توصف برامج الدعم التي يقدمها الجيش الأمريكي للقوات الحليفة له بأنها الأعلى تكلفة  (AP)

أثار تفكك الجيش الأفغاني، الذي دربه وسلحه الجيش الأمريكي على مدى العقدين الماضيين، تساؤلات مرة أخرى حول فعالية برامج التعاون والمساعدة لوزارة الدفاع الأمريكية مع الجيوش الأجنبية الشريكة لها، فقد أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 83 مليار دولار في محاولة لبناء الجيش الأفغاني لتلاحظ انهياره في غضون 11 يوماً أمام حركة طالبان.

يقارن فشل البنتاغون في تكوين جيوش حليفة له بدور مؤسسات أخرى داخل الولايات المتحدة، إذ دائماً ما يطرح في هذا الإطار دور وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA التي ساهمت في تحسين عدة جيوش وبتكلفة أقل من حيث الأرواح والأموال، رغم أن هذه المقارنة يراها الكثيرون أنها مختلة لعدة أسباب.

مجلة فورين بوليسي الأمريكية سلطت الضوء في تقريرها التالي على القضية، وأبرزت عوامل الاختلاف والتشابه بين عمل المؤسستين الأمريكيتين.

اختلافات بين الهيكلين

أولاً، تعتبر برامج وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أكثر تواضعاً من حيث الحجم ومحدودية المهمة من برامج الجيش الأمريكي، كما أن تدريب وتجهيز مجموعة صغيرة من المقاتلين شيء وتجهيزها شيء آخر لبناء جيش وطني من الصفر.

ثانياً، لا يحبذ جميع أصدقاء واشنطن، وخاصة في الشرق الأوسط، العمل مع الـCIA لعدة اعتبارات، وبالرغم من علاقات الحكومات والجيوش في المنطقة مع الجيش الأمريكي فإنه من الصعب جداً أن تتعاون هذه الحكومات مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، التي تتمتع بسمعة سيئة في معظم أنحاء المنطقة.

ثالثاً، نظراً إلى أن لديها موارد أقل من الجيش الأمريكي، غالباً ما تتعرض الـCIA لخطر تجنيد أجانب لم يتم فحصهم بشكل صحيح وينتهي بها الأمر للانخراط في أعمال غير قانونية أو غير أخلاقية، إذ إن السجل السيئ في كثير من الأحيان للشركاء الأجانب الذين يعملون مع وكالة الاستخبارات المركزية بشأن حقوق الإنسان هو مصدر قلق خاص للكونغرس ومختلف المنظمات الحقوقية في الولايات المتحدة.

رابعاً، نظراً إلى أن ضباط الـCIA يعملون في سرية تامة، ولا يمارس الكونغرس عليهم سوى القليل من الرقابة، فمن الصعب تقييم إخفاقات وكالة الاستخبارات المركزية في بناء قدرات الشركاء الأجانب، وعلى العكس تماماً، فإن إخفاقات وزارة الدفاع الأمريكية تنشر للعيان لأن آليات الرقابة التنفيذية والتشريعية عديدة وفعالة في هذا الإطار.

على الرغم من هذه الاختلافات بين الهيكلين من حيث الثقافة والإجراءات البيروقراطية والتعاون الأمني فإن المقارنة بينهما من حيث النجاعة والفعالية أصبحت مطروحة داخل المؤسسات الأمريكية، وخاصة مع نجاح كالة الاستخبارات الأمريكية في إقامة روابط حيوية مع جيوش أجنبية.

نجاعة الـCIA مقابل فشل البنتاغون

على امتداد سنوات، تمكنت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA من وضع مبدأين أساسيين من أجل الحصول على متعاونين سريين والدخول في مهام دهم بشكل صحيح: الأول أن السياسة هي فعل محلي، والثاني أن الناس يقاتلون من أجل عائلاتهم ومعتقداتهم وبقائهم، فبالنسبة إلى الوكالة، يتفوق الالتزام تجاه المجتمع أو الدين بالنسبة إلى الكثيرين، على الالتزام تجاه الأعلام والدساتير الجديدة التي صادق عليها "غرباء جديدون" لا يتمتعون بولاء الجنود الشخصي أو الجماعي، فكان الرهان على هذا في خلق جيوش داخل مثل هذه الأنظمة بطريقة سرية وبعيدة عن بيروقراطية البنتاغون.

كانت هذه الاستراتيجية رداً على أكثر التقديرات تحفظاً في الولايات المتحدة، والتي تشير إلى أن واشنطن أنفقت مئات الملايين من الدولارات على القوات المسلحة اللبنانية في منتصف الثمانينيات، ومليارات لبناء جيوش وطنية في العراق وأفغانستان منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول ، إلا أنها وجدت هذه القوات تنهار كل مرة دون مقاومة.

كان الخطأ الكبير، حسب الخبراء، أن المخطط العسكري الأمريكي الذي يقوده البنتاغون يميل دائماً إلى تولي قوة متكاملة يكون فيها المقاتلون موالين للحكومة المركزية والقادة الذين يخدمون في ظلهم، بغض النظر عن عرقهم أو دينهم أو عشيرتهم، كما أن ترتيب المعركة والاستراتيجية والتكتيكات يتماشى بالمثل مع نقاط القوة والمعايير الأمريكية، بدلاً من تكييفها مع الحقائق الثقافية أو التاريخية أو الجغرافية للمنطقة.

بناء على ذلك، شرعت وزارة الدفاع الأمريكية في تسليح هذه القوة بأسلحة معقدة للغاية ومكلفة لاستخدامها، وغالباً ما تكون غير مناسبة للتضاريس أو تكتيكات العدو (على سبيل المثال، مركبات برادلي القتالية للجيش اللبناني أو مروحيات إم دي 530 للجيش الأفغاني). علاوة على ذلك، لا توجد في كثير من الأحيان طريقة لمراقبة الفساد داخل هذه القوة ولا مدى فاعليتها.

على العكس تماماً، تركز وكالة الاستخبارات المركزية CIA في ثقافتها على الناس وعلاقتهم بالتاريخ والجغرافيا والتقسيم القبلي والعرقي والديني، تعمل الوكالة دائماً على تعيين أشخاص يتقنون التقنية وبارعون في معرفة التاريخ والثقافة المحلية لهذه المناطق، ومع قلة الأشخاص القادرين على هذا الفعل تجد ضباط الـCIA يجندون الكثير من الأجانب من هذه المناطق، كما أنهم يعملون معهم بطريقة مباشرة وميدانية.

رغم أهمية الأسلحة الأمريكية التي توفر لهذه القوات، تجد وزارة الدفاع الأمريكية نفسها أمام مشكلة كبيرة، وهي عدم انسجام هؤلاء المجندين مع القوات الأمريكية وعدم فهمهم لتقنيات القتال لعدة عوائق أهمها اللغة, فعلى الرغم من أن بعض الوحدات المتخصصة والتشكيلات التقليدية في الجيش اللبناني والجيش العراقي قادرة على استعمال الأسلحة الأمريكية، فإنها تشكلت لتكون قوات مشاة خفيفة، ومتكيفة في الغالب مع التكتيكات الأمريكية.

تكلفة أقل وولاء أكبر

في مقابل ذلك، تستفيد برامج وكالة الاستخبارات المركزية من نقاط القوة المحلية وتندمج بشكل نمطي في تكتيكات أكثر تطوراً للبناء عليها بدلاً من استبدالها، ممَّا يجعل السكان المحليين فعالين ومنسجمين معاً.

السلاح الأساسي المفضل لتلك الوحدات التي دعمتها وكالة الاستخبارات المركزية CIA، هو بندقية "كلاشينكوف" الأرخص والأسهل في الاستخدام، طبعاً مع وجود أسلحة أثقل لعمليات معينة مثل المدافع الرشاشة والمضادة للدروع روسية الصنع، ميزة أخرى هي أن الأسلحة وذخائرها المرسلة لتلك القوات هي متوافقة دائماً مع "العدو" وطبيعة المعركة، ويقول الخبراء إنه رغم أفضلية الأسلحة الأمريكية وقوتها فإنها لم تكن ناجعة في أفغانستان على سبيل المثال.

عادة ما تجهز وكالة الاستخبارات المركزية هذه الوحدات بتكلفة أرخص من القوات التي تتشكل تحت ظل البنتاغون ممَّا يساهم في استمراريتها من حيث التسليح والتدريب، إذ أوضح التقرير أن الوحدات الأفغانية التي دعمها البنتاغون كانت تعاني من نقص في الذخيرة والطعام، مع عدم دفع رواتب الجنود في كثير من الأحيان لفترات طويلة من الزمن، وهو ما جعل بعض القادة وكبار الضباط يسرقون الأموال التي تهدف إلى دعم وحداتهم أو سحب رواتب ما يسمى بالجنود الوهميين الذين اختلقوهم لتأمين تمويل إضافي.

إضافة إلى ذلك، تقوم وكالة الاستخبارات المركزية بمراجعة وتكييف المواد والتكتيكات المستخدمة بانتظام لمواجهة التهديدات التي تواجهها الوحدات التي تدعمها، مع قدرتها على السرعة في الاستجابة للمتغيرات في ساحة المعركة، على عكس ثقل حركة الجيش الأمريكي المقيد بالجداول الزمنية واسعة النطاق التي يفرضها الكونغرس عليه.

والأهم من ذلك، يحصل المقاتلون العاملون تحت إدارة الـCIA على رواتب جيدة ومستمرة على عكس المقاتلين الدائمين تحت إدارة البنتاغون.

ليس نهج وكالة الاستخبارات المركزية CIA الأكثر مثالية ولكنه الأقل تكلفة، ففي كثير من الحالات مولت الوكالة أمراء الحرب المفترسين والرجال الأقوياء ممَّا أدى إلى شرخ في الوحدة الوطنية وحتى انعدام الأمن. على سبيل المثال، عندما أطاح تحالف الشمال بحركة طالبان بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول بقليل، هاجمت مليشياتهم قرى البشتون واغتصبت النساء والفتيات وأعدمت المدنيين وسرقت البضائع والأراضي، وهم كانوا مدعومين من الوكالة.

الخلاصة أن وكالة الاستخبارات الأمريكية كانت أنجع من البنتاغون في تشكيل قوات موالية لها في عدة مناطق، وذلك بسبب تركيزها على الثقافات، والأشخاص، والعلاقات، وعدم التقيد بالبيروقراطية على عكس البنتاغون الذي فشل في تكوين أي قوة حتى الآن.

TRT عربي