البرهان ينتقد القوى السياسية في السودان ويتهمها بعدم الاهتمام بمشكلات المواطنين (AA)

بلغت الأزمة السودانية ذروتها خلال الأسابيع القليلة الماضية، مع احتدام الصراع بين مكوّنَي السلطة المدني والعسكري، وتبادلها الاتهامات التي تتعلق بعدة ملفات.

وبعد أن اشتعل فتيل الاحتجاجات والاعتصامات بشكل واسع في البلاد، وطالب المتظاهرون بحلّ الحكومة الانتقالية التي يترأسها عبد الله حمدوك، وتسليم الجيش السلطة، اعتبرت قوى إعلان الحرية والتغيير أن ذلك يعدّ من بوادر "انقلاب زاحف" يجب التصدي له، وأعلنت استمرار تقديم الدعم لحمدوك وحكومته.

ولم تمضِ ساعات قليلة على تصاعد التوتر واحتداد الاتهامات بين الجانبين، حتى صدر إعلان عن وزارة الثقافة والإعلام السودانية، الاثنين 25 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، تؤكّد فيه اعتقال عناصر بالجيش رئيس الحكومة عبد الله حمدوك، واقتياده إلى مكان مجهول، بعد رفضه القبول بما وصفته بـ"الانقلاب".

ودخلت بذلك الأزمة السودانية منعطفاً خطيراً، وسط ترقُّب محلي ودولي لما ستؤول إليه الأوضاع خلال الساعات والأيام القليلة القادمة.

شركاء الحكم.. رفقاء الأمس أعداء اليوم

على الرغم من كل المفاوضات ودعوات الحوار المحلية والدولية، التي كان آخرها الحراك الدبلوماسي الذي قادته وشاركت فيه عدة قوى وأطراف دولية وإقليمية، فإن الأزمة السياسية التي تشهدها المرحلة الانتقالية في السودان، منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق عمر البشير، وصلت إلى أفق مسدود بين مكوّنَي السلطة العسكري والمدني.

فمنذ إعلان قوات بالجيش السوداني يوم 21 سبتمبر/أيلول الماضي إحباطها محاولة انقلاب على السلطة، واتهام حمدوك بوقوف أطراف موالية للبشير خلف محاولة الانقلاب، بدأت العلاقة بين الجناجين المدني والعسكري في التأزم، إذ يتهم كل طرف الآخَر بمحاولة الانفراد بالسلطة، وتَطوَّر الخلاف إلى حدّ انقطاع التواصل بين الجانبين وتَعطُّل عمل مجالس السيادة والأمن والدفاع.

ويرى خبراء ومحللون أن جوهر الخلاف يعود بالأساس، إلى انقسام حادّ في الرأي حول توسيع دائرة المشاركة السياسية، إذ دعا رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان في وقت سابق، إلى حلّ الحكومة الحالية، وتوسيع قاعدة المشاركة في الحكم.

من جانبه أكّد النائب الأول لرئيس مجلس السيادة بالسودان محمد حمدان دقلو "حميدتي" المطلب ذاته، قائلاً في تصريح إعلامي: "تشارونا مع رئيس الوزراء حول المبادرة السياسية، وقلنا يجب أن تشمل جميع الأحزاب لا أربعة فقط".

وبينما تصر القيادات العسكرية على موقفها، اتهم المدنيون العسكريين بمحاولة خرق الوثيقة الدستورية، والعمل على إدماج النظام السابق في عملية الانتقال الديمقراطي في البلاد، وتقديم الدعم لأطراف سياسية وشخصيات لتكوين حاضنة سياسية بديلة من جماعة الحرية والتغيير التي قادت الحراك الذي أسقط حكم البشير عام 2019.

ودعا عقب ذلك تجمُّع المهنيين السودانيين إلى "إنهاء الشراكة" مع المجلس العسكري، وبالتالي إلغاء الوثيقة الدستورية، وتشكيل حكم مدني خالص بلا مشاركة من العسكر.

ومع استمرار تراشق الاتهامات، وتصاعد الخلاف والتصدع في العلاقات بين شركاء السلطة، زجّ الطرفان بالشارع في المعركة بينهما، واستمرّت الاحتجاجات والاعتصامات أياماً، وألقت بظلالها على الاقتصاد الذي يمرّ أساساً بأزمة حادَّة فلم تزِد الوضع إلا سوءاً، بخاصة بعد إغلاق ميناء بورتسودان.

وكان حميدتي هدّد سابقاً القوى المدنية قائلاً: "لا تهدّدونا بالشارع، احنا عندنا شارع".

وبين مؤيد للحكومة الانتقالية وداعٍ إلى الحكم المدني، وبين مندّد بالسلطة الحالية ومطالب بتسليمها للجيش، دخل الشارع السوداني الذي أصبح مسرحاً لحلّ الخلافات السياسية، في استقطاب ثنائي حادّ، انتهى أخيراً باستيلاء المكوّن العسكري على السلطة، واحتجاز حمدوك تحت الإقامة الجبرية، وسط رفضه الشديد القبولَ بما اعتبره "انقلاباً"، موجهاً خطابه إلى الجماهير بمواصلة الاحتشاد لمواجهة حكم العسكر.

مشهد ضبابي

لم يكن المشهد الذي استيقظ عليه السودان يوم الاثنين 25 أكتوبر/تشرين الأول بالمشهد الصادم كثيراً، إذ إن الأجواء السياسية خلال الفترة الأخيرة كانت قاتمة كثيراً وتنذر بمزيد التوتر وتصاعد المواجهات، من ميدان الاتهام والتراشق اللفظي الحادّ، إلى الفعل الحقيقي، الذي كان على شكل استيلاء العسكر على السلطة.

ويرى خبراء ومحللون بناءً على تصريحات جهات رسمية في المجلس السيادي، أن الاحتجاجات الأخيرة جرَّاء الأزمة الاقتصادية وتردِّي الأوضاع المعيشية لم تكُن، حسب رأيهم، إلا أرضية تسهّل قبول طيف واسع من الشارع السوداني بالتحركات العسكرية الأخيرة، بخاصة أنهم ألقوا بمسؤولية هذه الأزمة بكاملها على عاتق الحكومة الحالية.

وبعد أن حذّرَت قوى الحرية والتغيير والمناصرون لحكومة حمدوك من "انقلاب زاحف"، ونفت القيادة العسكرية مراراً نيتها الاستيلاء على السلطة والانفراد بها، تُنقَض أخيراً الوثيقة الدستورية الهشة، التي وقّع عليها الطرفان، والتي حدّدَت مشاركة المدنيين بقيادة حمدوك، والعسكريين بقيادة البرهان، في السلطة ضمن مرحلة انتقالية للوصول بالسودان إلى إجراء انتخابات.

وتتّجه بذلك الأزمة السياسية بالسودان نحو مشهد أكثر ضبابية وأكثر قتامة. وقد عبّرَت قوى وأطراف دولية عن قلقها إزاء الأحداث الأخيرة في السودان.

وصرحت الولايات المتحدة الأمريكية في هذا السياق قائلة: "استيلاء الجيش على السلطة غير مقبول ومخالف للإعلان الدستوري والتطلعات الديمقراطية، وأي تغييرات في الحكومة الانتقالية بالقوة تعرّض المساعدة الأمريكية للخطر".

فيما عبر الممثل الخاصّ للأمين العامّ للأمم المتحدة في السودان فولكر بيرتس، عن قلق شديد إزاء التطورات الأخيرة. ويواصل المتظاهرون الممثلون للمعسكرين الاحتشاد والتظاهر في الشارع، وسط انقسام حادّ.

TRT عربي