كاد يكون هناك نوع من الإجماع في الدوائر الأكاديمية والدبلوماسية على أن صعود الصين أصبح أمراً محتوماً. غير أن الاختلاف في وجهات النظر يبرز في الكيفية التي سوف سيكون عليها هذا الصعود، ومآلاته، ورود فعل القوى الكبرى الأخرى وعلى رأسهم الولايات المتحدة.

فما بين النظرة التشاؤمية التي يحملها دعاة الواقعية الهجومية أمثال جون ميرشايمر والتي تتحدث عن حتمية المواجه العسكرية بين الصين والولايات المتحدة، والنظرة التفاؤلية التي يحملها دعاة الليبرالية التعاونية أمثال روبرت كوهين الذين يرون أن حجم التعاون والتداخل بين القوتين خصوصاً في الجوانب الاقتصادية سوف يكبح أي صدام عسكري واسع النطاق بينهما، تبرز نظرات متشككة بشكل أكثر تحفظاً عن مستقبل العلاقة بين القوتين العظميين.

في خضم هذه الجدالات، ثمة جملة من الأفكار والآراء التي تحاول أن تمسك العصا من الوسط، وتجادل بأن المواجهة بين الجانبين ستكون حتمية ولكن ليس شرطاً على طريق المواجهة التي حدثت في القرون السابقة بين القوى العظمى وأسفرت عن حروب واسعة النطاق راح ضحيتها عشرات وربما الملايين من البشر وأدت إلى اندثار دول وبروز أخرى. من هؤلاء، على سبيل المثال، غراهام أليسون في كتابة"حتمية الحرب بين القوة الصاعدة والقوة المهيمنة: هل تنجح الصين وأمريكا في الإفلات من فخ ثيوسيديديز؟"

وبالنظر إلى طبيعة النظام الدولي وهيكليته، والتمعن بالمتغيرات التي طرأت على تركيبته منذ قرن من الزمان حتى اليوم، يمكن القول بأن هناك نوعاً من القناعة ربما تشكل في الأوساط ذات العلاقة بأن الذهاب إلى حرب عسكرية واسعة النطاق لم يعد خياراً لدى الدول العظمى، وأن الدبلوماسية هي خيارهم المفضل.

وبالرجوع إلى الوراء بعض الشيء، يمكن ملاحظة أن الحرب العالمية الأولى كانت مفصلية في تشكيل النظام الدولي الحديث حيث وضعت نهاية لنظام الإمبراطوريات الذي كان شائعاً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فما أن وضعت الحرب أوزارها، حتى اختفت عن الخريطة مجموعة من الإمبراطوريات هي الروسية القيصرية، والعثمانية، والنمساوية المجرية، في حين بدأت إمبراطوريات أخرى كالبريطانية بالترهل والتراجع والتفكك.

كانت الحرب حتى ذلك الوقت أداة لسحق العدو وليست مجرد تلقينه درساً لكي يلتزم حدوده أو لكي ينصاع. أخذ النظام الدولي بعيد الحرب العظمى يتشكل بناء على حدود أكثر صرامة تعتمد بشكل رئيسي على أسس قومية، وإثنو-جغرافية الأمر الذي قلل مساحة الدولة وجعل حدودها معلومة بشكل أوضح. ولذلك عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية وانتهت، لم تختف واحدة من الدول التي كانت منخرطة في الحرب. بل أدى إلى استمرارها ضمن ترتيبات جديدة بمقتضى توازن القوى الذي ساد بُعيد الحرب.

فالدول المهزومة كألمانيا، واليابان، وإيطاليا، بقيت على خريطة النظام الدولي. بل على العكس، فسرعان ما نهضت هذه الدول من براثن الحرب واستعادت عافيتها بشكل ملحوظ، فما أن انقضى عقدان من الزمن حتى كانت كل من ألمانيا واليابان في مصاف الدول الكبرى على المستوى الاقتصادي، وتتمتع بمستوى من المكانة أهلها لكي تلعب أدواراً مهمة في مسرح الأحداث الدولية. فألمانيا، ومن خلال تفاهماتها مع فرنسا، استطاعت تشكيل الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، وهي الجماعة التي طورت لتصبح نواة الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم.

وقد أخذت الحرب الباردة الطابع ذاته. فمع انتهائها لم تختفِ روسيا عن الخريطة. قد يكون الاتحاد السوفيتي بفلسفته الأيديولوجية، وحدوده الشاسعة التي تتضمن الكثير من الأعراق والإثنيات قد زال، ولكن قلب الاتحاد السوفيتي وعموده الفقري ألا وهي روسيا بقيت على الخريطة. وبعد أقل من عقد على انهيار الاتحاد السوفيتي، عادت روسيا إلى المسرح الدولي بثقة لتلعب دوراً مؤثراً في العديد من الملفات الحساسة. ولا أدل على ذلك من أن روسيا، وهي وريثة الاتحاد السوفيتي، قد احتفظت بمقعدها الدائم في مجلس الأمن، وبحقها في استخدام الفيتو ضد القرارات التي لا تصب في خدمة مصالحها.

وقد ساهمت العديد من العوامل في اتخاذ مجرى الصراع بين الدول العظمى هذا المسار الحذر. وهي عوامل تتعلق في معظمها بالتطور التكنولوجي، خصوصاً التكنولوجيا النووية وأسلحة الدمار الشامل، وتزايد عدد السكان، والمساحة الجغرافية، فضلاً عن القوة الاقتصادية، ومجموعة النظم والتقاليد والأعراف التي تطورت خلال الفترات السابقة وعلى رأسها مبدأ السيادة، والقانون الدولي.

وبالنظر إلى مكانة كل من الصين والولايات المتحدة في النظام الدولي وإمكانياتهما المادية واللوجستية والعسكرية، فإن مساراً مشابهاً قد يسود العلاقات بينهما. فكل منهما يدرك بشكل عقلاني أنه غير قادر على إزاحة الطرف الآخر عن الخريطة وإلغائه نهائياً. ولذلك فإن مجموعة من الخبراء والمختصين، مثل استيفين م. والت يرون أن هناك نوعاً من التعايش السلمي سوف يتشكل بينهما، وهو تعايش يصاحبه تفهم لخصوصيات كل طرف ومصالحه.

ما يعزز من هذا التوجه أن الولايات المتحدة، وبالرغم من إدراكها لخطورة صعود الصين على مصالحها العالمية، تعي مدى أهمية الصين لاستقرار النظام الدولي الذي تتمتع فيه بمكانة استثنائية. ولذلك حرصت الولايات المتحدة على إعطاء المقعد الدائم في مجلس الأمن للصين على حساب تايوان في وقت سابق من القرن العشرين، في حين ساهمت في إدخالها لتكون عضواً في منظمة التجارة الدولية. ومؤخراً كان لمساهمة الصين البناءة دور جوهري في التوصل إلى اتفاقية المناخ الدولية والتي وقعت في فرنسا عام 2015.

في المقابل تستفيد الصين من النظام متعدد الأطراف الذي توفره الولايات المتحدة في بسط نفوذها خصوصاً الجيو-اقتصادي. فالتجارة الحرة التي انتعشت بفضل النظام الليبرالي الذي أنشأته الولايات المتحدة بعيد الحرب العالمية الثانية قد فاد الصين بشكل كبير وهي البلد الذي تشكل التجارة عمود اقتصاده الحيوي. كما تستفيد الصين من التقدم التكنولوجي الأمريكي، ومن براءات الاختراع التي تستولي عليها الصين في كثير من الأحيان بأثمان زهيدة من خلال عمليات القرصنة أو التجسس.

بكلمة أخيرة، إن هذه النظرة، المتفائلة بحذر، لا تذهب باتجاه الزعم بأن كلاً من الصين والولايات المتحدة سوف تصبحان حليفين مقربين أو أن تنضوي إحداهما في عباءة الأخرى. إن أقصى ما تذهب إليه هذه النظرة هو أن الولايات المتحدة بنموذجها النيو-ليبرالي، والصين بنموذجها الويستفالي ربما يجدان طريقاً للتعايش السلمي ما دام النظام يخدم مصالحهما معاً.


TRT عربي