قوات الأمن الأفغانية تشارك في تدريب عسكري بإقليم بانشير في 21 أغسطس/آب الجاري (Ahmad Sahel Arman/AFP)

يتميّز إقليم بانشير بتضاريس وعرة، ومرتفعات شاهقة، كفيلة بصد أي اعتداء بري. وعلى الرغم من إحكام حركة طالبان سيطرتها على أغلب مدن البلاد بما فيها العاصمة كابل، لا يزال بانشير عصياً على مقاتلي الحركة.

وأصبح الوادي الواقع بالقرب من الحدود الأفغانية الباكستانية مركزاً لتجمُّع القوات المناوئة لحكم طالبان مؤخراً، وذلك بقيادة نائب الرئيس الأفغاني السابق أمر الله صالح، برفقة أحمد مسعود، نجل القائد الأفغاني الشهير أحمد شاه مسعود الذي اغتاله تنظيم القاعدة عام 2001.

حصن منيع عبر العصور

لطالما كان وادي بانشير، الواقع على بعد نحو 150 كيلومتراً شمال العاصمة كابل بين سلسلة جبال "هندوكوش" الشاهقة، معقلاً للقوات المحلية في أثناء مقاومتها العسكرية للقوى الخارجية، حيث صمد وادي "الأسود الخمسة"، حصناً منيعاً أمام العديد من محاولات الاستعمار الأجنبي.

فبدءاً بجيش الإمبراطورية البريطانية الذي حاول استعمار أفغانستان خلال القرن الـ19، مروراً بالسوفييت في الثمانينيات من القرن الماضي، وكذلك مقاتلي طالبان مع سيطرتهم على السلطة أواخر التسعينيات، وقف كل هؤلاء عاجزين أمام تخطّي الوادي الضيّق الذي يتميّز بتضاريس وعرة، ومرتفعات شاهقة شديدة الانحدار، كفيلة بصد هجمات أي اعتداء بري.

ويُرجِع الأفغان تسمية الوادي بـ"بانشير/بنجشير" (الأسود الخمسة باللغة الفارسية)، إلى تخليد لقصة وقعت أحداثها في القرن العاشر الميلادي، حين تمكّن خمسة أخوة من تشييد سد حال دون إغراق الإقليم بمياه الفيضانات، ليُطلق عليهم لقب "الأسود الخمسة"، ويُسمَّى الوادي بالاسم نفسه.

"أقتفي خُطى والدي"

قبل 25 عاماً مع سيطرة طالبان على معظم الأراضي الأفغانية عام 1996، لم تتمكّن الحركة من دخول الوادي قط، وذلك على مدار خمس سنوات من مقاومة "تحالف الشمال" بقيادة شاه مسعود لطالبان، حيث تحصنّوا بالوادي إلى أن سقط حكم طالبان مع غزو الولايات المتحدة لأفغانستان في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

غير أن عناصر تابعة لتنظيم "القاعدة" كانت قد اغتالت شاه مسعود قبل يومين فقط من هجمات 11 سبتمبر/أيلول.

وكان أحمد مسعود، نجل شاه مسعود، قد صرّح الأسبوع الماضي، في مقال له نشرته صحيفة "واشنطن بوست"، قائلاً: "أكتب اليوم من وادي بانشير، مستعداً لاقتفاء خُطا والدي برفقة المقاتلين المجاهدين المستعدين لمواجهة طالبان مرة أخرى".

وطالب مسعود، في مقاله بالصحيفة الأمريكية، بدعم أمريكي بالأسلحة والذخائر لمليشيا "جبهة المقاومة الوطنية"، والتي يقودها في وادي بانشير ضد طالبان.

وتابع: "لدينا مخازن ذخيرة وأسلحة جمعناها بصبر منذ عهد والدي، لأننا علمنا أن هذا اليوم قد يأتي، لكن إذا شنَّت طالبان هجوماً عسكرياً، فلن تكون قواتنا العسكرية ولوجستياتنا كافية، وستنضب بسرعة ما لم يمد أصدقاؤنا في الغرب يد المساعدة لنا دون تأخير".

وأردف نجل القائد الأفغاني: "ما زال بإمكان أمريكا أن تكون ترسانة كبيرة للديمقراطية، عبر دعم مقاتلي المجاهدين الذين أصبحوا مستعدّين مرة أخرى لمواجهة طالبان".

كما دعا صاحب الـ32 عاماً الأفغان، عبر عمود في مجلة "لا ريغل دو جو" الفرنسية، إلى الانضمام إليه "في معقلنا في بانشير، وهي آخر منطقة حرة في بلدنا المحتضر"، على حد تعبيره.

وكان والده أحمد شاه مسعود المُلقّب بـ"أسد بانشير" قد اعتُبِر بطلاً قومياً بموجب مرسوم رئاسي في 2019، وذلك تخليداً لمقاومته للسوفييت ومن بعدهم طالبان، ثم اغتياله على يد القاعدة.

هل يستعصي الوادي مجدداً على طالبان؟

يُرجِع مراقبون عدم قدرة طالبان على تكوين قاعدة جماهيرية في بانشير إلى أن غالبية سكانه ينتمون إلى قومية الطاجيك، عكس القسم الأكبر من أنصار الحركة المنتمين إلى قومية البشتون. الأمر الذي مكّن معارضي الحركة من الاعتصام والتحصّن بالوادي الواقع بالإقليم الشمالي، مع تلقي ترحيب ودعم من سكانه.

غير أنه من الجلي أن مسعود الابن لا يتمتع بمصادر القوة والسلاح التي كان يملكها أبوه في أثناء مقاومته للسوفييت وطالبان سابقاً، وهو ما يدفع خبراء إلى التنبؤ بسيطرة مقاتلي طالبان على إقليم بانشير "بسهولة وسرعة"، حال قيام نزاع مسلح.

وعلى الرغم من تأكيد المتحدثين باسم طالبان مراراً أنهم لا يسعون لاستخدام القوة الخشنة والعنف، وحرصهم على الظهور بشكل معتدل، غير أن استمرارية خروج إقليم بانشير عن سيطرتهم تضعهم في مأزق.

وفي هذا الصدد، يرى مايكل كوجلمان، خبير سياسات منطقة جنوب آسيا في مركز ويلسون الأمريكي، أنه مع استمرار تشكّل مقاومة عسكرية منظمة في بانشير، فلا يمكننا استبعاد تدخل طالبان عسكرياً لمعارضتها، و"إذا فعلوا ذلك، فإنهم سينتصرون بسرعة وسهولة"، وفقاً للخبير الأمريكي.

وخلال اليومين الماضيين صرّح متحدثون باسم طالبان أنهم أرسلوا تعزيزات إلى بانشير، ودعوا "جبهة المقاومة الوطنية" إلى الاستسلام.

وأعلن ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم الحركة في تغريدة على موقع "تويتر"، أن قوات طالبان "طهّرت هذه المناطق، الاثنين، وأنها متمركزة في بدخشان وطخار وأندراب بالقرب من وادي بانشير"، مؤكداً أن "العدو محاصر في الولاية"، على حد تعبيره.

وبحسب البيانات الصادرة عنها، لم تلجأ طالبان إلى العنف حتى اللحظة، غير أن متحدثاً آخر باسم الحركة وهو سهيل شاهين، صرّح بأن "فتح بانشير بالقوة سيكون الخيار الأخير لأن هذا مخالف لسياساتنا، سنبذل قصارى جهدنا لعدم السير على هذا النحو".

يبدو أن الأيام القادمة ستشهد تطورات في الإقليم، ما قد يكتب صفحة جديدة في تاريخ الوادي الحصين، أو سقوطاً غير مسبوق يمنح طالبان سيطرة كاملة على الأقاليم الأفغانية.

TRT عربي