أعادت حادثة اقتحام رئيسة حزب "الدستوري الحر" عبير موسي مقر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المرخَّص له بالنشاط في تونس واحتجاز أعضائه رهائن، المخاوف من مخطَّط لبثّ الفوضى والدعوة إلى التقاتل بين أفراد الشعب، عبر إذكاء معركة الاستقطاب الآيديولوجي.

في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 أصدر القضاء التونسي قراره رفض الدعوى التي قدّمتها عبير موسي رئيسة حزب "الدستوري الحر" سليل نظام المخلوع بن علي، لوقف نشاط الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين فرع تونس. لكن رئيسة الحزب وأنصارها ضربوا بالقرار عُرض الحائط واعتصموا أمام مقر الاتحاد ونصبوا الخيام، لتتواصل المشاحنات والاستفزازات وتبلغ أشُدَّها مساء الثلاثاء باقتحام موسي وأنصارها مقر الحزب تحت حماية الأمن الرئاسي، واحتجاز أعضاء الاتحاد من النساء والرجال رهائن لأكثر من عشر ساعات.

التطورات المتلاحقة، واستنجاد رئيس الفرع برئيس الجمهورية والحكومة والبرلمان عبر فيديوهات من داخل المقرّ المحاصَر، دفعت قيادات سياسية وحزبية إلى إطلاق صيحة فزع والتحذير من بذور حرب أهلية من خلال إذكاء الاستقطاب الآيديولوجي الذي تخطّط له رئيسة الدستوري التي تجاهر بعدائها للثورة وللأحزاب والجمعيات ذات الانتماء الإسلامي، في وقت تعيش فيه البلاد على وقع أعنف أزمة اجتماعية وسياسية بلغت مرحلة القطيعة والصراع المعلن على السلطة بين رأسَي السلطة التنفيذية.

انطلق نشاط الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في تونس بعد الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وحُصل على التأشيرة القانونية للنشاط والتنظم الجمعياتي، وذلك بعد سنوات من حظر النظام السابق لأي تنظم حزبي أو جمعياتي ذي نفس أو مرجعية دينية، ويقول الدكتور لطفي العمدوني عضو مجلس إدارة الاتحاد العالمي، في تصريح لـTRT عربي، إن الجمعية تخضع منذ بدء نشاطها لمراقبة الهيئات الرقابية الحكومية لنشاطها المالي والإداري والتربوي، مندداً بما وصفه بـ"بلطجة حزب الفاشية وأنصارها من خلال اقتحام مقر جمعية تنشط بشكل قانوني واحتجاز أعضائها رهائن".

يشدّد العمدوني على أن نشاط الجمعية بعيد كل البعد عن أي جهة حزبية وليس له علاقة بأي تنظيم سياسي، وأن عملهم يراقبه أكثر من وزارة، من بينها وزارة الداخلية، كما يرفض جملةً وتفصيلاً محاولات بعض الأطراف السياسية إلصاق صفة الإرهاب بالجمعية التي منحها القضاء الحقّ في التنظم والنشاط القانوني منذ 2011.

ويرفض العمدوني جميع محاولات تشويه الجمعية، ويقول إنها منارة إسلامية تسعى لنشر الفكر الإسلامي الوسطي المعتدل، ولها فروع في عشرات الدول العربية والغربية، محذراً من مخطط فوضى تجهّز له رئيسة "الدستوري الحر" عبير موسي بدعم من جهات خارجية، من خلال تغذية معارك الاستقطاب الآيديولوجي، ودعا في المقابل السلطات إلى التدخل لتمكين أعضاء الجمعية من استئناف نشاطها وفض اعتصام حزب "الدستوري الحر".

وتتحجج رئيسة الدستوري الحر عبير موسي عبر دعوتها إلى إغلاق مقرّ اتحاد علماء المسلمين في تونس، بكونه يتعارض مع مدنية الدولة، وبممارسته التكفير والإرهاب، فيما يرى خصومها أنها تهم دون أي دليل حسم فيها القضاء وقال كلمته، وبأن موسي مكلَّفة تدميرَ التجربة الديمقراطية في تونس بدعم من جهات خارجية تُكِنّ العداء للثورة التونسية، مرة عبر ترذيل البرلمان وممارسة البلطجة داخله، ومرة من خلال الاستثمار في تقسيم الشعب التونسي عبر تحريك المعارك الآيديولوجية.

اقتحام أنصار حزب الدستوري الحر لمقر اتحاد علماء المسلمين في تونس (Others)

وفي هذا الصدد يحذّر القيادي في حزب ائتلاف الكرامة عبد اللطيف العلوي، في حديثه لـTRT عربي، مما وصفه بـ"مخطَّط عنف ومشروع احتراب أهلي تخطّط له عبير موسي بعد أن فشلت في معركتها القضائية لإغلاق مقر الاتحاد، وتجييش الشارع بهدف المرور نحو الصدام".

ولفت إلى أن المعركة التي يتبناها حزبه لا تتعلق بالجمعية ذاتها، بل بمدى تطبيق الأحزاب والحكومات قرارات قضائية، والامتثال للقانون، معتبراً أن غياب أي تدخل من رئاسة الحكومة أو رئاسة الجمهورية لفضّ الصراع ينبئ بعجز الدولة أمام التنظيمات الفاشية، حسب تعبيره.

من جهته علّق رئيس الحكومة هشام المشيشي في تصريح إعلامي محلي على دعوات حزب "الدستوري الحر" بإغلاق فرع اتحاد علماء المسلمين بتونس، بالقول إنها "مسألة قضائية، ولا يحقّ لأحد التدخّل في هذا الموضوع سوى النيابة العمومية".

قيادات سياسية حذّرَت من بذور حرب أهلية ومشروع لبثّ الفوضى تخطّط له رئيسة "الدستوري الحر"، إذ حذّر أمين عامّ الحزب الجمهوري عصام الشابي في تدوينة عبر صفحته الرسمية على فيسبوك مما وصفه بـ"عربدة رئيسة الدستوري الحر، واقتحامها مقر فرع اتحاد علماء المسلمين بالقوة"، مشدداً على أنالدولة وحدها مسؤولة عن تطبيق القانون وحماية الأشخاص والممتلكات.

رئيس الجمهورية السابق المنصف المرزوقي دعا إلى حظر نشاط حزب "الدستوري الحر"، معتبراً في تدوينة أنه حزب مُعادٍ للديمقراطية، عبر سعيه المتواصل لشلّ عمل البرلمان، وعبر خطاب الحقد والكراهية والاستئصال الذي يبثّه لزرع الفتنة بين الشعب الواحد، وعبر تمرُّده على القانون.

القيادي في حركة النهضة والنائب في البرلمان نور الدين البحيري، أطلق بدوره نداءات استغاثة، محذراً من تبعات اقتحام حزب "الدستوري الحر" مقر جمعية قانونية واحتجاز أعضائها، معتبراً أن ذلك يمثّلتهديداً جدّياً لأرواح التونسيين ولسلامتهم الجسدية وللسلم الاجتماعي، داعياً النيابة العمومية والأمن والحكومة ورئاسة الجمهورية إلى التدخُّل العاجل لإنفاذ القانون ومعاقبة المخالفين قبل فوات الأوان.

من جهته أدان الأمين العامّ للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين علي القره داغي، عبر سلسلة من التغريدات نشرها الاتحاد عبر حسابه الرسمي على تويتر، اقتحام أنصار حزب "الدستوري الحر" ورئيستهم عبير موسي فرع المنظمة بتونس، واصفاً إياه بأنه "عمل إجرامي مُدان وتصرُّف جبان ومخالف للديمقراطية وبلطجة وإرهاب للمؤسسات المدنية"، ولفت إلى أن الاتحاد هومقرّ للعلم والتعليم لا مقرّ سياسي.

يشار إلى أن حادثة الاقتحام التي نفّذتها عبير موسي خلّفت موجة من الاستياء والتنديد والاستنكار المحلي والعربي، عبر تدوينات وتغريدات لنشطاء وقيادات ونخب فكرية وسياسية حذرت من عودة الثورة المضادة ومن مخططات لوأد الثورة التونسية.

وقفة تضامنية أمام فرع اتحاد علماء المسلمين في تونس (Others)

أنصار الثورة من نشطاء وقيادات حزبية، في مقدمتهم حزب ائتلاف الكرامة، تمترسوا بدورهم أمام مقر الاتحاد، بعد أن لَبَّوا نداء الاستغاثة الذي أطلقه أعضاء الفرع بتونس، وسط إجراءات أمنية مشدَّدة وتبادُل للاتهامات والشعارات بينهم وبين أنصار عبير موسي.

وكانت قوات الأمن طبّقت ليلة الخميس بعد مطالبات شعبية وسياسية، القانونَ بفضّ اعتصام "الدستوري الحر" وإزالة الخيام بالقوة من أمام مقر اتحاد علماء المسلمين.

TRT عربي