أضحت الإشكالية أمام النظام الجزائري ليست في الحراك الشعبي فحسب، ولكن في التصدعات المتواصلة من داخل النظام ذاته، فكيف سيتمكن من إدارة الفترة الانتقالية؟

النظام الجزائري يشهد واحد أعقد المنعطفات في تاريخه 
النظام الجزائري يشهد واحد أعقد المنعطفات في تاريخه  (AP)

يواجه النظام الجزائري في الوقت الراهن واحداً من أعقد المنعطفات في تاريخه، فعلى الرغم من التنازلات التي قدمها رضوخاً أمام الحراك الشعبي المتواصل منذ أكثر من أربعة أسابيع، التي تَمثَّلت في تخلِّي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن ترشحه للعهدة الخامسة ووعده بتشكيل ندوة وطنية موسَّعة الصلاحيات لتعديل الدستور والإشراف على إجراء انتخابات رئاسية، لا يزال الحراك يكشف عن وهن النظام الحاكم في إدارة أزمته، بل وتشقُّق أركانه.

باتت الإشكالية هنا أمام النظام ليست في الحراك والاحتجاجات فحسب، ولكن في التصدعات المستمرة من داخله نفسه التي تبلورت في بعض المؤشرات.

المشهد الأول صراعات داخل الحزب الحاكم

تصريحات المتحدث باسم حزب جبهة التحرير الوطنية الحاكم حسين خلدون، التي وصف فيها الندوة الوطنية التي دعا الرئيس بوتفليقة إلى عقدها بأنها "غير مجدية"، داعياً إلى التعجيل بعقد انتخابات رئاسية في غضون أسبوع واحد.

على أثرها أصدر الحزب الحاكم بياناً، أكّد فيه تمسُّكه بخارطة الطريق التي أقرها الرئيس بوتفليقة، وخرج معاذ بوشارب منسّق تسيير هيئة الحزب يعلّل بأن خلدون لم يحسن التعبير عن تصريحاته.

هناك شخصيات ورطوا الحزب ليظهر كحزب فاسد فقد تم استخدامنا كواجهة في يد السلطة لتمرير بعد القرارات التي تخدم مصالح بعض هذه الشخصيات

حسين خلدون-المتحدث باسم حزب جبهة التحرير الوطني الجزائري الحاكم

في هذا الصدد اعتبر المحلل السياسي الجزائري سليم حمادي، في مقابلة مع TRT عربي، أن تصريحات خلدون كشفت عن حالة من الصراع بين أعضاء الحزب، مما يشير إلى تصدُّع داخلي تَجلَّى في قول خلدون إن "شخصيات ورّطوا الحزب ليظهر كحزب فاسد فقد تم استُخدمنا واجهةً في يد السلطة لتمرير بعد القرارات التي تخدم مصالح بعض هذه الشخصيات".

بالتالي يرى حمادي أنها محاولات من بعض الشخصيات من داخل الأفلان (حزب جبهة التحرير الوطني) لوقف نزف خسارة رصيدها السياسي ومواكبة الحراك.

ويرى كذلك أن تصريحات خلدون كانت متناقضة، ففي الوقت الذي أقر فيه بعدم جدوى الندوة الوطنية، أكّد أن إقامة الجمهورية الثانية تقتضي تغيير النظام لا إسقاطه، أي التغيير التدريجي، وهنا اقترح خلدون اسم مولود حمروش رئيس الوزراء الأسبق في عام 1989، أحد أبناء النظام، ليقود الفترة الانتقالية، الذي تردد طرحه مؤخراً في وسائل الإعلام، مفيداً بأن هذا الطرح له دلالة على أن الأفلان يسعى لترشيح شخصية نزيهة يتوافق عليها أغلب الجزائريين ويُشهد لها بالكفاءة والقدرة على إدارة الدولة في الظروف الراهنة.

وكان حمروش هو نفس المقترح الذي قدّمه الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني عمار سعداني، ليترشح عن الأفلان في الانتخابات الرئاسية القادمة.

إعلان حمروش في اليوم التالي رفضه الترشُّح لقيادة الفترة الانتقالية أو حتى الترشُّح لأي منصب في أي انتخابات مستقبلية بغضّ النظر عن طبيعتها وظروفها، زاد تعقيد موقف الأفلان.

الحراك الجزائري متواصل منذ أكثر من أربعة أسابيع
الحراك الجزائري متواصل منذ أكثر من أربعة أسابيع (AA)

المشهد الثاني: تعثر تشكيل الحكومة

انقضى أكثر من أسبوعين على إعلان الرئيس بوتفليقة إقالة حكومة أحمد أويحيى وتكليف وزير الداخلية نور الدين بدوي تشكيل حكومة كفاءات جديدة، محدّداً مهلة أسبوع واحد لتشكيلها، إلا أنه حتى الآن لم يُعلَن عنها.

في هذا الصدد يرى حمادي أن من الصعب تشكيل الحكومة في الوضع الراهن وفي ظل الأزمة التي تمرّ بها البلاد، فأغلب الشخصيات الموجودة على الساحة الآن تكشفت وجوههم أمام الجميع، وتنتشر حالة من الغياب التام للثقة بالشخصيات الموجودة على الساحة، ناهيك بأن رئيس الوزراء المكلف هو وزير الداخلية الأسبق وتحوطه شبهات تزوير الانتخابات النيابية والمحلية في 2017 و2018.

فمرحلة الانتقال الديمقراطي، حسب تحليله، لا بد وأن تتأسس دون الوجوه التي تثير حساسية الجزائريين، فمشكلة الحراك تكمن في السلطة القائمة على الحكم لا النظام بأكمله، فالحراك الشعبي يراها قوى غير دستورية وغير قادرة على الاستجابة لمطالبه، فالرئيس حالياً لم يعُد يحكم، فهو لم يظهر في خطاب شعبي منذ ست سنوات نظراً إلى حالته الصحية، فالقوى التي تدير المشهد من وراء الستار ليس لها أي صلاحيات دستورية لتسيير البلاد.

من الصعب بمكان تشكيل الحكومة في الوضع الراهن وفي ظل الأزمة التي تمر بها البلاد فأغلب الشخصيات الموجودة على الساحة الآن تكشفت وجوههم أمام الجميع وهناك حالة من الغياب التام للثقة في الشخصيات الموجودة على الساحة.

سليم حمادي-محلل سياسي جزائري

ويفيد بأن المشكل الآن أنها تلعب على عامل الوقت للاستفادة منه لحماية مصالحهم، في حين لا يثق الحراك برموز السلطة الفاسدة التي قد تماطل بتحقيق بعض المطالب السلمية لتهدئة الشارع ثم تعاود الظهور مجدداً إلى الواجهة بعد تفريغ المطالب من مضامينها لتبدو شكلية فقط.

المشهد الثالث: دعم سوناطراك للحراك

المفصل الأقوى داخل الاقتصاد الجزائري النفطي، سوناطراك، أكبر شركة للمحروقات في البلاد، المملوكة بالكامل للحكومة، وتسهم بنحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي للجزائر.

أعلن رئيسها التنفيذي عن دعم عملاق النفط للحراك الشعبي في مطالبه ضد استمرار بوتفليقة في الحكم، وتعهد بعدم اتخاذ أي عقوبات ضد موظفي الشركة المؤيدين للاحتجاجات.

عملاق النفط الجزائري سوناطراك تدعم الحراك الشعبي  
عملاق النفط الجزائري سوناطراك تدعم الحراك الشعبي   (Reuters)

ومعلقاً على ذلك، يعتقد حمادي أن سوناطراك هي حراك في ذاتها، بالنظر إلى حجمها وقوة تأثيرها على الأداء الاقتصادي للبلاد، فهي تستخدم قوتها في إحداث انقلاب سلمي داخل المؤسسة، وبالتالي الضغط على النظام، ومن ثم نشهد هنا انقساماً آخر في مؤسسة حكومية ضخمة كسوناطراك.

في هذا الصدد يدرك النظام الجزائري أن الحراك يمضي بقوة وبسرعة مثل كرة الثلج مع توالي الأحداث. ومع وجود فراغ حقيقي على رأس السلطة والضبابية التي تكتنف الفترة المقبلة بسبب انعدام الرؤية لكيفية إدارة المرحلة الانتقالية، وتعثر المشاورات الحكومية وأحزاب المعارضة في تقديم مبادرات بديلة، فقد يشهد النظام انقسامات متتالية أخرى على نفسه في محاولة لركوب الحراك لا للاستيعاب الجادّ لمطالبه.

المصدر: TRT عربي