لقاء وزير الخارجية القطري بنظيره الإيراني في طهران (Reuters)
تابعنا

قبل الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي بايدن إلى السعودية منتصف شهر يوليو/تموز المقبل، وانعقاد القمة التي سيحضرها عدد من قادة دول المنطقة، وتزايد الحديث عن فكرة تدشين "ناتو عربي" أو "ناتو شرق أوسطي" يرى أصحابه أنه موجَّه ضد إيران، انطلقت أمس الثلاثاء مفاوضات غير مباشرة بين أمريكا وإيران بواسطة مفوضية السياسة الأوروبية، تهدف إلى حل المسائل المعقَّدة العالقة تمهيداً لرفع العقوبات عن إيران وإحياء الاتفاق النووي.

مباحثات الدوحة.. فرصة أخرى أم أخيرة؟

لماذا الدوحة؟ وهل تنجح قطر في بناء الثقة بين أمريكا وإيران لحلّ أزمة الاتفاق النووي ؟

قبل انطلاق هذه المباحثات غير المباشرة بذلت الدبلوماسية القطرية جهوداً كبيرة لخفض التوتر بين الطرفين الإيراني والأمريكي، وتقريب وجهات النظر، وقام المسؤولون القطريون بتنظيم زيارات عدّة للبلدين لنقل رسائل متبادلة، والتأسيس لأرضية من الوفاق.

وعن هذه المباحثات رأت الخارجية القطرية أن دور الدوحة يقتصر على توفير الأجواء التي تساعد على إنجاح المحادثات الأمريكية-الإيرانية غير المباشرة بشأن الملف النووي الإيراني الذي تبرز فيه عدة نقاط خلافية. وأضافت في بيان لها أنها تأمل أن تُتوَّج محادثات الدوحة بنتائج إيجابية تدعم الأمن والاستقرار في المنطقة، وتفتح آفاقاً جديدة لتعاون وحوار إقليميَّين بشكل أوسع مع إيران.

وعن سرّ اختيار قطر مكاناً للمفاوضات، قال مستشار الوفد الإيراني المفاوض محمد مرندي، إن "قطر بلد صديق". فيما ذهب رئيس تحرير موقع "الدبلوماسية الإيرانية" إلى أن اختيار الدوحة يعود إلى سبب نفسي ومعنوي لدى إيران "لأنها شعرت بأن أوروبا وأمريكا في جبهة واحدة، وأنه تجب متابعة المفاوضات في قطر لخلق التوازن لأنها تحظى بثقة إيران".

ويبدو أن الاتحاد الأوروبي لا ينظر بعين الرضا إلى الدور القطري، ولا يريد منح امتياز التوافق للدبلوماسية القطرية بعد أن عجز عن فعله طوال شهور طويلة، وهذا ما ذهب إليه المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي بيتر ستانو حين قال إن المحادثات في الدوحة ليست بديلاً من مفاوضات فيينا، بل تهدف إلى حل المسائل العالقة بين الولايات المتحدة وإيران للسماح بالتقدم في المحادثات الأخرى مع الدول الكبرى.

ولعلّه لا يخفى على أحد الدور الدبلوماسي الكبير والنشيط الذي باتت تلعبه الدوحة في السنوات الأخيرة، والثقة التي باتت تحظى بها عالميّاً، ودورها المشهود في حلّ العديد من الملفّات المعقّدة، وقد كان آخرها مباحثات الصلح الأفغانية، والاتفاق بين حركة الطالبان وأمريكا قبل انسحابها من أفغانستان.

كما أن الحرب الروسية-الأوكرانية، وشبح توقّف إمدادات الطاقة تجاه أوروبا، منحت قطر ذات الثقل الطاقويّ جاذبية خاصة عالمياً ومحطة مهمّة في هذه المرحلة القاتمة من الصراع المتنامي.

ما أبرز نقاط الاختلاف بين أمريكا وإيران؟

انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق حول الملف النووي الإيراني عام 2018 في عهد رئيسها السابق دونالد ترامب وأعادت فرض عقوبات اقتصادية على طهران، وردّت إيران بعد عام ببدء التراجع عن كثير من التزاماتها الأساسية، أبرزها مستويات تخصيب اليورانيوم.

وتتجسد النقاط الخلافية المتبقية بين إيران والولايات المتحدة في مطالبة إيران برفع العقوبات المفروضة عليها بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، كما تطالب إيران بضمانات تحول دون الانسحاب من الاتفاق، كما تطالب بإخراج الحرس الثوري من القائمة الأمريكية للتنظيمات الإرهابية.

وفي المقابل تقول واشنطن إن إيران تطالب بما هو خارج الاتفاق، ويجب أن تستجيب للمخاوف التي تتجاوز الاتفاق النووي. كما أنه لا يمكن تقديم ضمانات لإيران بأن الإدارة الأمريكية القادمة لن تنسحب من الاتفاق النووي. وترى أن إخراج الحرس الثوري الإيراني من قائمة التنظيمات الإرهابية يحتاج إلى مفاوضات أوسع، تشمل ملفات أخرى أيضاً.

أسباب استئناف المفاوضات

منذ وصول إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى الحكم سعت أمريكا للعودة إلى الاتفاق، ومنذ 2021 بدأت إيران والأطراف التي لا تزال منضوية في الاتفاق، وبمشاركة أمريكية غير مباشرة، مباحثات في فيينا تهدف إلى إحيائه. واقتربت المباحثات من إنجاز تفاهم، إلا أنها عُلّقت منذ مارس/آذار الماضي مع تبقّي نقاط تباين عميقة بين طهران وواشنطن.

فما الذي أدّى فعلياً إلى استئناف هذه المباحثات في ظلّ هذه الشروط والشروط المضادة؟ وما الذي يميّز مباحثات الدوحة من سابقاتها؟ وما الذي يجعل فسحة الأمل بنجاحها أوسع من سابقاتها؟

يرى مستشار الوفد الإيراني المفاوض محمد مرندي أن استئناف المفاوضات جاء مدفوعاً بـ"الردود الإيرانية الجادة على الممارسات الأمريكية الحادة وغير العقلانية"، في إشارة إلى الإجراءات النووية الإيرانية ردّاً على القرار الأمريكي الأوروبي الصادر عن مجلس المحافظين للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في الثامن من الشهر الجاري. ويضيف مرندي أنّ "الأمريكيين شاهدوا أنّ إيران ستتصرف من منطلق القوة، وهم يعلمون أنّ ظروفهم كظروف الأوروبيين، باتت أكثر صعوبة بسبب الحرب الأوكرانية، لذلك فإن إبرام الاتفاق في مصلحة أمريكا".

أما الرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني حشمت الله فلاحت بيشه، فيعزو السبب الأول لاستئناف المفاوضات إلى المخاوف من اتساع شديد للأزمات التي نشبت خلال فترة التوقف، فالمشكلات قد زادت بعد وقف المفاوضات، كما نشبت مخاوف لدى جميع الأطراف من احتمال وقوع "صراع نووي بارد" في المنطقة بين إيران وإسرائيل.

وركّزت الصحافة الإيرانية على مسألة أزمة الطاقة العالمية في هذه المفاوضات، فقد رأت صحيفة (رسالت) الإيرانية أن "عودة أمريكا إلى طاولة المباحثات وإصرارها على إحياء الملف النووي يعود إلى رغبتها في إعادة النفط الإيراني إلى سوق الطاقة، والإفادة من الورقة الإيرانية في انتخابات الكونغرس والرئاسة، وفشل سياسات الضغوط القصوى التي مارستها واشنطن على إيران في تغيير السلوك الإيراني". وذهبت صحيفة "آرمان ملي" إلى أن "الذهب الأسود هو أساس الاتفاق النووي"، فيما عنونت صحيفة "صبح نو" هذه المباحثات بـ"الاضطرار النفطيّ الأمريكيّ".

لكن بعيداً عن هذه التجاذبات والنبرة الإيرانية التقليدية المرتفعة، ثمة دوافع إيرانية داخلية ملحّة للإسراع بحلّ النقاط الخلافيّة، وتتجلّى في تأزُّم الأوضاع الاقتصادية في الداخل، وحاجتها الملحَّة إلى أموالها المجمَّدة ورغبتها الكبيرة في تصدير ثرواتها والإفادة من الأسعار العالمية المرتفعة، في ظلّ أزمات خانقة تعصف بشتّى جوانب الحياة الإيرانية وارتفاع موجة الاعتراضات الشعبية الداخلية.

وقد بدأت تظهر أصوات كبيرة من الداخل تدعو الحكومة الإيرانية إلى إنهاء هذا الملفّ والالتفات إلى مصالح الشعب الضرورية بعيداً عن الشعارات والخطابات الثوريّة، فقد غرّد نائب رئيس البرلمان الإيراني السابق علي مطهري مرحِّباً بهذه الخطوة قائلاً: "إن التقليل من الوساطات في مباحثات إيران وأمريكا في قطر هو علامة لظهور العقلانية في نظام الجمهورية الإسلامية، وتجاوز الأسلوب الثوري الذي نكب الناس في السنوات الأخيرة".

وقال: "بقي أمامنا خطوة أخرى للمباحثات المباشرة مع أمريكا كي نأخذ حقوقنا بعيداً عن مراعاة مصالح روسيا والصين وأوروبا، وهذا كان ينبغي فعله قبل سنوات، لكن إطلاق شعارات معاداة أمريكا المتطرفة قد حال دون ذلك".

مستقبل المفاوضات بين التفاؤل والتشاؤم

يرى الإيرانيون أن الكرة الآن في الملعب الأمريكي، وأن نجاح هذه المفاوضات حسب تصريح وزير الخارجية الإيراني أمير عبد اللهيان رهن باستجابة الإدارة الأمريكية لمطالب طهران وممارسة أمريكا والدول الأوروبية سلوكاً واقعياً، ويرى عبد اللهيان أن الاتفاق متاح في حال توافرت النيّة الجدّيّة لدى أمريكا، لكن إيران لن تتراجع أبداً عن خطوطها الحمراء.

وغرّد السفير الإيراني في قطر: "بعيداً عن الأحكام المسبقة أو التشاؤم أو التفاؤل غير الواقعي، نتمنّى التوفيق لوفدنا في هذه المُهِمَّة بما يخدم مصالح الشعب الإيراني العظيم".

وفي المقابل يرمي المسؤولون الأمريكيون الكرة في الملعب الإيراني، إذ يرى مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان لوسائل الإعلام أن على الطاولة اتفاقية مع إيران، وهي المعنية بقبولها أو رفضها. وقلّل مسؤولون أمريكيون من سقف التوقعات بشأن نتائج مفاوضات الدوحة، ورأوا أن مفاوضات الدوحة قد لا تطول أكثر من يومين أو ثلاثة أيام.

فيما رأى جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي أن في البعدين الاقتصادي والفني اتفاقاً، لكن في نهاية المطاف توجد تحفظات سياسية، وأنه لا يستطيع التكهن متى وكيف ستتغلبان عليها".

وبين ترامي الكرات وتقاذفها بين الطرفين الإيراني والأمريكي، هل سيعبران مرحلة نصف النهائي في ملعب الدوحة سريعاً وبنجاح، أمام أعين اللاعب الإقليمي الأبرز: إسرائيل؟

وهل سيتمكنان حقّاً من خوض المباراة الأخيرة في فيينا، وتتويج هذه الجهود بتوقيع الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن إيران؟


TRT عربي