تركيا (صحيفة يني شفق التركية)

في ظل تصدُّر ملفّ صراع الغاز الطبيعي الدائر شرق البحر الأبيض المتوسط للمشهد السياسي والعسكري في المنطقة، فضلاً عمَّا يتبعه من تغيُّر في القوى والتحالفات، كان لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، دور كبير في تغيُّر كفة القوى لصالح تركيا ضد التحركات اليونانية المدعومة من بعض الدول الغربية.

واليوم يُجري الطرفان التركي والمصري مباحثات من أجل رأب الصدع وتحسين العلاقات بعد انقطاعها لقرابة 8 سنوات، والعودة بالعلاقات الدبلوماسية والتجارية إلى سابق عهدها، ويُعتقد أن يتصدرها توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بين البلدين على غرار الاتفاقية التي وُقّعت مع ليبيا أواخر عام 2019، والتي من شأنها فور حدوثها أن تقلب جميع الموازين لصالح أنقرة في صراع الغاز الدائر شرق المتوسط.

هذه التطورات المتتالية فتحت الباب واسعاً حول مدى إمكانية توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بين تركيا وفلسطين، خصوصاً بعد ظهور أصوات تركية تقترح توقيع اتفاقية مشابهة لتلك التي وُقّعت مع حكومة الوفاق الليبية بقيادة السراج، لكون فلسطين دولة لها حدود بحرية على البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى كونها عضواً في منتدى غاز شرق المتوسط.

مواقف حذرة

صرّح سفير دولة فلسطين في أنقرة فائد مصطفى، مبدياً استعداد السلطة الفلسطينية للتفاوض بشأن توقيع صفقة ترسيم حدود بحرية مع تركيا والتعاون مع أنقرة في الموارد الطبيعية في شرق البحر المتوسط، إذ قال في مقابلة مع صحيفة "أيدينليك" التركية إن "فلسطين منفتحة على جميع الأفكار لتطوير العلاقات مع تركيا، بما فيها إبرام اتفاقية المنطقة الاقتصادية الخالصة معها".

وردّاً على تصريحات السفير، أصدرت وزارة الخارجية الفلسطينية بياناً أكدت فيه أن تصريحات سفيرها لدى تركيا "أُخرِجَت من سياقها، ونسبت إليه ما لم يقصده"، مؤكدةً أن لدى دولة فلسطين "علاقات وثيقة مع دول البحر المتوسط، بما فيها اليونان وقبرص وتركيا، وحرصها في الحفاظ على حسن تلك العلاقات وتطويرها"، وشدّدَت على "أنه لا يوجد حالياً أي اتفاقيات يجري بحثها مع أي من هذه الأطراف"، مضيفة أن علاقاتها مع دول الجوار مستندة إلى "حسن الجوار والقانون الدولي".

في السياق ذاته تسعى الحكومة الفلسطينية للبعد عن الصراعات الإقليمية، إذ تهدف إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع كل أطراف الصراع في المنطقة، فضلاً عن عدم قدرتها على تحمُّل خسارة أي من الداعمين لها، وبطبيعة الحال تركيا التي تُعَدّ أقواهم، خصوصاً أنها تخوض حرباً شرسة مع إسرائيل في ملفات عدة، أبرزها الاستيطان بالضفة الغربية والتهويد في القدس الشرقية وحرب وحصار غزة، إذ إنها لا تريد الخوض في صراعات تشغلها عن معاركها الحقيقية.

يُذكَر أن السلطة الفلسطينية كانت انسحبت في سبتمبر/أيلول الماضي من منظمة إقليمية تُعنى بإنشاء سوق إقليمية للغاز وترشيد تكلفة البنية التحتية وتقديم أسعار تنافسية، على الرغم من مشاركتها بمنتدى غاز شرق المتوسط الذي أُسّس عام 2019، وجاء الانسحاب بعد محاولات الدول المشاركة في المنظمة لخلق تكتُّل لإزاحة تركيا من خريطة التنقيب عن الغاز في مياه المتوسط، فضلاً محاولات تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول خليجية.

حملة جديدة على رقعة الصراع

منتصف العام الماضي، مثّل اقتراح الأميرال جهاد يايجي، أحد أهمّ مهندسي مفهوم "الوطن الأزرق"، نقلة استراتيجية جديدة على رقعة خرائط صراع الغاز الطبيعي شرق المتوسط، من شأنها قلب موازين القوى لصالح تركيا بشكل كامل، إذ عرض على الحكومة التركية توقيع اتفاقية ترسيم للحدود البحرية بين تركيا وفلسطين، على غرار تلك الموقَّعة مع الحكومة الليبية السابقة أواخر عام 2019.

وبعد الأحداث الأخيرة في القدس وهجمات إسرائيل على غزة، تحولت الأنظار إلى فلسطين مرة أخرى، إذ أشار يايجي من خلال تصريحاته لصحف تركية إلى أنه أنهى العمل على مقترح الاتفاقية البحرية بين تركيا ودولة فلسطين، وقال: "توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع فلسطين من شأنه زيادة قوة السلطة الفلسطينية على الساحة الدولية".

وذكر يايجي أن الاتفاقية البحرية التي وقّعَتها اليونان مع إسرائيل عام 2010 لم تشمل دولة فلسطين وقتها، ولفت إلى أن الاتفاقية لم تغتصب حقوق الفلسطينيين وحسب، بل اعترفت بحق دولة فلسطين في منطقة بحرية صغيرة خاصة بها، مقابل شاطئ قطاع غزة، وأكد ضرورة مساعدة دولة فلسطين من أجل أخذ حقوقها بالكامل من موارد الطاقة الطبيعية في قعر البحر الأبيض المتوسط، حالها كحال بقية الدول التي تطلّ على البحر الأبيض المتوسط، فضلاً عن أن الاتفاقية ستسرّع عملية الاعتراف الدولي بفلسطين، ودعمها سياسياً بصورة أقوى.

هل ذلك ممكن في ظل الاحتلال الإسرائيلي؟

حركة حماس من جانبها رحّبَت بفكر توقيع مثل هذه الاتفاقية مع تركيا، إذ أشار رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، خلال لقائه التليفزيوني مع قناة "خبر ترك" نهاية الشهر الماضي، إلى أن توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بين تركيا وفلسطين أمر ممكن، وألمح إلى ضرورة نقاش هذا الموضوع بمشاركة دول المنطقة، في إشارة منه إلى مصر.

وفي حال تقرر توقيع مثل هذه الاتفاقية، فمن الضروري حلّ الخلافات الداخلية في فلسطين قبل المضيّ بأي خطوة، وأكد يايجي هذه الخطوة عند سؤاله إن كان ذلك ممكناً، إذ أجاب: "نعم، يمكن حدوث اتفاقية ترسيم حدود بين تركيا وقطاع غزة، ولكن يجب أولًا أن يكون في فلسطين سلطة واحدة ذات سيادة على غزة وباقي الأراضي الفلسطينية".

وفي السياق ذاته أكّد يايجي حق دولة فلسطين في توقيع اتفاقية بحرية مع تركيا، وذلك لكونها عضواً في منتدى غاز شرق المتوسط، إذ إن العضوية بمثابة الاعتراف بفلسطين ككيان دوليّ يمتلك ساحلاً مطلّاً على شرق المتوسط، وضرب باتفاقية ترسيم الجرف القاري مع جمهورية قبرص الشمالية الموقعة عام 2011 مثلاً على ذلك، لكون جمهورية قبرص ليست عضواً في الأمم المتحدة، ولا أحد يعترف بوجودها غير تركيا.

وحسب الوثائق والخرائط والإحداثيات التي قدّمتها دولة فلسطين للأمم المتحدة استناداً إلى حدود عام 1967، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، فإن دولة فلسطين تملك حدوداً بحرية تمتدّ من بيت لاهيا شماليّ قطاع غزة، إلى محافظة رفح جنوباً، بعمق 200 ميل بحري في المتوسط.

TRT عربي
الأكثر تداولاً