انسحاب فرنسا من الساحل.. ثلاثة مظاهر لفشل عمليَّة "برخان" (Daphne Benoit/AFP)

مساء الخميس أعلن الرَّئيس إيمانويل ماكرون عن تقليص كبير للوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل، وسحب جنوده الذين بلغ تعدادهم 5100 من المنطقة، وإنهاء عملية "برخان" التي كانت تقودها بلاده ضد المسلحين منذ سنة 2013.

وقال ماكرون في مؤتمر صحفي: إن "التزامنا في الساحل لن يستمر بنفس الطريقة. سنبدأ تغييراً عميقاً لوجودنا العسكري في منطقة الساحل". مشدِّداً على أن الانسحاب سيعني إغلاق القواعد الفرنسية، والاقتصار على القوات الخاصة التي ستركز على عمليات مكافحة الإرهاب والتدريب العسكري.

فيما يأتي هذا القرار عقب قرار آخر اتخذه الأسبوع الماضي بوقف العمليات المشتركة مع الجيش المالي احتجاجاً على سلطة الانقلاب العسكري التي تحكم البلاد حالياً.

وفي هذا السياق جدد ماكرون تعبيره عمَّا أسماه "إحباطه من الشركاء المحليين"، مردفاً أن "الوجود الطويل لفرنسا... لا يمكن أن يكون بديلاً عن الاستقرار السياسي"، وأنه يعتقد أنه لا يمكن لفرنسا أن تحل "مكان شعب صاحب سيادة من أجل بناء بلده له".

بينما واقع الحال يقول العكس تماماً، حيث ما زالت الجماعات المسلَّحة تستهدف بأعمال قتالية المدنيين العزل، آخرها المذبحة التي شهدتها بوركينا فاسو مطلع الأسبوع. وحيث إن فرنسا خسرت أغلب رهاناتها بالمنطقة، وانهارت أمام قوى جديدة صاعدة، كالروس مثلاً، وما تبقى لها من حلفاء ليسوا في أحسن حال من أولئك الذين انقلبوا عليها.

فيما لا زال الرأي العام داخل البلاد يسائل حكومة بلاده عن عملية عسكرية لم تحقق أي هدف ممَّا رُصد لها، بل ما جنته باريس منها لم يكن إلا الهزائم المتتالية.

في هذا التقرير نسلط الضوء على المظاهر الثلاثة لفشل عمليَّة برخان.

أفغانستان على الطريقة الفرنسيَّة

هي أفغانستان على الطريقة الفرنسية، كما سبق أن وصفتها صحافة باريس، أي خروج من حرب دامت لما يقارب العقد من الزمن دون تحقيق أي هدف من أهدافها الاستراتيجية بكبح تناسل الجماعات المسلحة بمنطقة الساحل وتهديدها سلامة المدنيين. فيما الحصيلة على الأرض تقول إن العمليَّة منذ انطلاقها أودت بحياة ما يفوق 8000 مدني، مقابل خسائر فرنسية لم تتعدَ 50 جندياً.

كما أنه منذ بداية العام الماضي، زادت بشدة هجمات جماعات مسلحة في الساحل، موقعة في بوركينافاسو وحدها نحو 500 قتيل أغلبهم من المدنيين، أفظعها كانت مذبحة سولهان مطلع هذا الأسبوع، التي راح ضحيَّتها 160 أغلبهم مدنيون.

وتعرضت النيجر هي الأخرى في 21 مارس/آذار لهجمات كبرى على قرى في منطقة تيلا القريبة من حدود مالي مسفرة عن 141 قتيلاً. فيما أدت هذه الهجمات على البلدان الثلاثة، النيجر ومالي وبوركينافاسو، إلى نزوح أكثر من 1.14 مليون شخص خلال ما يزيد بقليل على عامين، في حين تستضيف 20 ألف لاجئ منهم بوركينافاسو الفقيرة.

وبعد ما يقارب العقد من انطلاق برخان يجمع باحثون أن خطر الجماعات المسلحة ازداد قوة وتفاقماً ممَّا قبل التدخل الفرنسي، وأن الجماعات المسلحة المتطرِّفة دخلت في تحالفات واندماجات موسِّعة نطاق تأثيرها الذي فاق ما كان عليه سابقاً. الأمر الذي جعل الوضع بالنسبة إلى المدنيين أكثر سوءاً، والخطر اليومي أكثر تهديداً لحياتهم.

كما لم تحقق حتى ذريعة تدعيم قوات الدول المشاركة جنباً إلى جنب مع باريس في العملية، دليل على ذلك أن الجيش البوركيني لا زال على ضعف تجهيزه وعدده، يدعم قواته بمتطوعين مدنيين هم بدورهم يفتقدون الدراية التكتيكية والإعداد العسكري اللازمين.

فيما مثَّل الانقلاب العسكري بمالي غطاء مهماً لتزييف واقع الفشل العسكري الفرنسي، وكي يظهر بمظهر المنتصر للديمقراطيَّة في وجه الحكم العسكري، مقتنصاً الفرصة لسحب جنده لا كمنهزمين في معركة فاقموا خلالها خطر الحركات المسلحة على المدنيين.

ضياع الأوراق السياسية في المنطقة

على ما يبدو أن ماكرون لعب لعبته الأخيرة بشكل صحيح، بتحويل فشل برخان إلى إعلانه "لن أقف إلى جانب أي بلد تنعدم فيه الديمقراطيَّة والانتقال السلمي للسلطة". مع أن هذا لا ينفي أنه يتضمّن اعترافاً بالفشل في الإبقاء على رهاناته الاستراتيجية في المنطقة قائمة.

فقبل انقلاب مالي كان تعليق باريس الدعم العسكري والمالي لجمهورية إفريقيا الوسطى، رداً على اختيار رئيسها الميلان نحو السلطة بموسكو على حساب باريس. موسكو التي تنازع فرنسا كذلك في جذب انتباه حاكم باماكو الأخير، مستغلة القطيعة التي نمت بين الدولتين.

بدوره، الإليزيه فسر ردة الفعل الفرنسية إزاء إفريقيا الوسط بتنامي "الشعور المعادي لفرنسا داخل الدولة الإفريقية"، هو ذات الشعور الذي منذ 2019 والشعب المالي يخرج متظاهراً للتعبير عنه، كما الشعب البوركينابي كذلك.

هذا ولم يبقِ أمام باريس سوى تشاد، التي هي الأخرى ليست في أحسن حال من جاراتها، فقبل أقل من شهرين قتلت قوات متمرِّدة الرئيس إدريس ديبي الذي كان الحليف الأقوى لفرنسا بالمنطقة، والتي عوَّضته بابنه أحمد كاكا على رأس مجلس انتقالي في انتظار تنظيم انتخابات رئاسية، ما رأى فيه الشعب التشادي عملية توريث مرفوضة للسلطة، وما أجج سخط الشعب بالتوازي مع استمرار نشاط المتمردين على حدود البلاد مع كلٍّ من ليبيا والنيجر.

سخط عارم في باريس

قبل ذلك فشلت برخان حتى في إقناع الرأي العام الفرنسي، وهو الذي شبَّهها على لسان صحافته بـ"الخطأ الذي ارتكبته الولايات المتحدة في أفغانستان"، معتبرة منذ مطلع السنة الجارية بأن بلادها أصبحت تواجه "مهمة مستحيلة في مالي، ولم يبق أمامها سوى حل الانسحاب".

الانسحاب الذي أتى الآن متأخراً بعض الشيء، أي حتى فقدت فرنسا حلفاءها بالمنطقة، كما كل رهاناتها الاستراتيجية، الشيء الذي لن يروق للشعب الفرنسي الذي يعيش أساساً تحت مشاكل جمة أتاه بها سوء إدارة ولاية إيمانويل ماكرون الحاليَّة.

TRT عربي