3 أشهر تفصل الجزائر عن موعد إجراء انتخابات تشريعية مسبقة، عقب دخول قرار حل المجلس الشعبي الوطني حيز التنفيذ أول مارس/آذار الجاري، على أمل أن يحدث البرلمان الجديد القطيعة مع ممارسات سياسية سابقة، مثلما يرجو الرئيس عبد المجيد تبون عبر تصريحاته الرسمية.

تعد الانتخابات التشريعية المنتظرة أول استحقاق برلماني بعد حراك 22 فبراير/شباط الذي أطاح بحكم بوتفليقة، لذلك يترقب الجميع مدى قدرتها على رسم خارطة سياسية تستجيب لنبض الشارع وتنهي الممارسات السابقة حتى إن لم تقتنع أحزاب وناشطون بخطوات السلطة معتبرين مبادراتها هروباً إلى الأمام.

التغيير المرتقب

يدافع الرئيس تبون عن الخطوات التي يسارع لتنفيذها وهو الذي أنهى العام الأول من ولايته الرئاسية من دون تحقيق جميع وعوده السياسية، لذلك فإن إحداث تغيير في السلطة التشريعية يعد المفتاح للوفاء بالالتزامات التي قدمها خلال حملته الانتخابية، التي حالت جائحة كورونا ومرضه دون تنفيذها.

وأوضح تبون في مقابلة إعلامية محلية بثها التلفزيون الحكومي أنه يأمل أن تكون الانتخابات التشريعية المقبلة فرصة لدخول الشباب الذين خرجوا إلى الشارع في حراك 22 فبراير/شباط إلى المعترك السياسي.

وقال تبون إن الانتخابات التشريعية "نابعة من برنامج سياسي واضح، وقد قدمنا كل التسهيلات والضمانات التي تسمح للشباب بالدخول في هذا الاستحقاق". وأوضح الرئيس الجزائري أن قانون الانتخابات المعدل "سيسمح ببروز الكفاءات ومحاربة المال الفاسد الذي لا يزال صراحة يستشري بأوساط المجتمع".

ووفق تبون فإن إجراء الانتخابات التشريعية كان من الالتزامات التي وعد بها ببرنامجه السياسي المتضمن 54 نقطة.

وأضاف أنه "لا يمكن وقف تيار التغيير، لأن الشعوب تتطور والمجتمعات تتغير، ولا بد من تغيير الذهنيات حتى نتمكن من بناء مجتمع جديد وجزائر جديدة".

ويقر أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر محمد حسن بحديثه مع لـTRT عربي بهذا التحول الذي وقع في الجزائر بالقول إن "التغيير بعد حراك 22 فبراير/شباط أصبح أمراً واقعاً، بالنظر إلى التغيرات التي حدثت في الوضع السياسي الجزائري.

خارطة جديدة

يتحدث الرئيس تبون بثقة حول قدرة البرلمان المرتقب على إحداث القطيعة مع ما كان سابقاً، قائلاً إن التشريعيات المرتقبة: "ليس لها أي صلة بالماضي".

غير أن البرلماني السابق يوسف خبابة يوضح لـTRT عربي أن "تحقيق التخلص من ممارسات الماضي متوقف على عناصر أهمها مدى استجابة السلطة لمطالب الحراك والطبقة السياسية، وثقة الشعب بشفافية الانتخابات وقناعته بقوائم المترشحين والأحزاب".

لكن محمد حسن دواجي بدا واثقاً في تصريحه لـTRT عربي بـ"قدرة التشريعيات المقبلة على إفراز خارطة سياسية وتوازنات جديدة بالبرلمان"، غير أنه يبين أن "التغيير المنشود مرتبط بالممارسة السياسية والوجوه التي ستتصدر المشهد السياسي بالمرحلة المقبلة، وهذا أمر معقد يتطلب تغيُّر ذهنيات الطبقة السياسية والناخبين، بالابتعاد عن الذاتية والجهوية والسلوكات التي كرسها النظام السابق".

وأردف دواجي قائلاً: "ستتغير الخارطة السياسية داخل البرلمان فالأحزاب القديمة استهلكت بالعهدات الأربع للرئيس السابق وأصبح الشارع يبحث عن الوجوه التي لم تتورط ولم تؤيد الممارسات السابقة، كذلك فإن إصرار الجزائريين على التراجع عن الاستقالة من الحياة السياسية لقرابة 15 سنة وبروز الشباب في الحراك سيكون له أثر كبير بالانتخابات القادمة".

وأعلنت عدة أحزاب مشاركتها في الاستحقاقات المقبلة يتقدمها حزب جبهة التحرير الوطني الذي كان يرأسه الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، والتجمع الوطني الديمقراطي الذي كان يقوده الوزير الأول الأسبق أحمد أويحي القابع اليوم بالسجن بعد إدانته بتهم فساد، إضافة إلى أحزاب من المعارضة على رأسها حركة مجتمع السلم ذات التوجه الإسلامي وجيل جديد وجبهة المستقبل وتشكيلات أخرى، فيما لم تحسم جبهة القوى الاشتراكية أقدم حزب معارض بالبلاد موقفها النهائي.

ويرى دواجي أن الأحزاب القديمة بخاصة المحسوبة على بوتفليقة ستعمل على المقاومة والسعي للتموقع من جديد، من خلال اللعب على وتر الانضباط وحاجة النظام السياسي إليها، لكن "هذا لن ينفع إذا كانت السلطة عازمة حقاً على وضع معالم جزائر جديدة"، مثلما يوضح لـTRT عربي.

رهان المشاركة

لطالما اتُّهم البرلمان الجزائري خلال العقدين الماضيين بافتقاده الشرعية الشعبية، لكونه نتاج انتخابات مزورة ومشاركة متدنية ضخَّمتها الإدارة، لذلك تعمل السلطة الحالية على جعل هذه الوصمة التي التصقت بنواب الشعب أمراً من الماضي.

وبهذا الشأن أعلن الرئيس تبون أنه لا يعارض المقترح الذي قدمته بعض الأحزاب، الذي يدعو لتنظيم الانتخابات التشريعية والمحلية بيوم واحد، بالنظر إلى أن الأخيرة تشهد دوماً مشاركة مقبولة، كونها تخص المسؤول المباشر للمواطن وتحتكم نتائجها إلى اعتبارات جهوية وعشائرية.

وينصح دواجي بالتوجه نحو هذا الإجراء ليس لاعتبارات سياسية فقط، إنما أيضاً لغايات اقتصادية، فقال: "إجراء التشريعيات والمحليات بوقت واحد أمر جيد، فهو يجنب خزينة الدولة صرف أموال باهظة في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية، وسيساعد على ربح الوقت ورفع المشاركة الشعبية".

غير أن الصحفي محمد سيدمو اعتبر هذه الخطوة "حيلة" من السلطة لإحراج الأحزاب المعارضة التي تعودت مقاطعة الموعد التشريعي.

وقال سيدمو إن "إجراء الانتخابات البرلمانية والمحلية بيوم واحد حيلة ذكية من السلطة لإحراج الأحزاب المقاطعة للتشريعيات التي تتمسك بالوقت ذاته بالانتخابات الولائية والبلدية حتى لا تفقد تواصلها مع المواطن"، مضيفاً أن "السلطة تعتقد بذلك أنها ستضمن نسبة مشاركة جيدة لكون الإقبال على المحليات عادة مرتفع، وعند تنظيم الانتخابات بيوم واحد لن نستطيع تمييز نسبة المشاركة بين العمليتين. والأهم للسلطة أنها عملية لاستدراج حزبَي جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المتمسكين بالمحليات، وبالتالي فك حصار الصناديق بمنطقة القبائل".

ولكن سيدمو تخوَّف من أن يكون لهذه الخطوة "أثر عكسي"، بتعميق الأزمة بالمنطقة "في حال رفضت الانتخابات وأصبحت دون تسيير محلي، ما سيجعل السلطة في مواجهة مباشرة مع المواطنين، من دون قوى وسيطة قادرة نسبياً على ضمان الحد الأدنى من التواصل معها لحل المشاكل اليومية للسكان".

أما البرلماني يوسف خبابة فيوضح لـTRT عربي أن "المناخ الحالي متجه إلى فرض أمر واقع، فأجندة السلطة واضحة ولا أعتقد أن لديها تنازلات أخرى يمكن تقديمها"، ويستدرك ذلك قائلاً: "قناعتي أنه يجب اقتحام مربع السلطة على الرغم من المخاطر وشروط المنافسة غير المطمئنة، ذلك أفضل من رفض الكل لأن الشعب سيد في أن يقلب الطاولة ويغير المعادلة متى شاء".

وأضاف خبابة: "شخصياً أؤمن بفكرة خذ وطالب، بمعنى اقتحام مربع السلطة وافتكاك مواقع بإدارة الشأن العام واكتساب الخبرة والتجربة بالمعارك الانتخابية".

ودعا خبابة أن يرفق قرار المشاركة في التشريعيات المقبلة بـ"استمرار التعبئة لفرض انتخابات نزيهة عن طريق المشاركة القوية والمراقبة الفعالة ومواصلة الضغط الشعبي والسياسي والإعلامي لتحسين شروط المنافسة السياسية".

TRT عربي