يطال المسار الديمقراطي عادةً تعثُّر وعطالة، لذلك تبحث أغلب الديمقراطيات الناشئة والتي تكون بصدد التخلق عن قوة تعزّزها.

إن كان الاحتكام إلى الدساتير والقوانين هو المرجع والفيصل، فإن ثورة الميادين التي انطلقت في تونس عام 2011، منحت شرعية لقطب آخر يمكنه أن يصوّب بوصلة العملية السياسية في أغلب محطاتها، وهو صوت الشارع.

ليست المرة الأولى التي تضرب فيها حركة النهضة التونسية موعداً مع الشارع، تحشد فيه أنصارها من جميع الولايات في مسيرة ضخمة، رفعت فيها شعار الثبات والدفاع عن المؤسسات، مطالبة بإنهاء الأزمة السياسية.

حركة النهضة تنجح في تحشيد الشارع

تمكنت هياكل حركة النهضة التونسية، يوم السبت 27 فبراير/شباط الماضي، من تحشيد منتسبيها وأنصارها من جميع الولايات في مسيرة ضخمة، تجمع فيها ما يناهز عشرات الآلاف من التونسيين، جابت شارع محمد الخامس بالعاصمة تونس، رافعة شعار الثبات والدفاع عن المؤسسات.

خطوة تمكنت فيها النهضة من البرهنة على أنها لا تزال قادرة على التحشيد وملء الشارع، وأنها تمثّل الحزب الأقوى والأكثر انتشاراً والأكثر تنظيماً في تونس. عدّ خصومها ذلك حركة استعراضية، وذهب البعض إلى كون النهضة تسعى لتحدي وإحراج خصومها.

تمكنت حركة النهضة من النجاح في الانتخابات البرلمانية سنة 2019 وتَصدُّر النتائج لتكون بذلك الحزب الأول والمكلَّف تشكيل الحكومة، إلا أنه بعد نحو 4 أسابيع من منح حكومة هشام المشيشي الثقة في التعديل الوزاري الأخير المقترَح تحت قبة البرلمان، لا يزال إلى اليوم رئيس الجمهورية التونسي قيس سعيد متمسكاً بموقفه من بتمكين الوزراء المقترحين من أداء اليمين للتمكن من مزاولة مهامّهم، مما أدى إلى اختلاف بين مؤسسات الحكم.

من جانب آخر، كانت قد تصاعدت دعوات منذ بدء أعمال البرلمان المنتخَب مطالِبةً بحله، وصفها كثيرون بغير المسؤولة، وتعمد إلى تعطيل عمل مؤسسات الدولة، وتسعى إلى التشكيك وترذيل الفاعلين السياسيين. في وقت تنتظر فيه البلاد التونسية تفعيل الحكومة والبرلمان، وتتطلع إلى أن تعمل الرئاسة في انسجام مع بقية مؤسسات الدولة للاستجابة لاستحقاقات البلاد، بخاصة أنها تمرّ بظرف وبائي دقيق زاد حدة الأزمة الاقتصادية.

لذلك فإن مسيرة يوم السبت الماضي تبدو كذلك مؤشراً خطيراً على عمق الأزمة خلف أبواب مؤسسات الحكم في تونس. ففي ظلّ استغلال بعض الأطراف الشارع لإثارة الفوضى والضغط لتسويق بعض المواقف السياسية التي تقوّض دعائم الديمقراطية، كان على النهضة أن تدعو أنصارها إلى التجمهر في الشارع لحماية التجربة الديمقراطية، حسب ما أشار إليه ناطقها الرسمي فتحي العيادي.

ومن وسط الجماهير الغفيرة، حيا راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة والبرلمان التونسي المتظاهرين، داعياً إلى توحيد صفوف جميع التونسيين بما يخدم البلاد، قائلاً: " نحن نريد التعاون بين كل مؤسسات الدولة لأنّها دولة واحدة. الشعب يريد التشغيل والعدالة الاجتماعية، الشعب يريد العدالة الانتقالية، لذلك جئنا اليوم لنقول إنّ الثورة مستمرّة شغالة وفعّالة، وإنّنا محافظون على الدستور، وإنّنا مستعدون أن نفدي تونس والثورة والديمقراطية وحقوق من يخاصمنا... والذين يخاصموننا نبعث إليهم بباقة ورد، نحن ننادي بحوار وطني، فهو ما ينقص تونس اليوم، ومشكلاتنا كلها لا تُحَلّ إلاّ بالحوار."

وأضاف متوجهاً إلى كل الفرقاء السياسيين على حد سواء: "ننادي من هذا الشارع العظيم وسط عشرات الآلاف، كلّ الأحزاب إلى الحوار، الأستاذ المغزاوي والأستاذ غازي الشواشي، وننادي الأستاذ الشابي وننادي الدكتور بن جعفر، وننادي حمة الهمامي، وننادي كل القوى السياسية إلى التحاور، وأن تترك جانباً الإقصاء، فهو مدمرّ ولا يفيد.

بلادنا تحتاج إلى الإصلاح، لأنّ هناك عدة أشياء فاسدة، هناك عاطلون عن العمل وهناك من لا يجد الدواء وآخرون ليست لهم مساكن، وأناس مظلومون في مناطق وجهات مظلومة... كلّ هذا يحتاج إلى إصلاح."

بهذه الكلمات عبّرَت حركة النهضة عن استعدادها لحوار وطني شامل، وتدعو جميع الأطراف السياسية والاقتصادية إلى المشاركة فيه وأن تربأ بنفسها عن الخلافات والتجاذبات، وأن تغلّب المصلحة العامة.

وفي الإطار ذاته أشادت النهضة بتلبية أنصارها للدعوة إلى مسيرة الثبات والدفاع عن المؤسسات، وحمّلَت عبر بيانها الرسمي جميع التونسيين والسياسيين مسؤولية حماية المسار الديمقراطي: "إنّ استجابتكم العريضة لهذه المسيرة هي نداء إلى كل أحرار البلاد وعقلائها ومنظماتها وأحزابها، من أجل تغليب روح المسؤولية والعمل المشترك لتجاوز الأزمة السياسيَّة التي تتخبّط فيها البلاد، واستكمال المؤسسات الدستوريّة واحترام نتائج الصندوق الانتخابي والانتصار لقيم العدالة والحريّة والعيش المشترك."

تزامنت المسيرة التي دعت إليها حركة النهضة، مع انطلاق مسيرة أخرى نظمها أنصار حزب العمال، مطالبين فيها بإسقاط الحكومة، رافعين شعارات ضدّ حركة النهضة وكل منظومة الحكم في تونس.

مشهد يُدين المناكفات السياسية، التي لم تُولِ مطالب الشعب الذي طالت آماله منذ ثورة 14 يناير الأهمية اللازمة، ويفسر أبعاد تعثُّر المسار الديمقراطي في تونس إلى اليوم.

وكان حزب حركة النهضة قد دعا في أغسطس 2013 إلى مسيرة بساحة القصبة، سُمّيت حينها بمليونية دعم الشرعية، تجمهرت فيها أعداد غفيرة من أنصار الحركة، ردّاً على اعتصام باردو الذي كان ينادي بإسقاط الحكومة، أعقب ذلك حوار وطني شامل.

ويتجدد اليوم الموعد مع الشارع التونسي أمام ضعف وعطالة في المؤسسات، للدفع نحو إيجاد حلول عملية للأزمة السياسية والتحذير من مغابّ النَّيل من الشرعية والديمقراطية.

هل تتوصل مؤسسات الدولة إلى اتفاق؟

تكاد تتحول الأزمة السياسية في تونس منذ التحوير الوزاري الأخير إلى شلل يعطّل بشكل معلن عمل مؤسسات الدولة بتعلّات قانونية وإجرائية.

فإن كان رئيس الجمهورية يرى نفسه المعنيّ بحماية الدستور والمخوَّل إليه تأويله بحكم خلفيته الأكاديمية، فإن هذه المهمة كما يرى ذلك خبراء ومحللون لا تقع على عاتقه فقط، بل إن بقية المؤسسات وجميع المسؤولين مكلَّفين كذلك ومُلزَمون حمايته في ظل غياب المحكمة الدستورية وكل الهيئات الدستورية، التي تُعتبر المؤوِّل والمرجع الوحيد للدستور.

يزداد المشهد السياسي في تونس تعقيداً يوماً بعد يوم، ويبدو تمسُّك الرئيس التونسي بموقفه مزيداً من التصعيد إلى الأمام و إيصاد للأبواب أمام كل محاولات التفاهم و دعوات الحوار.

قد لا يُستغرب موقف قيس سعيد، الذي لم يتردّد في التصريح خلال عدة مناسبات عن عدم اقتناعه بالنظام السياسي وبالدستور الحالي للبلاد وبالبرلمان أو الأحزاب السياسية، إلا أن الوضع الدقيق للبلاد داخلياً وإقليمياً يفرض على جميع مكونات المشهد السياسي التحلي بمزيد من المسؤولية لحلحلة الأزمة.

أعقب المسيرةَ التي نظّمَتها حركة النهضة تصريحاتٌ لرئيس الجمهورية قيس سعيد اعتبرها خبراءُ محللون رداً على مسيرة النهضة، إذ أشار تلميحاً بقوله: لقد رأينا اليوم للأسف كيف تظهر الأموال وتُهدَر في العاصمة لمن ليس لهم ضمير وليس لهم إحساس.

من جانبها نفَت حركة النهضة، حسب ما أفاد به قياداتها إعلاميّاً، أن تكون المعني بتصريحات الرئيس التونسي.

يبدو أن المشهد السياسي التونسي يستمرّ في التعقيد يوماً بعد يوم، ويبقى رهين جلوس جميع مكونات المشهد السياسي إلى طاولة الحوار والتفاوض، فإن كانت حركة النهضة قد قالت كلمتها في مسيرة الدفاع عن الديمقراطية ودعم الشرعية، فإنها تتطلع إلى أن تخطو بقية الأطراف خطوة جادة في ذلك.

إكراهات البناء الديمقراطي كثيرة، ومآلات الأزمة الحالية تنفتح على عدة سيناريوهات، فهل من أمل لحوار وطني شامل؟

TRT عربي