نجحت حركة النهضة مرة أخرى في اختبار الشارع بنزول عشرات الآلاف من أنصارها يوم 27 فبراير/شباط المنقضي، على طول شارع محمد الخامس الممتد إلى شارع الحبيب بورقيبة في قلب العاصمة تونس، تحت شعار "الثبات والحفاظ على المؤسسات".

تأتي هذه المسيرة في ظل أزمة سياسية متواصلة منذ أسابيع، عنوانها الظاهر رفض رئيس الجمهورية قيس سعيّد قبول تعديل حكومي أدخله رئيس الحكومة هشام المشيشي على حكومته ونال ثقة البرلمان فيه، وباطنه صراع مستمر منذ وصول قيس سعيّد إلى رئاسة الجمهورية على صلاحيات أوسع له على عكس ما نصّ عليه دستور البلاد ما بعد الثورة.

وعلى الرغم من رفض رئاسة الجمهورية لجميع مبادرات الحوار السياسي التي تقدمت بها أحزاب ومنظمات وشخصيات وطنية، فإن حركة النهضة ترى أن أهدافها من الحشد الشعبي قد حقّق الجزء الأكبر من أهدافه.

تحديات الشارع

اعتمدت حركة النهضة التونسية، وهي واحدة من أقدم الأحزاب السياسية في تونس، إذ تعود نشأتها إلى أواخر الستينيات، على هياكلها المحلية والجهوية للتعبئة للمسيرة التي دعت لها قيادة الحزب.

ويتزامن هذا التحرك مع تواصل الإجراءات الاحترازية المتخذة من قبل السلطات الصحية في البلاد للحد من تفشي جائحة كورونا، كان حاضراً ضمن التحديات التي وضعت أمام منظمي التظاهرة، بالإضافة إلى استباق هذا التحرك بتحرك للمعارضة مدعوم من الاتحاد العام التونسي للشغل أكبر نقابات البلاد وعدد كبير من منظمات المجتمع المدني يوم 6 فبراير/شباط 2021 بالتزامن مع الذكرى الثامنة لاغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد.

كما شهدت تونس نهاية شهر يناير/كانون الثاني الماضي موجة من الاحتجاجات الليلية رافقتها عمليات نهب وسرقة بعدد من المناطق الداخلية والأحياء الشعبية في العاصمة قوبلت بموجة وقف وإجراءات أمنية صارمة.

فالبلاد تعيش في ظل أزمة اقتصادية هي الأسوأ منذ 2011 حسب أرقام رسمية، أثر عليها سلباً الإغلاق العام الذي شهدته تونس خلال العام الماضي وفشل الموسم السياحي بسبب انتشار فيروس كورونا.

بالإضافة إلى كل ذلك عبَّرت أحزاب مساندة لحكومة المشيشي عن رفضها النزول للشارع والمشاركة بالمسيرة التي دعت إليها حركة النهضة، إذ أعلن ائتلاف الكرامة ببيان رسمي أنه غير معني بالخروج، داعياً أنصاره لعدم التجاوب مع تلك الدعوة.

وبرر الائتلاف موقفه بما اعتبره "انقلاب النهضة على توافقاتها وانتفاء الغاية الأصلية للمظاهرة"، مشيراً إلى أن النهضة لا تسعى من خلال هذه الحراك إلا لفرض شروط التفاوض مع المنظومة بالشارع، من أجل تسويات وتوافقات معينة لا علاقة لها بشعارات الدفاع عن الشرعية والمحكمة الدستورية.

خطابات متضادّة

وتجلت حدّة الخلاف بين الرؤساء الثلاثة في تونس في أكثر من مناسبة بحديث لرئيس الجمهورية قيس سعيّد، كان آخرها بالتزامن مع نزول "النهضويين" إلى الشارع، إذ وجّه خطابه إليهم خلال زيارته لمنطقة "منزل المهيري" بمحافظة القيروان، عاين فيها قطعة الأرض يتوقّع أن يقام عليها مشروع "مدينة الأغالبة الطبية".

إذ قال رئيس الجمهورية: "تشاهدون كيف تظهر وتهدر الأموال وكل مساء يتحدثون عن الإفلاس، تونس ليس لديها مال بل لديها نساء ورجال ولن نقبل بأي مقايضة بحق الشعب".

وأكد قيس سعيد أن الأموال التي صرفت على مسيرة حركة النهضة صرفت على من هم دون ضمير: "تشاهدون الأموال كيف تصرف ولكننا في طريق أخرى تصرف فيها الأموال للشعب وللمحتاجين وليس لمن ليس لديهم إرادة وليس لديهم إحساس"، وأضاف قائلاً: "لا أريد الحديث عما يفعلون ولا يستحقون حتى مجرد الالتفات إليهم".

في المقابل وإن لم يخفِ رئيس مجلس نواب الشعب التونسي ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي غبطته بنجاح حزبه في حشد هذا العدد الكبير من المناصرين في المسيرة، معتبراً أنه الحشد الأكبر الذي شهدته البلاد منذ سنوات، فإنه ركّز بخطابه على بعث رسائل إيجابية في محاولة لفتح قنوات حوار مع مخالفيه.

وقال الغنوشي: "الشعب يريد الحوار والتفاعل بين التونسيين إيجابياً.. هذه المسيرة تُذكر بالمسيرات التي رافقت الثورة منذ أكثر من عقد من الزمن وأسقطت النظام السابق (نظام زين العابدين بن علي)".

وأضاف: "الشعب يريد العدالة الاجتماعية واستكمال مسار الانتقال الديمقراطي.. كلنا نريد الإصلاح، إن نجحنا فسننجح جميعاً، وإن شقينا فسنشقى جميعاً".

ورأى الغنوشي أن الإصلاح يجب أن يبدأ من قمة الهرم عن طريق "إصلاح التواصل بين رؤساء الأحزاب والفاعلين السياسيين، فضلاً عن إصلاح الإعلام وإيجاد حلول للأزمة الاقتصادية والاجتماعية بتونس".

مسيرة ناجحة

من جهته اعتبر رئيس كتلة حركة النهضة عماد الخميري في حديث لموقع TRT عربي أن المسيرة التي دعت إليها الحركة كانت مفتوحة أمام التونسيين والتونسيات وتحت الراية الوطنية الجامعة تعدّ الأبرز خلال السنوات العشر الماضية وضمن مطالب واضحة باحترام الدستور والنظام السياسي المنبثق عن الدستور واحترام المؤسسات الدستورية وفي مقدمتها البرلمان.

وأكّد الخميري أن حركة النهضة تعتبر أن المسيرة حققت أهدافها، بعد استجابة قطاع واسع من التونسيين لها، من الذين تخوفوا على التجربة الديمقراطية في تونس، في ظل دعوات شعبوية وفوضوية في ضرب للتعددية الحزبية والديمقراطية وترذيلها المستمر لمجلس نواب الشعب والمؤسسات المنتخبة.

وأضاف الخميري أن الشارع أثبت مرة أخرى أنه ضد كل أشكال "الفاشية" التي انتشر خطابها بخاصة تحت قبة البرلمان الذي أصبح بشكل فج يدعو للقدح في الثورة ومكتسباتها، معتبراً أن الثورة مسار خاطئ في تاريخ تونس، وهؤلاء يقدمون أنفسهم من دون خجل كامتداد لنظام الاستبداد البغيض.

ويرى رئيس فريق النهضة النيابي أن المسيرة نجحت في التعبير عن شارع واسع في تونس استُضعف خلال الفترة الأخيرة من خلال بعض المسيرات التي رُوج لها كأنها تعبير حقيقي عن الشارع التونسي لكنها حقيقةً تعبّر عن فئات صغيرة يسراوية غير ممثلة في البرلمان، مع تأكيدنا حقها في التظاهر والتعبير عن رأيها.

وفي تعليقه على المقارنة بين الأزمة السياسية الحالية والأزمة السياسية التي عاشتها تونس صيف 2013 وانتهت بلقاء باريس الشهير بين رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي ورئيس حركة نداء تونس حينها الراحل الباجي قائد السبسي بباريس، الذي مهّد للحوار الوطني وتوافق بين الحزبين استمر لسنوات بعد انتخابات 2014، قال الخميري: "الظروف والمناخات مختلفة لكن تمسُّك النهضة بالحوار وبناء علاقة متينة بين رؤساء السلطات بتونس في 2013 وجدت النهضة من استجاب لدعوتها للحوار حينها وتتمنى أن يحصل ذلك الآن والدعوة لا تزال قائمة الآن ولكن للأسف لم نحصل على رد إيجابي".

TRT عربي