بعد أن أكملت جزءاً كبيراً من بناء السد، وأتمّت في وقت سابق المرحلة الأولى من تعبئته، بدأت إثيوبيا من جديد المرحلة الثانية من ملء خزان سدّ النهضة، مثيرة بذلك استفزاز دول الجوار، بما أعاد التساؤلات حول المشروع وتكلفته الكبيرة وطريقة تمويل إثيوبيا له.

قبل يوم من انعقاد اجتماع مجلس الأمن لمناقشة تطورات ملف سد النهضة، المقرر الخميس، بطلب من دولتَي مصبّ نهر النيل، مصر والسودان، أعلمت أديس أبابا القاهرة والخرطوم عن انطلاقها فعلياً في المرحلة الثانية من ملء السد، وذلك ابتداءً من يوم الاثنين الماضي.

إلا أن كلاً من مصر والسودان عبّرت في بيان مشترك عن شديد رفضها هذه الخطوة التي تمثّل تصعيداً خطيراً على حد تعبيرهم، واعتبرتها "انتهاكاً للقوانين والأعراف الدولية التي تحكم المشروعات المقامة على الأحواض المشتركة للأنهار الدولية، وخرقاً صريحاً وخطيراً لاتّفاق إعلان المبادئ".

وفي السياق ذاته قدّمَت تونس، العضو غير الدائم في مجلس الأمن، لشركائها في المجلس مشروع قرار يدعو أديس أبابا إلى التوقّف عن ملء خزان سد النهضة.

ويقضي المشروع بضرورة تكثيف المفاوضات والمشاورات بين مصر والسودان وإثيوبيا للتوصل إلى اتفاقية ملزمة لملء السد وإدارته في فترة لا تتجاوز 6 أشهر، على أن تضمن الاتفاقية تمكين إثيوبيا من إنتاج الطاقة الكهرومائية من السد بلا إضرار ببقية دول المصب، لكن إثيوبيا من جانبها عبّرَت عن رفضها تدخُّل جامعة الدول العربية في أزمة سد النهضة، "بما تمثله حسب رأيها من انحياز لمصر والسودان".

لكن مع تسارع الأحداث والتطورات حول السد، تعود إلى الواجهة تساؤلات رئيسية حول مدى قدرة دولة فقيرة بموارد محدودة مثل إثيوبيا، بما تواجهه من أزمات أمنية وسياسية، على أن تملأ سدّاً هائلا، وفي فترات قريبة وبتكلفة ضخمة.

كيف نجحت إثيوبيا؟

بدعوى أنه سيكون المنقذ لأثيوبيا من الفقر، وطريقتها المثلى للنهضة والتنمية، حشدت أديس أبابا الرأي العامّ وعبَّأته لإنجاح مشروع سدّ النهضة كمشروع استراتيجي.

ورغم أنها كانت تُعتبر ثاني أفقر دولة في العالم، وفق إحصائيات نشرت سنة 2000، تمكنت إثيوبيا سنة 2009 من تشييد مشروع أكبر سد كهرومائي في القارة الإفريقية بتكلفة باهضة قُدرت بنحو 5 مليارات دولار.

وبلجوئها إلى المراوغة والمماطلة في التفاوض تمكنت، أديس أبابا من إتمام نحو 70% من مشروع السد وأتمّت المرحلة الأولى من تعبئته بالمياه التي بلغت نحو 4.9 مليار متر مكعب، لتعلن أخيراً خلال الأسبوع الحالي انطلاقها في المرحلة الثانية من ملء السد التي يرجح أن تبلغ نحو 13.5 مليار متر مكعب.

تثير هذه الأرقام دهشة الرأي العامّ، وتساؤله عن كيفية نجاح أديس أبابا في ذلك.

في هذا السياق أعلنت السلطات الإثيوبية عن حملة تمويل محلي، أجبرت على أثرها البنوك على تخصيص 27% من قروضها بفائدة مخفضة لمشروع السد. وفي الوقت ذاته اقتطع جزء من رواتب الموظفين وإطلاق مبادرات للتبرع، فحصدت مبلغاً قيمته مليار دولار.

وإن كانت هذه الجهود المحلية والحكومية كبيرة، فإنها تبقى مع ذلك محدودة جداً أمام المشروع الضخم. وبالتالي فلا بد لأديس أبابا من حلفاء وشركاء لإنجاح الخطوات التي تعتزم القيام بها في ملء السد وإكمال بنائه.

حلفاء إثيوبيا في ملء السد

رغم تجييش كل من القاهرة والخرطوم الرأي العام الدولي ضد مساعي إثيوبيا في ملء وبناء السد، فإن الأخيرة لم تفشل في كسب دعم الحلفاء، وإن كان بعضهم يتحفظ عن إبداء موقفه بشكل صريح من قضية سد النهضة المثير للجدل.

وتقف على رأس هذه القوى الدولية، الصين التي ضخّت استثمارات ضخمة في المشاريع المتعلقة ببناء السد وملئه، من بينها عملية نقل الكهرباء من السد إلى بقية المدن الإثيوبية، كما موّلت شراء المعدات اللازمة لتشغيل السد، لتقدر بذلك الاستثمارات الصينية بنحو 3 مليارات دولار.

بدورها، ورغم ما أبدته من تفهُّم للموقف المصري وما عبرت عنه مساعي للتهدئة وجهود ديبلوماسية، وجهت الولايات المتحدة الأمريكية صندوق النقد الدولي بمنح قروض لمساعدة اقتصاد أديس أبابا، واستثمرت في مشاريع إثيوبية في الوقت ذاته خوفاً من تزايد النفوذ الصيني هناك، وعلى ضوء ذلك بلغت المساعدات الأمريكية المباشرة وغير المباشرة لإثيوبيا نحو 8 مليارات دولار.

ولا يمكن إغفال الدور الخليجي في دعم اقتصاد أديس أبابا، إذ تُعَدّ السعودية ثالث أكبر مستثمر أجنبي في إثيوبيا، بمجموع استثمارات يقترب من 5.2 مليارات دولار، تليها الإمارات بـ3 مليارات دولار.

وقبل أشهر أرسلت الإمارات مساعدات إنسانية إلى إقليم تيغراي الإثيوبي، تتضمن 46 طناً من المواد الغذائية والمستلزمات الصحية، ونقلت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية عن سفير الإمارات لدى إثيوبيا، أن "هذه المساعدات تأتي في إطار توجيهات قيادة الدولة، بتقديم المساعدات الإنسانية والتنموية للشعوب الشقيقة والصديقة".

وأثارت صورة المساعدات الإماراتية غضب رواد مواقع التواصل الاجتماعي بمصر، واعتبرها بعضهم رسالة سلبية واستفزازية للمصريين.

TRT عربي
الأكثر تداولاً