عندما هبّت رياح "الربيع العربي" في صيغته المغربية سنة 2011، متجسدة في حركة "20 فبراير" التي طالبت باجتثاث مظاهر الفساد، لم تكن فقط حناجر آلاف الشباب التي صدحت بهذه المطالب، بل واكبتها أصوات مثقفين ومفكرين مغاربة حاولوا "دعم" هذا "الحراك المجتمعي".

ولما انتفض شباب من منطقة الريف بالمغرب مطالبين بتنمية مدنهم وقراهم بعيداً عن "التهميش والإقصاء"، وجدوا بضعة مثقفين مرة أخرى يدعمون تلك المطالب، وعندما اعتُقل وسُجن قادة "حراك الريف" بعد ذلك احتجّ هؤلاء المثقفون بـ"القلم" ونشر العرائض داعين إلى الإفراج عن المعتقلين وتنقية الأجواء في المجتمع.

تمرّ السنوات لتندلع في العالم جائحة كورونا فتنقلب أوضاع البلدان رأساً على عقب، فكان لمثقفين مغاربة رأيهم ودورهم كذلك في "التأطير" والتحسيس بمخاطر الوباء، كما أن بعضهم لم يقف "مكتوف الأقلام والأصوات" أمام المسّ بالوحدة الترابية للبلاد من طرف جماعات انفصالية في مستجدات ملفّ الصحراء، وكان لهم أيضاً رأي رافض لتعرض صحفيين للسجن لأسباب مختلفة، وفي معركة اللغة العربية والفرانكفونية، فضلاً عن كثير من القضايا الآنية المختلفة.

تفاعُل المثقف المغربي مع القضايا المثارة في مجالات المجتمع والسياسة والفكر لم يكن موقفاً واحداً موحَّداً، كما لم يكن بنفس الحماسة والانخراط في قضايا المجتمع الرئيسية، فقد اكتفى مثقفون ومفكرون بالاشتغال الأكاديمي والفكري بعيداً عن "صداع الرأس"، فيما اختار آخرون الانزواء تماماً والتواري إلى الخلف دون إبداء أي موقف في ما يروج ويدور من "حَراكات" مختلفة بالبلاد.

حراك الريف بالمغرب (AA)

ثلاثة فرقاء

شكل "حراك 2011" أكبر هزة تَعرَّض لها المثقف المغربي خلال القرن الحالي، ذلك أنه لم يألف من قبل خروج حشود بشرية بالآلاف للاحتجاج، فظهر الشرخ سريعاً في مواقف المثقف والمفكر حيال هذا التحول المجتمعي الهائل المرتبط بمطالب تتّسم بالاستعجال، وتتخذ لها من مواقع التواصل الاجتماعي مَحضِناً و"قيادة افتراضية"، وهو ما تكرر في كثير من المطالب التي ظهرت بعد ذلك وانطلقت من فيسبوك تحديداً، وكان من بينها المطالبة بمقاطعة بعض السلع بسبب الغلاء الفاحش.

وانقسم المثقفون المغاربة إلى 3 فرقاء، الأول يمكن تسميته "المثقف التقليدي" الذي يكتب ويؤلّف وينتج مهتمّاً فقط بالبحث الفكري والتدريس الجامعي أحياناً، وهو ما أوقعه في شبه عزلة عن المجتمع والحراك الدائر.

والفريق الثاني هو المثقف الذي اختار طواعية أن يكون في صف "الموقف الرسمي للسلطة"، إما لأنه يرى بالفعل مواقفه ورؤاه تتسق مع قرارات الدولة، وإما لأنه يتجنب أي "تداعيات سلبية" بإبداء آراء معارضة، أو لكونه يستفيد معنويّاً أو ماديّاً من هذا "الموقف المسالم".

وأما الفريق الثالث من المثقفين الذي شكّلَته خريطة الحراك المجتمعي والسياسي والثقافي بالبلاد، الذي يحلو للبعض تسميته بالربيع الثقافي، فهو ذاك الذي تأقلم سريعاً مع الملفات والأحداث الجارية، إما بالحضور الذاتي مدافعاً ومنتقداً ومحتجاً أو مسانداً، وإما بالكتابة كل في مجاله، وإما بتوحيد المواقف عبر العرائض الموجهة إلى "ذوي الحل والعقد".

وظهر الشرخ واضحاً جلياً بين الفريقين الثاني والثالث، عندما اندلعت "معركة البيانات" قبل أشهر قليلة بشأن الاحتجاجات الاجتماعية وحقوق الإنسان بالبلاد، إذ تبادلت أسماء ثقافية وإبداعية وفنية من كل فريق التهم حول مدى صواب موقف كل طرف.

وطالبت أسماء ثقافية وفكرية، ضمن بيان شهير سموه "هذا الظل هنا" بالحقّ في "التقصي والجدال والتحليل والنقد والمعارضَة والتحقيق والتفكيك والتفكير وكسر القواعد وابتكار وخلق مجتمع أحسن، بلا تشهير وتجريم أو تهديد"، فيما ردّ آخرون على هذا البيان ببيان حرصوا من خلاله على الإشادة بمسار البلاد في احترام حقوق الإنسان، فضلاً عن عديد من المكاسب الاجتماعية والسياسية التي تحققت في السنوات الأخيرة.

حَراك قائم

يقول مصطفى لغتيري، كاتب وأديب مغربي، في تصريح لـTRT عربي: "في المغرب نقاش عامّ متواصل، يساهم فيه المثقفون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يطال القضايا السياسية والحقوقية والاجتماعية والثقافية".

ويتابع قائلاً إن "هذا الأمر يُعَدّ ظاهرة صحية، تنمّ عن انخراط المثقف المغربي في نقاش التحولات العميقة التي تحدث أمام أعيننا وطنياً وعربياً وعالمياً"، مبرزاً أن "التطورات الأخيرة بشأن الوحدة الترابية المغربية أسالت مداد كثير من المثقفين، بما يعني أن المثقف المغربي معنيّ بقضاياه الوطنية ولا يعيش منعزلاً في برجه العاجي كما يدعي البعض".

وبخصوص "الحراك الثقافي-الثقافي"، يسجّل لغتيري العطاء المتميز والمتواصل للكُتَّاب المغاربة، فرغم الظروف الصعبة التي نتجت عن انتشار الوباء، علاوة على شبه استقالة المؤسسات الرسمية المهتمَّة بالشأن الثقافي، فإن الإصدارات المغربية مستمرة في جميع الأجناس الأدبية، كما حصد أدباء مغاربة جوائز عربية ودولية مرموقة".

ولم يفُتِ المتحدثَ الإشارةُ إلى بعض الجمعيات الثقافية، التي ما زالت تؤمن بجدوى الأدب وتنظّم في هذا الشأن ندوات من بُعد، مستثمرةً في ذلك وسائل التواصل الحديثة، بخاصة مع ظروف الحجر الصحي، وإغلاق دور الثقافة خوفاً من انتشار العدوى بوباء كورونا المستجد.

برج الذاتية الضيقة

لا يرى عبده حقي، وهو كاتب وإعلامي مغربي ورئيس لجنة الإنترنت والعلاقات الرقمية باتحاد كتاب الإنترنت العرب، تفاعُل المثقف مع الحراك المجتمعي الجاري بعين الرضا.

ويقول في تصريح لموقع TRT عربي، إن دور المثقف العربي في التغيير المجتمعي والثقافي انحسر منذ ربع قرن من الزمن تقريباً بعد هدم جدار الفصل الآيديولوجي بين الشرق والغرب، وخفوت جذوة الفكر الثوري القادم منذ الستينيات الذي زلزل عدة أنظمة رجعية وانتصر أساساً للقومية العربية والدولة الوطنية بعد الاستقلالات الصورية من المستعمر الغربي.

ويكمل المترجم المغربي بأن المثقف العربي انتقل من خندق الدفاع عن القضايا الإنسانية الكبرى، كالتحرر والديمقراطية وترسيخ الوعي، إلى التربع في برج قضاياه الصغرى الذاتية الضيقة التي تتعلق أساساً بحظوته الطبقية، والتي لا وصفة سحرية لتحقيقها في رأيه سوى الانخراط في اللعبة السياسية وتزكية دور المؤسسات "الديمقراطية" المزيفة، مثل الأحزاب والتمثيليات النقابية والنيابية الشعبية.

وأشار حقي إلى أن أزمة المثقف تعمقت بصعود دور الإنترنت وتعدُّد الوسائط التكنولوجية وهيمنة شبكات التواصل الاجتماعي على منظومة التلقي والتوعية والتعبئة اليومية"، مردفاً بأن أوضح مثال على ذلك هو الدور الحاسم لهذه الوسائط التكنولوجية الحديثة خلال ثورات الربيع العربي".

وذهب المتحدث إلى أنه "لم يعد المواطن في حاجة إلى وسيط مثقف وأكاديمي ومفكر لنقل قضاياه إلى سدة النظام، بل وجد في دعامات فيسبوك ويوتيوب وبالتوك والبودكاست منابره المباشرة للتعبير عن الاحتجاج والرفض، مما أسهم كثيراً في إسقاط أربعة أنظمة عربية استبدادية دفعة واحدة في مشاهد تراجيدية لم يكن يتوقعها لا المنظّرون السياسيون ولا المؤرخون ولا حتى المثقفون".

جبهة موحدة

هذا التقاعس من المثقف المغربي -ومثله العربي- في التفاعل مع الحراكات المجتمعية والسياسية والثقافية يفسره الدكتور إدريس الكنبوي، باحث وكاتب، في التصريح لموقع TRT عربي، بالقول إن "المثقف في المغرب يعيش حالة من الشتات".

ويشرح الكنبوري بأنه "لم تعُد تجمع المثقفين جبهة موحدة وتجعل منهم "أنتلجنسيا"، إن صحّ التعبير، بمعنى فئة قادرة على ممارسة الضغط على أصحاب القرار السياسي، وعلى إسماع كلمتها والدفاع عن مصالحها".

وثاني الأسباب وراء عدم انخراط المثقف في قضايا المجتمع وحراكاته، حسب الكنبوري، يتمثل في كون الدولة اليوم لم تعُد بحاجة إلى مثقفين، لأنها نجحت في خلق مجموعة من الإعلاميين والانتهازيين للدفاع عن كل ما تراه مناسباً، وتحريك هؤلاء عندما تريد، بحيث لم تعُد إلى صوت المثقف القادر على النقاش والجدال والدفاع عن الأطروحة المغربية في القضايا المختلفة حاجة".

وتوقع المتحدث أن هذه الوضعية لن تستمرّ طويلاً، وأن "الدولة سوف تدفع ثمن هذه المرحلة الحبلى بالتوقعات"، مضيفاً أن الأحزاب السياسية أيضاً لم تعُد بحاجة إلى المثقف، لأنها أصبحت بدورها أحزاباً دون مشاريع مجتمعية ودون رؤية، باستثناء التخطيط للفوز في الانتخابات.

وخلص الكنبوري إلى أن الأحزاب شريك أساسي في ما وصل إليه الحال إليه من طغيان الرداءة والانتهازية وغياب الشعور الوطني، لدى المثقف والسياسي على حد سواء" حسب تعبيره.

لكن هذا الرأي يقابله أيضاً مَن يعتبر أن "تأثير المثقف في المجتمع والجماهير يسير بوتيرة بطيئة"، وأنه ليس مطلوباً منه أن يخرج في الحشود المحتجة، لأن مكانه الاعتيادي هو الكتاب، ولأن المثقف الحقيقي لا يجب أن يكون رجع صدى لما يطلبه الجمهور".

TRT عربي