بعد انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، وسيطرة حركة طالبان على العاصمة كابل من جديد، يتساءل كثيرون إن كانت الولايات المتحدة ستلتزم بتعهداتها بالانسحاب من العراق نهاية السنة الجارية، رغم ما آلت إليه الأمور في أفغانستان.

أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن، عزم الولايات المتحدة إنهاء مهامها القتالية في العراق بتاريخ 31 ديسمبر/كانون الأول القادم، وذلك عقب زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى واشنطن في شهر يوليو/تموز الماضي.

وبينما يترقّب العراقيون، البدء في سحب القوات العسكرية من أراضيهم، ويتباحثون سبل تعزيز التعاون والشراكة مع دول الجوار، وبناء علاقات استراتيجية جديدة مع الولايات المتحدة، يباغت الجميع سيطرة حركة طالبان على العاصمة الأفغانية كابل ومعظم البلاد، واستلامها السلطة في وقت قصير. ليطرح بذلك التساؤل، عن مدى التزام الولايات المتحدة بالوفاء بتعهداتها للحكومة العراقية فيما يتعلق بقرار الانسحاب.

هل يُحبط التهديد الإيراني الانسحاب؟

"لن نكون مع نهاية العام في مهمة قتالية في العراق"، بهذه الكلمات أكد الرئيس الأمريكي جو بايدن خلال لقائه بالكاظمي قرار واشنطن سحب قواتها العسكرية نهاية السنة الحالية، واقتصار مهمتها في العراق على تدريب الجيش العراقي وتقديم التوجيه والمشورة.

وأشاد بايدن في السياق ذاته بقيادة رئيس الوزراء العراقي، وأكد حرص الولايات المتحدة على استقلال العراق ودعم سيادته.

إلا أنّ الانسحاب الأمريكي المزمع البدء فيه قريباً والمتفق عليه من الجانبين، يبدو أنّه لن يكون بشكل كامل، وذلك وفق ما أشار إليه مراقبون ومحللون، معتبرين أنّ الولايات المتحدة تسعى فقط لإعادة ترتيب تواجدها وتعديل مهامها، وستقوم وفق ذلك بخفض عدد جنودها في العراق ولن تقوم بالانسحاب التّام مثل ما حصل بأفغانستان.

ويعتبر كذلك جزء كبير من الخبراء والمحللين، أنه طالما استمر وجود التهديد الإيراني ببسط نفوذه بالعراق عن طريق الميليشيات الشيعية، فإنّ الولايات المتحدة ستستمر بتبرير وجودها، وستلقى دعماً في ذلك وتأييداً من دول الجوار التي تخشى إحكام طهران لسيطرتها على العراق، وترى أنّ القوات الأمريكية تحقق توازناً يردع إيران من مزيد التمدد نحو العراق ومنه إلى بقية دول المنطقة.

وفي الأثناء ورغم التوترات الميدانية، وتداول إمكانية تراجع الولايات المتحدة عن قرار الانسحاب، سعت الحكومة العراقية لتوفير الأجواء الملائمة لبناء علاقات استراتيجية جديدة لها، ولتحقيق ذلك وجهت بغداد الدعوة إلى حوالي 14 دولة من بينها دول الخليج والولايات المتحدة للمشاركة في مؤتمر دول جوار العراق، المرتقب انطلاقه آخر شهر أغسطس/آب الجاري، الذي تسعى عبره لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع دول الجوار وفتح أبوابها أمام الاستثمارات، وخاصة لإقامة مشاريع في المناطق المتضررة من الحرب ضد تنظيم "داعش" الإرهابي.

حقيقة الوجود الأمريكي بالعراق

بزعم تدمير أسلحة الدّمار الشامل التي تُخفيها حكومة الرئيس السابق صدّام حسين، غزت الولايات المتحدة العراق بنحو 125 ألف جندي أمريكي في عام 2003 وأسقطت النظام العراقي، ثم بدأ خفض الجنود بعد ذلك منذ عام 2009 أي في فترة حكم الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.

ولكن مع ظهور تنظيم داعش الإرهابي، سنة 2014، وعدم تمكّن الجيش العراقي من مواجهته استمرت القوات العسكرية الأمريكية بالوجود على الأراضي العراقية، وقُدّر حينها عدد الجنود الأمريكيين بحوالي 5 آلاف جندي. ومع التغلّب على التنظيم الإرهابي، وبدء الأمور بالاستقرار نسبياً، قرر الرئيس الأمريكي جو بايدن خفض عدد الجنود ليصل نحو 2500 جندي أمريكي يتولّون مهمة التدريب والاستشارة للجيش العراقي، وبدأ بذلك دور القوات الأمريكية يتقلّص تدريجياً في العراق.

ولكنّ خبراء ومحللين عراقيين، يرون في القرار الأمريكي مؤخراً بانسحابها وباستبدال دورها بالاستشاري، مجرّد تمويه وأنّ الولايات المتحدة لن تغادر العراق الذي تعتبره مركزاً لمواجهة التمدد الشرقي (الصيني والروسي والإيراني). وبالتالي يرجّح كثيرون أنّ الولايات المتحدة لن تبتعد عن العراق كثيراً، وستواصل الترويج لانسحاب "جزئي" منه.

TRT عربي