الهاشمي كان مختصاً في دراسة وتحليل شؤون تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات المسلحة في العراق، وعكف منذ سنوات على تقديم دراسات ومقالات، حلّل فيها الوضع الأمني والاستراتيجي، وخطط مع الحكومة بتنفيذ مهمة حصر السلاح بيد الدولة وإعادة الاستقرار السياسي.

ودّع العراقيون شخصية وطنية بارزة وسط مطالبات بالقصاص لقاتليه ومحاسبة المليشيات المسلحة التي تسيطر على الحكومة العراقية منذ عام 2003، وتصاعدت المناشدات التي حمّلت الدولة مسؤولية الانفلات الأمني، وانتقد الشعب سلوكيات الأحزاب الحاكمة واتهمها بهدر دم مشروع الكلمة الحُرة هشام الهاشمي.

الهاشمي الذي كان مختصاً في دراسة وتحليل شؤون تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات المسلحة في العراق، عكف منذ سنوات على تقديم الدراسات والمقالات، والذي حلّل فيها الوضع الأمني والاستراتيجي، وخطط مع الحكومة بتنفيذ مهمة حصر السلاح بيد الدولة وإعادة الاستقرار السياسي في البلاد.

لحظات الاغتيال

يذكر أن هشام الهاشمي تلقى رسالة تهديد من زعيم كتائب حزب الله العراقي المدعو "أبو راتب العسكري"قبل أيام من اغتياله وفقاً لرواية أحد المقربين منه. وقد أظهرت التسجيلات، ومصادر أمنية إلى أن ثلاثة مسلحين يقودون دراجات نارية اعترضوا سيارة الهاشمي وأطلقوا النار مباشرةً في منطقة الرأس والصدر، ونُقل بعدها إلى مستشفى ابن النفيس حيث استُشهد هناك".

للمزيد حول الموضوع: اقرأ

ينشر لأول مرة: الهاشمي كتب لـTRTعربي قبل اغتياله عن إيران ودورها في العراق

بهذا الصدد جرى التواصل مع شقيق الفقيد هشام الهاشمي، وتحدث لـTRT عربي قائلاً: "عاد الشهيد إلى بيته في منطقة زيونة وسط العاصمة بغداد ليلاً، فكان بانتظاره القاتل على دراجة نارية، فعندما وصل هشام الهاشمي وركن سيارته، ركض نحوه القاتل الملثم وأطلق الرصاص برشاشه فلم تخرج الرصاصات، فاستبدل السلاح بالمسدس وضرب الشهيد بأربع رصاصات من نافذة سيارته".

وتابع، "يجب أن لا تمر هذه الحادثة وتطوى أحداثها دون التحقيق في ملابساتها، فإن من واجب الجهات الأمنية ورئيس الوزراء مصطفى الكاظمي أن يتقصى عن القتلة ويحاسب الجُناة الذين ينتمون لجهات إرهابية مجهولة، لذلك من الضروي أن تتعامل الحكومة العراقية بطريقة جدية وتنزع السلاح وتحصره بيد الدولة كما وعدت، وإن لم تفعل ذلك ستستمر عمليات الاغتيال".

كتائب حزب الله العراقي متورطة

ذكرت صحفية إندبندنت عبر تقرير كتبت فيه: "كتائب حزب الله هي التي اغتالت هشام الهاشمي بعد أن علمت بأنه هو مَن سرّب للكاظمي المعلومات حول خلية الكتائب التي كانت تستعد لقصف المنطقة الخضراء بصواريخ الكاتيوشا، ولذلك جرى وضعه على قائمة الاستهداف".

بهذا السياق تحدث الباحث السياسي غيث التميمي لـTRT عربي قائلاً: "بعد تهديد أبو راتب العسكري لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي على خلفية اعتقال عناصر من حزب الله، تحدث المحلل هشام الهاشمي على قنوات تلفزيونية وقال "إن القدرة العسكرية والقانونية والمالية متوفرة للكاظمي إذا أراد، لكنه لا يمتلك إرادة سياسية كافية لإنهاء تمرد وتحدي الفصائل." وبعد هذا التصريح مباشرة تلقى الهاشمي رسالة تهديده عبر الهاتف، وقد طلب مني التحقق من الأمر وكيفية التعامل مع هذا التهديد".

وتابع التميمي "الرسائل موجودة وموثقة لدي وعرضتها على العديد من القنوات بشكل مباشر، والتهديد بالتصفية قد أُرسل من قبل المسؤول الأمني لمليشيا كتائب حزب الله العراقي أبو علي العسكري، والذي دأب على تهديد هشام الهاشمي، وقد قال له حرفياً في آخر رسالة تهديد عبر الهاتف "سوف أقتلك في منزلك".

كما أضاف التميمي "هشام الهاشمي كان شخصية عراقية وطنية، حاول كشف الحقائق وفضح المليشيات التي تخترق الدولة وتبيع السلاح لإيران، لذلك أصرت المليشات على قتل الهاشمي كي تطوي ملفاتها الإرهابية. لذلك يجب على الحكومة أن تجري تحقيقاً وتلاحق زعماء المليشيات الذين قتلوا المتظاهرين ثم انتقلوا إلى مرحلة خطيرة بقتل الباحثين والصحفيين والكتاب والمحللين السياسيين".

رسالة وعيد للحكومة

ويرى خبراء من أمثال أحمد الأبيض أن اغتيال الهاشمي تمثل رسالة تهديد جريئة لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وهي بمثابة ابتزاز وكسر لإرادة الدولة بمهمتها بحصر السلاح، فقتل الهاشمي الذي كان مقرباً من الكاظمي ومستشاراً للحكومة هو إشارة لعودة الاغتيالات وطمس الحقائق.

وقد شدد الأبيض في حديثه لـTRT عربي بالقول إن:"عملية اغتيال الهاشمي كانت رسالة مباشرة وخطيرة للكاظمي ومعناها أن المليشيات المسلحة والعصابات الإجرامية لديها الإمكانية لإيقاف مهمة الدولة القادمة بحصر السلاح بيد الدولة، وكان الشخص الأبرز للحديث عن هذا الملف هو هشام الهاشمي الذين ظهر بشكل متكرر خلال الأيام الأخيرة من حياته، وأدلى بتصريحات دقيقة وواضحة حول ضرورة ضبط السلاح المنفلت وحصره بشكل قانوني بيد الدولة".

وتابع الأبيض "اغتيال الهاشمي سيفتح النار على الحكومة التي ستكون مهمتها صعبة في مواجهة الجماعات المسلحة التي تخلق فوضى أمنية وسياسية في البلاد، لذلك على الحكومة أن تتعامل بحزم وتلاحق القتلة كي لا تتمرد هذه العناصر الإرهابية من جديد".

ماذا كانت ضريبة قتل الهاشمي؟

ويذكر أن لدى الخبير الأمني والاستراتيجي هشام الهاشمي ملفات وبحوثاً استقصائية تكشف عن ملفات الفساد وتهريب النفط وبيع السلاح، بالإضافة لانتقاده للمحاصصة الحزبية وتوزيع المناصب والوزارات بشكل غير عادل. بالإضافة لامتلاك الهاشمي معلومات سرية عن القناصين التابعين للحرس الثوري الإيراني وكتائب حزب الله العراقي الذين تورطوا بقتل المتظاهرين في ثورة أكتوبر عام 2019.

وحول هذا الأمر، تحدث المحلل السياسي حسام العاني لـTRT عربي وأوضح قائلاً: "كان الهاشمي يعمل على مشروع استقصائي مهم وخطير في الوقت ذاته، وهو التقصي وراء أبرز القادة الذين يهربون السلاح لخارج العراق، وكان يجري البحوث التي تدرس ملفات الفساد في الوزارات على مر الحكومات المتعاقبة".

وتابع العاني "لطالما تحدث الخبير الأمني هشام الهاشمي عن تحركات المليشيات وإستراتيجيات الدولة العميقة وولائها لإيران، كما تعرض لتهديدات عديدة بسبب ظهوره على القنوات الفضائية وحديثه الجريء عن ضرورة متابعة ملفات المسجونين والمعتقلين، فكانت هذه الملفات سبباً مباشراً لاغتياله".

من جهته تحدث نقيب الصحافيين مؤيد اللامي لـTRT عربي وقال: " دافع الشهيد هشام الهاشمي عن التظاهرات العراقية، وساندها وكشف عن أسماء القناصين الذين قتلوا المتظاهرين، واتهم فصائل مسلحة خارجة عن القانون بمسؤوليتها عن اختطاف المحتجين في ساحات التظاهرات، وكان ذلك يسبب انزعاجاً كبيراً للأجندات الخارجية التي تسيطر على الملف السياسي في العراق".

وأضاف اللامي "تصريحات الهاشمي الأخيرة بخصوص الضربات الصاروخية بين الولايات المتحدة وإيران على الأراضي العراقية كانت من أشد المواقف التي جعلت الهاشمي في قائمة التصفيات، فالشهيد كان يستنكر تحويل العراق إلى ساحة للصراعات الإقليمية، وكان ينتقد حكومة عادل عبد المهدي السابقة التي لم تتعامل بطريقة حازمة، بل تهاونت مع الاختراق الدولي للعراق".

الكاظمي ومسؤولون يتوعدون القتلة

وكان رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي قد قدم تعازيه بالمغدور هشام الهاشمي الذي اغتيل على يد مجموعة مسلحة خارجة عن القانون، وأكد ملاحقة المجرمين لينالوا جزاءهم العادل، وشدّد على عدم السماح بأن تعود عمليات الاغتيالات ثانيةً إلى المشهد العراقي، كما وعد بتسمية أحد شوارع بغداد باسم هشام الهاشمي، وقد زار عائلة الفقيد وأكد دعمه لهم.

وحول هذه القضية، صرّح مدير الإعلام في وزارة الداخلية سعد معن لـTRT عربي بالقول: "هذا عمل إرهابي لا يمكن السكوت عنه، وسنجري تحقيقاً أمنياً واستخباراتياً عالي المستوى، كي نتابع تحركات القتلة الذين فروا من العدالة، حادثة قتل هشام الهاشمي لن تمضي بسهولة، وسنقاوم المد الإرهابي بسلطة القانون، وسنسعى إلى دعم عائلة الشهيد ونقدم لهم المساعدة".

من جانبه تحدث مستشار رئيس الوزراء حارث حسن لـ TRT عربي وقال: "الجبناء اغتالوا أحد المحللين اللامعين في العراق، وخبر قتله أثار صدمة كبيرة للشعب بأكمله، لأن هشام الهاشمي كان مستشاراً يخدم الدولة وكانت لديه تقارير رصينة ساعدت بالقضاء على تنظيم داعش عام 2017، وكان له دور كبير في إجراء بحوث ميدانية لتنفيذ قرار الحكومة بحصر السلاح بيد الدولة، وربما كانت الأخيرة سبباً لاغتياله، لذلك سنتابع القضية ولن نسمح أن تنتشر حالات القتل في البلاد".

رؤساء وقادة استنكروا الحادثة

أدان الكثير من القادة والزعماء السياسيين عملية اغتيال الهاشمي، ووصفوا الواقعة بالمؤلمة وبأنه عمل إجرامي لا يمكن السكوت عنه حتى ملاحقة القتلة الذين غدروا بأحد أهم الشخصيات العراقية الوطنية التي ساهمت بتطوير النظام الأمني والسياسي في البلاد، وتذكروا دوره المهم في ملاحقة التنظيمات المتطرفة.

فقد كتب رئيس الجمهورية العراقية برهم صالح على حسابه على تويتر: "اغتيال الباحث الصادق الخلوق الوطني هشام الهاشمي على يد خارجين على القانون، جريمة خسيسة تستهدف الإنسان العراقي وحقه في الحياة الحرة الكريمة، وتستهدف القيم التي ارتضيناها للوطن فيما بعد حقبة الاستبداد. أقل الواجب الكشف عن المجرمين وإحالتهم الى العدالة، لضمان الأمن والسلام لبلدنا".

من جانبه علّق رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني وكتب: "أدين وبشدة اغتيال الباحث والخبير الأمني العراقي هشام الهاشمي بهجوم مدبر في بغداد وأتقدم بالتعازي الحارة لعائلته وذويه وأشاركهم أحزانھم. على الجهات المختصة ملاحقة الإرهابيين وتقديمهم للقضاء".

أما زعيم تيار الحكمة الوطني عمار الحكيم فقد كتب على تويتر: ان عملية اغتيال الخبير بالشأن الأمني هشام الهاشمي عمل مدان يستهدف عودة صفحة غياب الاستقرار وموجات الاغتيال وإرباك المشهد الأمني تحقيقاً لمصالح ضيقة، خالص العزاء والمواساة لذوي الفقيد تغمده الله بواسع رحمته، كما نطالب الأجهزة الأمنية بالإسراع في فتح تحقيق عاجل بالحادث.

من جانبه، دان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو مقتل الصحفي والباحث العراقي المتخصص في الجماعات الإرهابية هشام الهاشمي. وقال بومبيو في كلمة له "إن العراق قد خسر شخصاً وطنياً وقف إلى جانب طموحات الشعب العراقي، والذي تلقى تهديدات قبل اغتياله من قبل مجموعات موالية لإيران".

وأضاف بومبيو أن الولايات المتحدة تنضم إلى بقية العالم في إدانة جريمة اغتيال الهاشمي، داعياً حكومة العراق إلى تقديم المذنبين للعدالة بسرعة.

ساحة التحرير تنتفض للهاشمي

وقد تجمع الآلاف من محبي هشام الهاشمي في ساحة التحرير وسط بغداد وأشعلوا الشموع استذكاراً لمواقفه المشهودة تجاه المظلومين ومطالباته العديدة بإصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية في العراق. حيث رفع المحتجون صور الهاشمي ولافتات تطالب الحكومة بملاحقة المجرمين الذين أسكتوا صوت الحرية والتغيير، مشددين على إنهاء مسلسل القمع والاغتيالات التي طالت أبرز المناصرين لحقوق الشعب.

وبخصوص ذلك تحدث أحد المحتجين وهو الكاتب والناشط المدني علي الناصري لـTRT عربي قائلاً: "خسر العراق رمزاً وطنياً عظيماً، فقد كان هشام الهاشمي متنفساً لنقل الأخبار والحقائق بشجاعة، وكان يمدنا بمعلومات عن المندسين الذين قمعوا الكثير من الشباب المتظاهرين، وقد ساهم بشكل مباشر بإطلاق سراح العشرات من المختطفين في ساحة التظاهرات".

من جانبها تحدثت الحقوقية رنا المرسومي لـTRT عربي وقالت: "منذ اليوم الأول من التظاهرات كان الشهيد الهاشمي يدعمنا ويشجعنا كي نواصل المسير ونطالب بحقوقنا بطرق سلمية ومنهجية، لذلك خرجنا كي نرفع صوره ونكمل مشواره الثوري ونناضل من أجل المظلومين والأحرار، وهشام الهاشمي يستحق منا الوفاء، ولن نصمت أبداً وسنبقى نحتج في الساحات لحين القبض على القتلة وتسليمهم للعدالة".

رحل هشام الهاشمي ذلك الرجل الشغوف ببغداد وبأهلها وبعمارتها وبنهرها الكبير، وبالكرخ والرصافة. ودفع ضريبة الكشف عن الحقائق، متحدثاً بلسان حال الشعب العراقي الجريح، هذا الشعب الذي ما انفك عن مفارقة المصائب عاماً تلو الآخر، حيث كتب كلماته الأخيرة مودعاً أحبابه وشبابه المخلصين قائلاً: "في النهاية.. الظالم يبقى وحيداً، ولا ترافقه إلا لعنة المظلومين، ولن تبكي عليه السماء ولا الأرض".

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي