انطلاقاً من باب العامود، وصولاً إلى حائط البراق، اجتمع المستوطنون الإسرائيليون في مسيرة الأعلام، توحدهم في ذلك كراهية العرب ورفض حق الفلسطينيين في دولة مستقلة، ورغبة بمزيد من التوسع الاستيطاني، وهي مجموعة الأفكار التي يبني عليها تيار اليمين شعبيته.

مثلت مسيرة الأعلام التي انطلقت يوم الثلاثاء 15 يونيو/حزيران الجاري، أحد إرهاصات تنامي ظاهرة اليمين المتطرف الإسرائيلي، ورفعت على إثرها مجموعة من الشعارات المحرضة، كان أبرزها شعار “الموت للعرب“، إضافة إلى تسجيل عدة أعمال عنف واعتداء ضد الفلسطينيين، وذلك بحماية أمنية.

إذ إنه منذ توقيع اتفاقيات السلام كامب ديفيد وأوسلو، بدأت شعبية اليمين المتطرف في اسرائيل تتزايد يوماً بعد يوم. فتمكن من التأثير في سياسات الحكومات المتعاقبة، وعمل على عرقلة إعادة إحياء اتفاقيات السلام مع الفلسطينيين، وفرض سياسة التهويد. ولعبت في ذلك شخصيات سياسية يمينية ومنظمات يهودية قومية دوراً هاماً، فتمكنت من تغذية خطاب سياسي وشعبي مدفوع بالكراهية يحرض على الاعتداء والقتل للفلسطينيين بل ولكل العرب.

من وراء التحريض؟

سعى التيار اليميني الاستيطاني إلى قضم مزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وطرد الفلسطينيين خارجها، ودعمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي هذه المساعي، دون إقرار رسمي بذلك في الإعلام والمحافل الدولية، للترويج لقدرة الإسرائيليين والفلسطينيين على التعايش ضمن منطقة واحدة.

إلا أن الاشتباكات الأخيرة بين الفلسطينيين والمستوطنين في القدس والمدن المحتلة، كشفت وبشكل أوضح مستوى ما يضمره اليمين المتطرف من عداء وكراهية. ورصدت على إثر ذلك وسائل إعلامية رفع الإسرائيليين لعلم أسود عليه نجمة داوود صفراء إلى جانب الأعلام الإسرائيلية، ويعود العلم إلى منظمة لهافا Lehava أو اللهيب الإسرائيلية. وهي المنظمة التي أججت شعارات التحريض ضد الفلسطينيين، وقامت بالحشد لاقتحام للمسجد الأقصى والقيام بحركات استفزازية في باحاته.

أتباع منظمة لهافا الإسرائيلية في مسيرة للمطالبة بالتطهير العرقي ضد الفلسطينيين (Reuters)

وأُسست منظمة لهافا سنة 2005 على يد الحاخام اليميني بنتسي غوبشتاين، وهو من أتباع عضو الكنيست السابق ومؤسس حزب كاخ المتطرف، الحاخام مائير كهانا، والذي كان ينادي بدوره بالإبعاد الكامل للفلسطينيين عن أراضيهم باستخدام القوة، وضم الضفة الغربية المحتلة، ويؤمن بدولة إسرائيل الكبرى.

وبدورها استلهمت منظمة لهافا المتطرفة هذه الأفكار ودعت إلى منع ما أسمته اختلاط الأجيال أو الزيجات وكل العلاقات بين اليهود وغير اليهود، ومحاولة حرق المسجد الأقصى... وتورطت في العديد من أعمال العنف والإرهاب واستهداف المدنيين الفلسطينيين، فصنفتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي جماعةً إرهابيةً محرضةً على العنصرية وقامت بحظرها.

ثم سرعان ما تحولت المنظمة من متهمة بالإرهاب إلى حليف في الحكم، حيث أقدم رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو خلال الانتخابات الأخيرة على التحالف معها، على غرار تيارات يمينية أخرى، لضمان فوزه بأغلبية تسمح له بتشكيل حكومته.

وبانخراط قادتها في العمل السياسي وتغلغلهم في مؤسسات الحكم بعد أن كانوا على الهامش، أصبحت أفكارهم توجه العديد من السياسات الإسرائيلية وتغض الطرف عن ممارسات المستوطنيين المتطرفين، وتوفر الحماية لهم في أثناء مشاداتهم مع الفلسطينيين، وكان آخرها إصابة أكثر من 30 فلسطينياً على يد الشرطة الإسرائيلية بقنابل مطاطية وقنابل صوتية، إثر محاولة دفعهم من محيط مسيرة الأعلام.

وبانتشار شعار الموت للعرب والاستمرار في ترديده، خلال المسيرة الأخيرة للأعلام الإسرائيلية، ندد وزير الخارجية الجديد يائير لابيد بهذه الهتافات، وقال في تغريدة له على حسابه على تويتر: إن "حقيقة وجود عناصر متطرفة يمثل العلم الإسرائيلي بالنسبة إليهم كراهية وعنصرية أمر بغيض ولا يغتفر". واعتبر أن هؤلاء المتطرفين عار على الإسرائيليين وفق تعبيره، وفي ذلك تبدو رسالة لابيد بعيدة عن كونها موجهة للمستوطنين الإسرائيليين بقدر ما هي موجهة للرأي العام الدولي والحلفاء للترويج لمسارات الحكومة الإسرائيلية الجديدة.

"نقطة انفجار" لفلسطينيي الأراضي المحتلة

وأمام تنامي ظاهرة العنصرية والتطرف التي يقودها التيار اليميني الاستيطاني، يعاني الفلسطينيون في الأراضي المحتلة من قمع إسرائيلي واستهداف مستمر من المستوطنين، فأصبحت بذلك الهتافات والشعارات العنصرية مترجمة على أرض الواقع إلى أعمال عنف واعتداء، وقوانين منحازة.

أدى ذلك إلى انفجار الأوضاع في القدس والأراضي المحتلة، وخروج مسيرات حاشدة للفلسطينين للاحتجاج على الاستيلاء على بيوتهم وممتلكاتهم، وتعرضهم للقمع والاعتداء والاقتحام في ظل تعتيم تام.

قوبلت الاحتجاجات التي انطلقت في عدة مدن من بينها الناصرة وكفر كنا وكفر مندا وأم الفحم وشفا عمرو وبئر السبع وغيرها، باعتداء الشرطة الإسرائيلية ومليشيات المستوطنين والمنظمات اليمينية المتطرفة ومن بينها جماعة لهافا.

لذلك يرى محللون ومن بينهم الصحفي البريطاني جوناثان كوك، أن الأحداث الأخيرة تعبير واضح عمَّا أسماه نقطة انفجار لفلسطينيي الداخل الذين أجبروا لعقود طويلة على التعامل مع عنصرية واستهداف المستوطنيين الإسرائيليين.

وانبرى بدوره الإعلام الرقمي ووسائل الإعلام المحلية والأجنبية في محاولة لمزيد من التحريض ضد الفلسطينيين، وتضليل الرأي العام الدولي بحقيقة ما يدور في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي هذا الإطار استجابت مؤسسات شبكات وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي لضغوطات الحكومة الإسرائيلية لفرض مزيد من القيود على المحتوى الفلسطيني، وإغلاق حسابات ناشطين وإعلاميين وحقوقيين فلسطينيين.

وفي المقابل انحياز للمغردين الإسرائيليين، الذين قاموا بإثارة للتعاطف بنشر مقاطع فيديو تظهر حالة الفزع التي يعيشها الإسرائيليون في أثناء هجمات المقاومة الإسلامية حماس.

TRT عربي
الأكثر تداولاً