اتهامات مختلفة حول إشكالية سقوط الموصل لم تظهر وقائعها الحقيقية حتى الآن، القضية الحساسة اشتركت فيها أطراف محلية معارضة وطائفية وقومية حاكمة وعناصر إقليمية وقوى نافذة وعصابات دولية، ولم يصدر تقرير جديّ حتى الآن عن هذه المعركة التي استمرت 196 يوماً

يستعيد الموصليون الذكرى الأليمة لسقوط مدينتهم بيد تنظيم داعش بعد انسحاب مفاجئ للجيش العراقي منها، ولا يزال المتهمون الرئيسيون في سقوط المدينة أحراراً طلقاء رغم الدعوات الشعبية والسياسية لمحاسبتهم.

وكان تنظيم داعش الإرهابي قد فرض سيطرته المطلقة على كامل مدينة الموصل، ثانية كبرى مدن العراق من حيث عدد السكان، في يونيو/حزيران 2014، بعد هجوم مباغت شنه المئات من عناصر التنظيم، لتنسحب أمامهم فرقتان عسكريتان تابعتان للجيش العراقي يصل عديدهما إلى نحو 25 ألف جندي، فضلاً عن الشرطة المحلية والاتحادية التي تضم أكثر من 30 ألف عنصر.

تحذيرات والنتيجة خراب الموصل

اتهامات مختلفة حول إشكالية سقوط الموصل لم تظهر وقائعها الحقيقية حتى الآن، القضية الحساسة اشتركت فيها أطراف محلية معارضة وطائفية وقومية حاكمة وعناصر إقليمية وقوى نافذة وعصابات دولية، ولم يصدر تقرير جديّ حتى الآن عن هذه المعركة التي استمرت 196 يوماً كأطول معركة في التاريخ الحديث.

بهذا الصدد تحدث محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي لـTRT عربي قائلاً: "المعركة دارت بين قوات حكومية وعناصر داعش لمدة ثلاثة أيام، أدت إلى انسحاب قوات الجيش والأجهزة الأمنية التي لم تقاوم بل سمحت لعناصر داعش بالانتشار، ثم هربت تاركةً وراءها معدات ثقيلة ومستودعات أسلحة كجزء من التخاذل الحكومي تجاه الموصل".

مسجد النوري الكبير المدمر في مدينة الموصل القديمة 
مسجد النوري الكبير المدمر في مدينة الموصل القديمة  (Reuters)

وأكد النجيفي "رئيس الوزراء حينها كان نوري المالكي واتصلت به مراراً وتكراراً، لكنه لم يجب على اتصالاتي وتحذيراتي حول تدهور الوضع الأمني في الموصل آنذاك، ومدير مكتبه فاروق الأعرجي أبلغني رفض المالكي تدخلي في تقييم الموقف".

وأضاف: "تقرير البرلمان بشأن التحقيق في سقوط الموصل وأتباع رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي روجا أكاذيب لتضليل الناس عن حقيقة ما جرى، لتغطية فساد الحكومة وتدمير المدينة ضمن صفقات إقليمية سياسية مع إيران".

تحرير بتكلفة باهظة

معارك التحرير فاقمت الضرر في مدينة الموصل، بعد أن حوّل تنظيم داعش الإرهابي سكانها إلى دروع بشرية في أثناء عمليات الجيش العراقي وفصائل متطوّعة تحت أسماء شتّى بمؤازرة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، كما أكدت الحكومة العراقية برئاسة حيدر العبادي رئيس الوزراء الأسبق، أنها اتخذت كل الإجراءات التي تحول دون دمار المدينة، لتخفيف الأعباء عن سكّانها، لكن ما إن دخل الجيش المدينة حتى اتضح حجم الخراب.

في هذا السياق تحدث النائب عن محافظة نينوى ماجد شنكالي لـTRT عربي مصرحاً: "المدينة منذ تحريرها ما زالت تعاني أوضاعاً صعبة من نواحٍ عديدة أبرزها الخدمية والعمرانية، إذ يغيب الإعمار وتُسرق أموال الدول المانحة، والسبب يعود إلى أن الحكومات المتعاقبة غير جادة في إنهاء الملف، ووعود رؤساء الوزراء كانت حبراً على ورق فقط".

جامع معادن عراقي يقف بالقرب من أنقاض مبنى الجادرجي المدمر المكون من سبعة طوابق ، والذي صممه المهندس العراقي المشهور رفعت الجادرجي في الستينيات
جامع معادن عراقي يقف بالقرب من أنقاض مبنى الجادرجي المدمر المكون من سبعة طوابق ، والذي صممه المهندس العراقي المشهور رفعت الجادرجي في الستينيات (AFP)

وأضاف شنكالي: "ملف إدارة محافظة نينوى ما يزال مرتبكاً بسبب وجود عشرات الفصائل المسلحة مثل الحشد الشعبي، والفصائل التابعة لشخصيات سياسية، ولها نفوذ واسع، وتبحث عن مقاولات وعقود في ملف الإعمار، وخرجت تلك الفصائل عن عملها المفترض وهو وحماية المدينة، إلى الانخراط في نشاطات اقتصادية وتجارية، وهو ما انعكس سلباً على المدينة".

خسائر بشرية ومادية ونزوح الملايين

تتضارب أرقام الأمم المتحدة في العراق مع ما نُشر في إحصاءات أخرى تتعلق بمعركة الموصل، والخسائر البشرية المترتبة عليها، فقد ذكرت صحيفة إندبندنت البريطانية، نقلاً عن تقارير استخباراتية في إقليم كردستان العراق، أن عدد من قُتل من المدنيين وصل إلى 40 ألفاً، فضلاً عن عدد أكبر من المصابين وأصحاب الإعاقات. وأشار التقرير إلى أن هذا العدد من الضحايا سقط نتيجة قصف جوي واشتباكات أرضية، فضلاً عن أعداد كبيرة سُجلت بسبب استهداف مسلحي داعش للمدنيين الفارين.

وأشارت تقارير أخرى إلى سقوط نحو 16 ألف مدني، منذ بدء المعركة حتى مايو/أيار 2017، في حين ترفض الحكومة العراقية هذه الأرقام، وتعتبرها مبالغاً فيها، لتقول إن عدد من قُتل في المعركة لم يتجاوز 4 آلاف مدني.

أما عن الخسارة المالية فتقدر بنحو 100 مليار دولار وفقاً لعضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي سرحان أحمد، الذي أضاف في حديثه لـ TRT عربي أن منها ما يقدر بنحو " 15 مليار دولار أنفقت على الحرب التي استمرت ثلاث سنوات منذ 2014 إلى 2017".

وتابع أحمد: "أما الخسائر الأخرى فتمثلت بتفجير وتدمير حقول نفطية ومنشآت وبنى تحتية، كالجسور والمصانع والطرق وشبكات الماء، والكهرباء، والمجاري والاتصالات، والمباني الحكومية والجامعات والمدارس، والمستشفيات، والممتلكات العامة والخاصة للمواطنين"، وأوضح أن البنية التحتية دُمرت بنسبة 70 في المئة فقط بمحافظة نينوى.

وبخصوص أعداد النازحين الذين فروا من نيران الحرب برز العراق باعتباره أحد أكثر الدول التي شهدت موجات نزوح كبرى خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث نزح قرابة 5 ملايين فرد منذ يونيو/حزيران 2014، بحسب وثيقة صادرة عن وزارة الهجرة والمهجرين في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وبينما عاد 42% فقط منهم بالفعل إلى منازلهم ظل أكثر من 3.2 ملايين فرد في مخيمات النزوح أو موزعين في دول أخرى، إذ يشكل نازحي الموصل وحدها أكثر من 40% من إجمالي نازحي العراق.

ناشطون وصحفيون تذكروا الحادثة

لم يكن سقوط الموصل بنظر عموم الشعب إلا مؤامرة كبرى، حين يستعيدون ذكراها السادسة دون إجابات تشفي غليلهم، فقد تعدى سقوطها إلى ثلاث محافظات أخرى ذات غالبية سنية، هي الأنبار وتكريت وكركوك وأجزاء من ديالى، في استهداف واضح لجغرافية المكونات، فأولى المدن التي استُهدفت كانت الموصل.

وقد كتب الإعلامي زيد عبد الوهاب على حسابه في تويتر "سقوط الموصل كارثة يعيش العراق تداعياتها حتى الساعة، وحتى لا تكون الذكرى الدامية قصةً تذكر كل عام وكفى، فإن تقرير سقوط المدينة بيد الاٍرهاب وأسماء المذنبين عند القضاء، من أراد إحقاق الحق يمكنه العودة إليه".

من جهتها كتبت الناشطة المدنية شذرات المفدى على تويتر "ذكرى المأساة الكبرى على العراق ذكرى سقوط الموصل بيد تنظيم داعش بعد أن سُلمت لهم من قبل الحكومة السابقة التي يرأسها نوري المالكي بمعونة عدد من القادة العسكريين في حينها".

أما الباحث والناشط المدني سالم الحديدي فقد تحدث لـ TRT عربي قائلاً: "لا يمكن إغلاق ملف سقوط الموصل دون محاسبة المسؤولين المتورطين بتسليم المدينة، وعلى الحكومة أن تلتزم بوعودها وتتعاون مع لجنة تقصي الحقائق النيابية للمضي في التحقيقات التي طالت كبار القادة العسكريين آنذاك، وأبرزهم اللواءمهدي الغراوي قائد عمليات نينوىووزير الدفاع سعدون الدليمي، ورئيس الوزراء نوري المالكي".

أول زيارة للكاظمي إلى الموصل

زار رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي مدينة الموصل للمرة الأولى بعد تسلمه منصبه برفقة وفد وزاري ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي، وعدد من المسؤولين والقادة العسكريين، وكان في استقباله محافظ نينوى نجم الجبوري، وبحسب بيان الكاظمي كان هدف الزيارة متابعة الأوضاع الإنسانية للمدينة، وتعزيز الدعم الحكومي لتثبيت الأمن والاستقرار وملاحقة فلول داعش.

رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي 
رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي  (Reuters)

وفي أثناء الزيارة عّلق خبراء ومحللون على تصريحات الكاظمي، ومنهم الخبير الأمني والاستراتيجي هشام الهاشمي الذي صرّح لـTRT عربي قائلاً: "أتمنى أن لا تكون زيارة الكاظمي الموصلَ ترويجاً إعلامياً غير مدروس في ذكرى احتلالها السادسة، إذ لا تزال المدينة تعاني من ذات الأسباب التي أدت إلى سقوطها بيد داعش، وأبرزها تفشي الفساد وحالات الابتزاز وأزمة المشاريع المتلكئة وضعف العمليات الاستخباراتية، وضياع أموال النازحين والإعمار".

وأضاف الهاشمي: "إن لم تتعامل الحكومة بطريقة ذكية وتتبع منهجية وطنية في إدارة الملف الأمني والسياسي فلن يكون هناك إصلاح في الموصل، بل إذا ما استمرت الفوضى ستؤدي إلى إنهيار الأمن من جديد ودخول جماعات إرهابية مستقبلاً".

خرج داعش ودخلت المليشيات

بالرغم من تحرير الموصل من قبضة داعش فما تزال معاناة المواطنين مستمرة، وتنهش آمال العودة إلى حياة كريمة كما السابق، فقد سيطرت الفصائل المسلحة على أجزاء واسعة من محافظة نينوى، وبدأت مرحلة جديدة من الابتزازات والتهديدات بذريعة حماية الأرض بعد التحرير.

وبهذا الصدد تحدث المحلل السياسي عمر القطان لـTRT عربي بالقول: إن " الموصليين يعانون من ابتزازات من قبل الفصائل المسلحة التي ساهمت في تحرير المدينة، لكن لم يكن هذا التحرير بلا مقابل، فقد سيطرت المليشيات على آبار النفط، وهرّبت الآثار وسرقت بيوت النازحين، وهددت التجار وحصلت منهم أتاوات مالية طائلة".

أفراد من قوات الحشد الشعبي العراقي يحرسون بالقرب من مبنى تابع لقوات الحشد الشعبي في العراق
أفراد من قوات الحشد الشعبي العراقي يحرسون بالقرب من مبنى تابع لقوات الحشد الشعبي في العراق (Reuters)

وتابع القطان: "عمليات التحرير كانت بإستراتيجية التخريب والتغيير الديمغرافي ونهب مقدرات الموصل، لذلك تم اتباع سياسة الأرض المحروقة في أثناء المعركة، ما أدى إلى تدميرها بالكامل، الأمر الذي كشف فيما بعد عن سيطرة المليشيات على أهم مرافق المدينة واحتلالها بغطاء حكومي".

وحتى يومنا هذا تدور في ذهن الشعب العراقي تساؤلات لم تجب عنها الحكومات، عن سبب عدم إجراء تحقيق عادل ومهني وشامل حول سقوط الموصل، وذلك إنصافاً لعشرات الآلاف من الضحايا المدنيين.

وفي هذه الأيام يتابع الموصليون خاصة والعراقيون عامة بقلق مسار التطورات الجارية في محافظة نينوى شمالي العراق، سواء من خلال الحرب الشعواء بين الأحزاب للاستحواذ على المناصب العليا في المحافظة، أو تبادل الاتهامات بينهم ببيع المناصب الرئيسية فيها، أو المتاجرة بحملة إعادة الإعمار، إضافة إلى المخاوف من انهيار أمني من جراء عودة تنظيم داعش للعمل في مناطق عدة من المحافظة رغم كل الحملات العسكرية لاجتثاثه نهائياً.

المصدر: TRT عربي