في مطلع فبراير/شباط 2021 أعلن جيش ميانمار استيلاءه على السلطة، وغُيّب في ذلك الرئيس وكبار المسؤولين. انقلاب عسكري سيفرض حتماً واقعاً جديداً على مصير مسلمي الروهينغيا.

في الأول من فبراير كان مقرراً أن تنعقد أول جلسة للبرلمان الجديد المنبثق عن الانتخابات التي أجريت في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وبينما تترقب البلاد انعقاد البرلمان الذي أفرزت انتخاباته أغلبية تجاوزت نسبة 80% لصالح حزب "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" بزعامة "أونج سان سو كي" مستشارة الدولة، استبق الجيش جلسة البرلمان باعتقال "سو كي" ورئيس البلاد "وين مينت" وكبار المسؤولين في الحكومة والحزب الحاكم، صاحَبَ ذلك حالة من العطالة في خدمات الإنترنت في عدة مدن وتوقف بث وسائل الإعلام، وتُعتبر من الإجراءات شبه المعهودة التي تسبق الانقلابات العسكرية.

لكن سرعان ما أزال ضبابية المشهد، بيان الجيش الذي تضمن تعطيل العمل بالدستور وإعلان حالة الطوارئ وتنصيب القائد العسكري للعاصمة "يانغون" الجنرال "مينت سوي" رئيساً مؤقتاً لمدة سنة (منصب شرفي) لكن القائد الفعلي للبلاد هو الجنرال "مين أونج هلينج" قائد الجيش الذي أصبح مخولاً إليه السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية بمقتضى البيان الذي أشار إلى أن الرئيس المؤقت منحه هذه السلطات طوال الفترة الانتقالية على أن يعقبها إجراء انتخابات عامة لم يُحدد موعد لإجرائها.

قبل الانتخابات وما بعدها

خلال الانتخابات دعم الجيش بقوة حزب "التضامن والتنمية الاتحادي" الذي يعتبر أغلب قادته من الجنرالات السابقين، لكن هذا الحزب وبرغم دعم الجيش تلقى هزيمة ساحقة خلال الانتخابات الأخيرة ولم يحصل سوى على نحو 7% فقط في البرلمان مقابل نحو 83% لحزب "الرابطة الوطنية" الذي تتزعمه "أونج سان سو كي"، ولما لم يفلح الحزب المحسوب على الجيش في إيقاف حزب "سو كي" أطلق الجيش مزاعم حول أن هذه الانتخابات شهدت عمليات تزوير واسعة لصالح حزب "الرابطة الوطنية".

لكن بقليل من توضيح الصورة وفك ألغاز المشهد السياسي في ميانمار وموقع الجيش منه، يظهر عدم منطقية ادعاءات الجيش بحدوث تزوير في الانتخابات لصالح حزب "سو كي". وقد أجريت تحت إشراف مباشر من الوزارات السيادية الثلاثة "الداخلية" ويقودها جنرال عسكري، و"الدفاع"، ووزارة "أمن الحدود" وهذه الوزارات تتبع الجيش بشكل مباشر بمقتضى دستور 2008، وبالتالي فزعم حدوث تزوير بالانتخابات لصالح حزب غير حزب الجيش هو ضرب من الخيال، استخدمه الجيش كمبرر لإحكام سيطرته التامة على السلطة مجدداً ليس فقط في مواجهة نتيجة الانتخابات، وإنما أيضاً تخوفاً واستباقاً من قبل الجيش لأي تغول محتمل من قبل "سو كي" وحزبها على السلطة في البلاد أكثر بصورة تطغى أو تقلص من صلاحيات الجيش، مثل ما حدث في البرلمان السابق من دعوات أطلقها حزب "سو كي" لإجراء تعديلات دستورية قوبلت بالرفض مباشرة من قبل الجيش الذي يملك سلطة "النقض" فيما يتعلق بالدستور الذي يمنحه سلطات واسعة و25% من مقاعد البرلمان.

يبدو المشهد في عموم البلاد غامضاً، فعادة عند حدوث الانقلابات تخرج الجماهير الرافضة لهذا الانقلاب للشوارع تعبيراً عن رفضها الاستيلاء على السلطة بالقوة، لكن هنا في ميانمار كان الوضع مغايراً، فمع تسارع وتيرة خطوات الجيش من قطع متكرر لخدمات الإنترنت في عموم البلاد بحجة مواجهة أخبار كاذبة، واعتزامه إصدار قوانين من شأنها تقييد الإنترنت وحرية التعبير، مع المضي في تثبيت سلطته بدعم من الصين التي تربطها علاقات قوية بجيش ميانمار، والتي تعتبر أن ما حدث في ميانمار هو شأن داخلي، وموقف الصين في الحقيقة تستفيد منه السلطة العسكرية الجديدة وتلاعب به الغرب الذي يخشى اتخاذ إجراءات عقابية ضد قادة الانقلاب تدفعهم إلى الارتماء أكثر في أحضان بكين المنافس الأكبر لواشنطن.

ومع هذه السخونة والتسارع في خطوات الجيش، كانت الشوارع يغلب عليها الصمت تكسره فعاليات متواضعة هنا أو هناك لمؤيدي الانقلاب، في المقابل يسمع على استحياء أصوات الطرق على الأواني في شرفات المنازل رفضاً للانقلاب كما نظمت مظاهرات بالخارج من قبل مواطنين بورميين أمام سفارات بلادهم كما حدث في تايلاند، وبعد نحو أسبوع من الصمت شبه التام بدأت فعاليات رفض الانقلاب، تظهر في الشوارع بمشاركة عشرات الآلاف في عدة مدن أبرزها "يانغون" مطالبين بإطلاق سراح "أونج سان سوكي".

ما الذي يختلف؟

الانقلاب العسكري ليس عملاً مفاجئاً في ميانمار، حيث إن هذا البلد عاش أغلب فتراته منذ استقلاله عن بريطانيا عام 1948 تحت حكم عسكري، لكن المختلف في الأخير أنه فقط انقلاب على شريك في الحكم، إذ لم تتمتع البلاد بحكم مدني كامل تحت زعامة "سو كي" وإنما كان الجيش شريكاً يسيطر على مفاصل الدولة وفق الدستور الذي صاغه في 2008، تلاه إجراء إصلاحات جزئية، وبالتالي فهو انقلاب على حكم شبه مدني يتخوف الجيش من تقليص امتيازاته وصلاحياته بمرور الوقت فهذا التخوف دفعه إلى غلق المجال أمام هامش الديمقراطية الذي جرى إفساحه لحزب "الرابطة الوطنية" والذي فاز في انتخابات 2015 بزعامة سو كي، وسُمح لها حينها بقيادة الحكومة دون أن تتولى رئاسة البلاد وذلك بسبب زواجها من أجنبي.

لكن "سو كي" التي كانت أيقونة للديمقراطية والنضال في ميانمار ولم يعترف الجيش بفوزها في انتخابات 1991 وحرمت من تسلم جائزة "نوبل للسلام" التي حصلت عليها آنذاك بسبب وضعها قيد الإقامة الجبرية، لم تعد هي "سو كي" التي قبلت أن تكون مجرد واجهة مدنية للجيش تدافع باستماتة في المحافل الدولية عن مذابح الجيش ضد الروهينغيا.

في عام 2012 ألقت "سو كي" خطاباً أمام لجنة جائزة نوبل للسلام" بمناسبة تسلمها الجائزة التي حصلت عليها عام 1991، وما أخّر تسلمها هو خضوعها للإقامة الجبرية، تركزت كلمتها آنذاك حول السلام والمساواة حتى إنه من بين كلماتها في هذا الخطاب "يجب أن يكون هدفنا هو خلق عالم خال من النازحين والمشردين واليائسين".

عقب ذلك أكبر مذبحة ارتكبت بحق الروهينغيا في 25 أغسطس/آب 2017، وعلى أثرها فر أكثر من 700 ألف روهينغي إلى بنجلاديش، وأحرقت العشرات من قراهم وجرت هندسة عملية التغيير الديموغرافي بإسكان بوذيين محل الروهينغيا.

مصير الروهينغيا

فإذا كان هذا واقع الروهينغيا في ظل الحكم شبه المدني، فليس من المنطقي انتظار تحسن في واقعهم في ظل انقلاب يقوده الجيش الذي في الأساس هو مهندس كل عمليات الإبادة ضدهم، بل إن القادة العسكريين الذين اتهموا بالضلوع في مذبحة الروهينغيا 2017 هم الآن في مناصب سيادية بعد الانقلاب.

ليس من المنطقي انتظار أي تحسن حقيقي يطرأ على واقع الروهينغيا في ظل الانقلاب الأخير إلا من قبيل مصلحة الجيش كأن يستخدم ملفهم كورقة للمناورة مع الغرب بإجراءات شكلية كحديث قائد الانقلاب "مين أونج هلينج" قبل أيام عن إعادة الروهينغيا ومنحهم هوية.

لكن بتتبع واقع الروهينغيا تاريخياً، تعد هذه الأقلية المسلمة الضحية الدائمة لكل السياسات ومهما اختلفت جهة الحكم سواء كانت عسكرية أو مدنية، فمع الانقلاب الذي قاده الجنرال "يو ني وين" في الستينيات ألغي العمل بـ3 لغات للسكان الأصليين في "بورما" آنذاك من بينها لغة الروهينغيا، ثم في عام 1982 جرى تجريد الروهينغيا من المواطنة واعتبارهم مهاجرين من بنجلاديش، أعقب ذلك مذابح عدة ارتكبت بحقهم أبرزها ما حدث في منتصف 2012، وخلال أكتوبر/تشرين الأول 2016 وفي أغسطس/آب 2017، وكل هذا بإشراف مباشر من الجيش، فثمة سياسة استراتيجية تتبعها ميانمار تجاه الروهينغيا بغضّ النظر عمن في الحكم تقوم على أنه لا مكان لهم، ويدعم هذا التوجه بقوة الرهبان البوذيون الذين يرون في الروهينغيا، على ضعفهم، تهديداً لمعتقدهم.

TRT عربي