على الرغم من تشديد الولايات المتحدة ودعوتها الرئيس التونسي للعودة إلى المسار الديمقراطي واصل قيس سعيد إجراءاته الاستثنائية مجازفاً بخسارة تونس أهم المانحين الدوليين.

بين وصفه بـ"الانقلاب" والتحفظ في إبداء موقف منه تباينت آراء قادة المجتمع الدولي حول الخطوة المثيرة للجدل للرئيس التونسي قيس سعيد. إذ أعلن في 25 يوليو/تموز الماضي حل الحكومة التونسية وإعفاء رئيسها هشام المشيشي من منصبه، كما أصدر قراراً بتجميد كل اختصاصات البرلمان ورفع الحصانة عن جميع أعضائه.

ولم يتردد سعيد على الرغم من رفض طيف واسع من الشعب التونسي ومكونات المشهد السياسي وتحذيرات قادة بعض الدول، في الإعلان عن رغبته الصريحة بتغيير النظام السياسي إلى رئاسي وتغيير الدستور الذي باشر تعليق العمل به والاستحواذ على جميع السلط التشريعية والتنفيذية.

وكانت الولايات المتحدة من بين أهم الدول المانحة التي دعمت التجربة التونسية في مراحلها الأولى بعد ثورة 2011، والتي يبدو اليوم أنها تفكر في سحب هذا الدعم إذا ما أقر الجميع داخلياً وخارجياً بأن ما يحصل في تونس "انقلاب" تام.

الموقف الأمريكي من إجراءات قيس سعيد

عقب إعلان الرئيس التونسي عن إجراءاته الاستثنائية في 25 يوليو/تموز الماضي تلقى اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن الذي حثه على ضرورة التزام مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تُعد الأسس التي يقوم عليها الحكم في تونس، ودعاه للحوار مع كل الأطراف السياسية في تونس لتجاوز الأزمة، وذلك وفق البيان الذي نشرته وزارة الخارجية الأمريكية.

وفي وقت لاحق أجرى مستشار الأمن القومي جيك سوليفان اتصالاً هاتفياً بدوره مع قيس سعيد، يؤكد فيه وفق ما أشار إليه البيان الرسمي للبيت الأبيض الدعم القوي من جانب الرئيس بايدن للشعب التونسي وللديمقراطية في تونس بناء على الحقوق الأساسية والمؤسسات القوية والتزام حكم القانون.

ولكن قيس سعيد تجاهل جميع هذه الضغوطات التي مورست ضده في توجهه المثير للجدل على نطاق واسع، مما دفع عدة سياسيين ومسؤولين وإعلاميين أمريكيين إلى إطلاق حملة ضغط لحث الإدارة الأمريكية على لعب دور حاسم لإلزام الرئيس التونسي بالعودة إلى الدستور والوضع الطبيعي.

وفي سياق متصل طالبت عضو الكونغرس الأمريكي إلهان عمر بتجميد المساعدات الأمنية الأمريكية لتونس، قائلة إنه "إذا لم يعكس الرئيس التونسي المسار فعلينا تعليق كل المساعدات الأمنية كما يقتضي القانون".

فيما طالب أعضاء الكونغرس الأمريكي رشيدة طليب وتوم مالينوسكي وريسديدا هلاي في رسالة مكتوبة وجهت إلى وزارة الخارجية بضرورة تجميد المساعات العسكرية والمالية لتونس حتى استعادة الحكم الديمقراطي.

ومع تصاعد الموقف الأمريكي حذرت عدة أطراف في تونس من وقف مرتقب للمساعدات المالية الأمريكية التي قد تعرض الاقتصاد التونسي لمزيد من المتاعب والأعباء التي ستفاقم حدة الأزمة التي تمر بها البلاد.

ماذا إن وقفت واشنطن الدعم؟

فيما تعاني البلاد التونسية أزمة اقتصادية غير مسبوقة وعجز مالي بلغ 11.5% بنهاية عام 2020 وانكماشاً للاقتصاد بنسبة 8.8%، وتحتاج إلى اقتراض نحو 7.2 مليار دولار، بينها نحو 5 مليارات في شكل قروض خارجية، يبدو أنها على أبواب مواجهة مع وقف للمساعدات المالية من واشنطن التي تعد من بين أهم المانحين الدوليين.

ووفق أرقام وإحصائيات رسمية نشرتها الإدارة الأمريكية في وقت سابق وأشارت إليها مجدداً رسالة أعضاء الكونغرس الأخيرة إلى وزارة الخارجية الأمريكية، فقد خصصت الولايات المتحدة منذ عام 2011 أكثر من 1.4 مليار دولار لدعم الانتقال الديمقراطي بتونس.

وفي عام 2019 وقَّعت الولايات المتحدة وتونس اتفاقية ثنائية للأهداف التنموية، وذلك لمدة خمس سنوات، لتوفير ما يصل إلى قرابة 335 مليون دولار، دعم إضافي لزيادة فرص العمل في القطاع الخاص.

وكانت تونس تقف على رأس دول المغرب العربي التي تحظى بدعم عسكري أمريكي، فبلغت المساعدة العسكرية التي قدمتها الولايات المتحدة لتونس خلال عام 2016 نحو 20 مليون دولار لـ"تعزيز قدرة البلاد في مواجهة الإرهاب" حسب ما أعلنت وزارة الدفاع التونسية سابقاً، وقد تلقت تونس القيمة نفسها من المساعدات عام 2014، واستمرت المساعدات إلى السنة الحالية.

وبموجب تشريعات تقديم المساعدات الأجنبية في الولايات المتحدة قد تخسر تونس في خضم أزمتها المساعدات الأمريكية، إذا ما استجابت إدارة بايدن لمناشدات السياسيين والإعلاميين بالإقرار بانقلاب الرئيس التونسي قيس سعيد، وفق تعبيرهم.

TRT عربي