بعد أن قاد حروباً ومعارك لعقود، يعود الملا عبد الغني برادر رئيس المكتب السياسي لحركة طالبان وأحد قادتها المؤسسين، من جديد إلى العاصمة الأفغانية كابل قادماً من منفاه، لقيادة المرحلة السياسية القادمة.

لطالما اكتنف قادة حركة طالبان غموض شديد، وتجنبوا لسنوات طويلة الظهور الإعلامي، واختاروا أن يكونوا في الظل، وذلك بالرغم من توليهم الحكم عام 1996 وقيادتهم المفاوضات بعد ذلك مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2019.

إلا أنه مؤخراً، بعد أن سيطرت الحركة على العاصمة كابل من جديد، ودخولها عدد اًمن المدن الأفغانية في وقت قصير، أثير جدل واسع في أفغانستان والعالم، حول الشخصية التي ستتزعم المرحلة القادمة، من بين قادة الحركة المتنافسين حالياً. ويعتبر الملا عبد الغني برادر من أهم الأسماء التي تطرح باستمرار، منذ الإعلان عن عودته إلى أفغانستان، وذلك باعتباره أبرز القادة العسكريين والاستراتيجيين التاريخيين للحركة.

من القتال في أفغانستان إلى التفاوض في قطر

بمجرد أن أعلنت حركة طالبان سيطرتها على كابل وعدة مدن أفغانية وتسلمها الحكم في 15 أغسطس/آب الجاري، عاد الملا عبد الغني برادر من منفاه في العاصمة القطرية الدوحة إلى قندهار، المدينة التي انطلقت منها لبنة طالبان الأولى عام 1994، ثم منها إلى العاصمة الأفغانية كابل وسط حديث عن إجراء مفاوضات مع قادة سياسيين وعسكريين للتباحث حول خريطة الطريق القادمة.

ولد برادر عام 1968 بولاية أوروزغان الواقعة جنوب أفغانستان، ونشأ بمدينة قندهار. وبدخول القوات السوفييتية إلى أفغانستان عام 1979، انضم برادر إلى المقاومة الشعبية، وحارب في صفوفها طيلة عشر سنوات، إلى أن انسحبت القوات السوفييتية سنة 1989. ليعلَن بعد ذلك عن تأسيس حركة طالبان عام 1994، في مدينة قندهار.

وكان برادر أحد المؤسسين الأربعة لطالبان إلى جانب صهره الزعيم الروحي للحركة الملا عمر، الذي توفي عام 2013 في ظروف غامضة.

وبتسلم طالبان الحكم عام 1996 إلى حدود عام 2001، تقلد برادر عدة مناصب هامة وشغل عدة وظائف من بينها توليه منصب وزير الدفاع. واستمر دوره كأبرز القادة العسكريين والاستراتيجيين، حتى بعد سقوط طالبان عام 2001 نتيجة الغزو الأمريكي، إلى أن أُلقي عليه القبض عام 2010 في باكستان واستمر اعتقاله إلى عام 2018، لينتقل بعد ذلك إلى العاصمة القطرية الدوحة ويتولى قيادة المكتب السياسي لطالبان، حيث لطالما عُرف كأحد أبرز الوجوه المعتدلة للحركة.

ومنذ عام 2018 انضم برادر إلى الفريق المفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية، لإنهاء التدخل العسكري في أفغانستان. لتسفر المحادثات المكثفة والمفاوضات وخاصة التي أجريت مع وزير الخارجية الأمريكي آنذاك مايك بومبيو، عن توقيع اتفاقية سلام تاريخية مع الولايات المتحدة في 29 فبراير/شباط 2020، اعتبرتها حينها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب خطوة حقيقية نحو تحقيق السلام. وتولى بعد ذلك برادر رئاسة الوفود التي سافرت إلى عدة دول في العالم، سعياً من الحركة للحصول على اعتراف وقبول دولي.

برادر.. وجه المرحلة المقبلة

بعد يومين من إعلان حركة طالبان سيطرتها على العاصمة كابل، وصل الملا عبد الغني برادر إلى قندهار. وسط ترقب شعبي ودولي لما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك.

ومحاولة منها لتبديد المخاوف، وطمأنة الرأي العام المحلي والأجنبي، أعلنت الحركة أنها تعتزم تشكيل حكومة شاملة، وأن حكمها سيكون مختلفاً عن السابق. وربما المسيرة السياسية والقتالية التي مر بها برادر تعكس وتفسر تاريخ تحولات حركة طالبان ورحلتها منذ تسعينات القرن الماضي إلى اليوم، خلال المحطات المتعاقبة على البلاد.

وفي إطار إجراء محادثات مع القادة العسكريين والسياسيين حول تشكيل حكومة جديدة، وصل رئيس المكتب السياسي لحركة طالبان وأحد قادتها المؤسسين إلى العاصمة الأفغانية كابل يوم السبت 21 أغسطس/آب الجاري. وسط تساؤل عن أكثر الشخصيات حظوظاً في الفترة القادمة، خاصة بحضور أهم قادة الحركة.

وأعلن برادر في كلمته أن النصر الذي تم تحقيقه لم يكن متوقعاً، وأن الاختبار الحقيقي لطالبان يبدأ الآن، حيث إنه يتعين عليهم خدمة الشعب الأفغاني وتأمين مستقبل مستقر له.

ورغم هذه التطمينات التي حاول أن يبثها برادار، فإن المخاوف لا تزال مستمرة، تترقب الكشف عن المسارات المحتملة في الفترة المقبلة، ولكن ذلك لا ينكر في الوقت ذاته حقيقة أن الملا عبد الغني برادر شخصية تحظى بقبول وسط فئة كبيرة من الشعب ولدى الكثيرين من مقاتلي طالبان.

TRT عربي