بعد إعلان الحكومة المؤقتة في أفغانستان بقيادة حركة طالبان تبنيها الدستور الملكي لعام 1964، تسلَّط الأضواء على أهم ما جاء في هذه الوثيقة الدستورية من بنود وقوانين وعلى سبب العودة إليه مجدداً.

أعلن وزير العدل بالإنابة في الحكومة المؤقتة في أفغانستان عبد الحكيم شريعي، عقب لقائه مع السفير الصيني في كابل وانغ يو، يوم الثلاثاء 28 سبتمبر/أيلول الجاري، بأن: "الإمارة الإسلامية ستتبنى دستور عهد الملك الأسبق محمد ظاهر شاه مؤقتاً".

وأضاف المولوي عبد الحكيم شريعي قائلاً في البيان الرسمي الذي نشرته الوزارة في السياق نفسه: "علاوة على ذلك، سيجري احترام القوانين والمواثيق الدولية التي لا تتعارض مع مبادئ الشريعة والإمارة الإسلامية".

وبينما كانت أفغانستان قد مرت في تجربة الحكم بثمانية دساتير، تعود اليوم حكومة طالبان إلى دستور من القرن العشرين، ليثار الجدل عن أسباب ذلك، وعما إذا كانت فصول الدستور تتسق مع الوعود والالتزامات التي تعهدت بها الحركة للشعب الأفغاني والتطمينات التي قدمتها للمجتمع الدولي، قبل تشكيلها الحكومة المؤقتة.

آخر ملوك أفغانستان ومؤسس الدستور الملكي

في الوقت الذي مازالت فيه حركة طالبان ترتب أوراقها في إدارة الحكم في أفغانستان، منذ تعيينها لتركيبة حكومة مؤقتة، عقب استعادتها الحكم وإطاحتها بالرئيس أشرف غني، تكشف مؤخراً عن الرؤية الدستورية التي تتبناها وتعلن عن اعتمادها بشكل مؤقت للدستور الملكي لعام 1964 للملك الأفغاني الأسبق محمد ظاهر شاه، وذلك باستثناء الفصول التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية.

وظاهر شاه خريج المدرسة العسكرية الفرنسية، هو آخر ملوك أفغانستان الذي استلم الحكم عن عمر يناهز 19 عاماً واستمر على كرسي السلطة طيلة 40 عاماً، قبل أن يسقط نظامه السياسي عام 1973.

وتميزت فترة حكم الملك الراحل بازدهار اقتصادي ونهضة عمرانية وانفتاح دولي، وحرص ظاهر شاه على خط سياسات معتدلة لبلاده جنبتها الخوض في الحرب العالمية الثانية إلى جانب عدد قليل من الدول. وتشير عدة مصادر تاريخية إلى أنه كان متأثراً بالمدرسة الغربية. ولعل من بين أهم ما دعا إليه الملك الأفغاني وكفله الدستور لاحقاً، تحرير المرأة الأفغانية وضمان مشاركتها في الحياة السياسية، حتى أن ابن عمه محمد داوود، الذي عينه في وقت لاحق رئيساً للوزراء واستعان به في إدارة الحكم، قد أطلق في ذلك الوقت برنامجاً للإصلاح الاجتماعي، يمنع ما يسمى "بالبورده" أي إجبار النساء على الحجاب.

وصدر بعد ذلك عام 1964، أي خلال فترة حكم الملك محمد ظاهر شاه، وبمبادرة منه الدستور الملكي الجديد، الذي تنفض عنه الغبار اليوم حكومة طالبان الجديدة للاستناد عليه في إدارة الحكم بشكل مؤقت.

تقاطع واختلاف بين دستور ظاهر شاه وحكم طالبان

يؤكد خبراء في القوانين الدستورية، أن دستور عام 1964 قد كرس الديمقراطية ونظمت بناء عليه انتخابات برلمانية واسعة في سبتمبر/أيلول 1965 شاركت فيها جميع الأحزاب وأقر حقوق المرأة وضمن مشاركتها الفعلية في الحياة السياسية.

وبينما كانت طالبان خلال فترة حكمها السابقة، في الفترة الممتدة من 1996 إلى 2001، مستبعدة للمرأة من المشاركة السياسية وتطالها انتقادات داخلية ودولية في تعاطيها مع ملف المرأة الأفغانية، تلجأ اليوم بعد طمأنتها للجميع، إلى دستور 1964 الذي يكفل حق المرأة الأفغانية في أن تكون عنصراً فاعلاً في المجتمع وفي الحياة السياسية.

وقد مرت البلاد بعدة دساتير، طيلة قرن من الزمن حتى وصل عددها إلى 8 دساتير، ولم يكن لطالبان دستور في السابق تحكم وفقه، بل إنها أدارت الحكم حينها من خلال مراسيم تستند إلى رؤيتها للشريعة. وعقب الإطاحة بطالبان عام 2001، جرى الاعتماد على دستور 1964 مجدداً، ثم أصدر بعد ذلك دستور جديد عام 2004.

وتعود اليوم طالبان مجدداً لسن الدستور الملكي للملك الراحل ظاهر شاه، مع التحفظ على بعض البنود التي جاءت فيه دون أن تفصل في ذلك. واعتبر خبراء ومحللون أن هذه الخطوة ربما تسعى عبرها طالبان إلى كسب تأييد واسع من المجتمع الأفغاني وبث رسائل طمأنة لبقية الدول التي أفصحت طالبان مراراً عن رغبتها في إرساء علاقات دبلوماسية جيدة معها.

ويثير هذا الغموض فيما يتعلق بمستويات تطبيق قوانين الدستور التي تعتزم طالبان تنفيذها، عدة تساؤلات. وفي هذا السياق يعتبر خبراء ومحللون أن ثمة تشابهاً بين نظام حكم طالبان وبين ما جاء في دستور ظاهر شاه، الذي يقر بأن رئيس الوزراء هو من يدير شؤون البلاد، و بدورها طالبان أعلنت في الاتجاه نفسه، أن زعيم طالبان له القرار الأخير.

إضافة إلى التقاطع في تركيبة الحكومة وهياكل الحكم، إلى جانب الاتفاق على اعتماد المذهب الحنفي أساساً للفصل في جميع القضايا المتعلقة بالبلاد وتأكيد أن الدين الإسلامي هو دين البلاد. وتبقى بالرغم من ذلك عدة مسائل وتفاصيل محل اختلاف وجدل، يترقب الجميع مزيداً من الإفصاح والتوضيح من المسؤولين الحاليين لرسم معالم القوانين التي ستدير طالبان وفقها الحكم بناء على دستور 1964.

ولا يمكن تجاهل نقطة مهمة تعتبر من أهم المآخذ على فترة الملك محمد ظاهر شاه ودستوره حينها، الذي نص في المادة 34 على مجموعة من القيود والشروط الصارمة على نشاط الأحزاب السياسية، التي أدت حينها إلى احتقان شعبي دفع إلى انقلاب عسكري ضد الملك عام 1973 وإرساء النظام الجمهوري بعد ذلك.

TRT عربي