وتدشينها عديداً من الطرق التجارية الجديدة، علاوة على اكتشافات البترول والغاز والذهب التي أعلن عنها مؤخراً، من المرجح أن يصبح العام الجديد عام استعادة بريق الليرة التركية.


TRT عربي
الأكثر تداولاً