قافلة من المركبات الأمريكية بعد انسحابها من شمال سوريا أكتوبر/تشرين الأول 2019 (Ari Jalal/Reuters)

انتشرت أنباء عن احتمالية انسحاب عسكري أمريكي من سوريا، وذلك على غرار قرار إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن بسحب جميع القوات الأمريكية من أفغانستان، والانتقال رسمياً إلى "دور استشاري" في العراق بحلول نهاية العام.

وتعرّض الرئيس الأمريكي لانتقادات بسبب ظنه خطأ أن بلاده لا تمتلك قوات بسوريا، وأكدت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" أن الولايات المتحدة تملك نحو 900 جندي لا يزالون موجودين بالأراضي السورية.

هل أصبح سحب القوات الأمريكية من سوريا وشيكاً؟

استبعد مسؤول أمريكي رفيع المستوى، في حديثه أواخر شهر يونيو/تموز الماضي لصحيفة "بوليتيكو" الأمريكية، وجود خطة لسحب الولايات المتحدة قواتها من سوريا. مؤكداً أهمية الدور الذي تلعبه تلك القوات منذ تدخلهم في الأزمة السورية عام 2014.

وأردف المسؤول، الذي تحدَّث شريطة عدم الكشف عن هويته: "لا أتوقع أي تغييرات طارئة في الوقت الحالي على المهمة أو الوجود (الأمريكي) في سوريا".

يأتي هذا التصريح في وقت أعلن فيه بايدن ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أن المهمة في العراق ستنتقل من "القتال إلى الاستشارات" بحلول نهاية العام.

مراقبون استبعدوا أن تكون محاربة تنظيم "داعش" هي السبب الرئيسي وراء الوجود الأمريكي المستمر في سوريا، ففي خضم تعدد المصالح الأجنبية في سوريا، باتت للمهمة العسكرية الأمريكية هناك تداعيات واسعة تتجاوز بكثير قتال تنظيم داعش الإرهابي.

ويعتبر ويل تودمان، الزميل بمعهد الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن وجود القوات الأمريكية يهدف في الأساس إلى منع النظام السوري "المدعوم من روسيا من الوصول إلى حقول النفط والموارد الزراعية في شمال شرق سوريا".

ولفت تودمان إلى أن ثمة هدفاً حيوياً آخر لواشنطن من خلال وجودها بسوريا، وهو إعاقة هدف إيران المتمثل في إنشاء ممر جغرافي يربط بين طهران ولبنان والبحر الأبيض المتوسط، وتابع: "الحفاظ على القدرة على عرقلة الجهود الإيرانية لنقل الأسلحة إلى سوريا هو جزء مهم من الوجود الأمريكي هناك"، مؤكداً أن "إيران تستفيد من عدم الاستقرار المستمر في سوريا".

ويشير متابعون للشأن الأمريكي أن هناك فارقاً جوهرياً بين إدارتي ترمب وبايدن في نظرتهم للوضع في سوريا، حيث سعى الأول إلى استبدال بشار الأسد ومن ثَم منع نظامه والفصائل الإيرانية من الاستيلاء على حقول النفط في المنطقة، أما فريق بايدن فيركز بشكل أكبر على الاستقرار وإدارة الصراع.

وبالنظر إلى البعد الجيوسياسي، يزداد الأمر تعقيداً وتشعُّباً في أعين إدارة بايدن، إذ يرى خبراء أن أي تغيير في الموقف العسكري الأمريكي في العراق، من المرجّح أن يعقّد الوضع في سوريا، لا سيما وأن الطريق الرئيسي للولايات المتحدة للوصول إلى قواتها في شرق سوريا يمر عبر الحدود العراقية.

الأمر الذي أقرّه ميك مولروي، المسؤول السابق في البنتاغون لشؤون سياسة الشرق الأوسط، حيث يرى أنه إذا سُحبت "أصول الدعم" الأمريكية التي تأتي من العراق، بما في ذلك إمدادات المعدات والأفراد، "فقد يؤثِّر ذلك على المهمة بسوريا".

ردود فعل عربية متباينة

في مقال له بمجلة "فورين بوليسي"، استعرض نيل كويليام، الخبير المتخصص بشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، المواقف العربية المنتظرة حيال سحب القوات الأمريكية من سوريا، وما ينبني عليه من وضع جديد للنظام السوري.

ويرى كويليام أن بعض الدول العربية بدأت بالفعل "في إخراج سوريا من عزلتها الدبلوماسية"، وذلك إبان تغيُّر المقاربة الأمريكية إزاء الوضع في سوريا، عقب وصول إدارة بايدن إلى الحكم في البيت الأبيض.

وفي الأشهر الأخيرة، عززت دول خليجية، ولا سيما الإمارات والبحرين والمملكة العربية السعودية، انخراطها مع النظام السوري بدرجات متفاوتة، كما ضغطت بعض الدول العربية بالضغط على أعلى المستويات في واشنطن في سبيل تخفيف العقوبات المفروضة على النظام السوري، وفقاً للخبير ذاته.

ويعتبر كويليام أن في ذلك "محاولة لكسب النفوذ في سوريا وقيادة عملية إعادة الإعمار، على الرغم من الفظائع التي ارتكبها النظام وداعموه، فضلاً عن الجهود المتضافرة لفطم سوريا عن تركيا وإيران"، على حد تعبيره.

وتختلف دوافع كل دولة عربية في المبادرات التي اتخذتها تجاه النظام السوري، حيث يعتبر خبير الشرق الأوسط أنها تحركات "تموضع مسبق"، قبل تسوية سياسية وشيكة.

فمن خلال النظر إلى سياسة الرئيس الأمريكي جو بايدن تجاه أفغانستان، والتي تستند إلى شعار "أنجزت المهمة"، فمن المرجح أن العالم يستعد "لخروج أمريكي من سوريا على المنوال ذاته"، وعلى حد تعبير كويليام فإن: "من الصعب العثور على أي شخص في الإدارة الأمريكية يُجادل علناً بأن للولايات المتحدة اليوم مصلحة حيوية في سوريا".

يذكر أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب كان قد عزم على سحب القوات الأمريكية من سوريا عام 2019، غير أنه تراجع عن الأمر بعد معارضة وزارة الدفاع الأمريكية لخطة سحب القوات.

TRT عربي