القوات الأمريكية بسوريا (Staff Sgt. Joshua Hammock/AP)

أثارت صور الانسحاب الأمريكي المتسرّع والمرتبك من أفغانستان ذُعراً داخل صفوف تنظيم YPG/PYD الإرهابي، إذ بدا لهم أنّ واشنطن على استعداد للتخلي عن حلفائها في أي لحظة، دون أن تلقي بالاً للفوضى المترتبة على انسحابها، ولمصير من كان حليفاً لها بالأمس القريب.

وتحاول قيادات تنظيم YPG الإرهابي تجنّب مشهد تعلّق الأفغان الساعين للفرار من بلادهم عقب سيطرة طالبان عليها، بالطائرات العسكرية الأمريكية وقت إقلاعها من مطار كابل وسط عمليات الإجلاء الأمريكية في النصف الثاني من شهر أغسطس/آب الماضي، ومن قبل ذلك ما تكبّده الفيتناميون من حالة دمار وفوضى وهلع عقب سقوط سايغون عام 1975 في يد الجيش الفيتنامي الشمالي إبّان الهروب الأمريكي.

ويذهب مراقبون إلى أن تكرار ذلك المشهد المرعب بات وشيكاً لعناصر YPG الإرهابي المتمركزة بمناطق الشمال السوري، إذ بدأ الحديث عن عدة سيناريوهات محتملة، في حال مُضي واشنطن قدماً في توجهها الجديد بإنهاء عملياتها العسكرية العابرة للبحار، لا سيما غير المُجدي منها.

إرباك وذعر داخل مليشيات YPG الإرهابي

لم تُخفِ "الإدارة الذاتية"، وهي الجناح السياسي لمليشيات YPG الإرهابي، مخاوفها مراراً من "غدر أمريكي" حال قرّرت إدارة بايدن سحب قواتها على حين غرّة، وتحدثت على ألسنة قادتها عن ذعر متزايد إزاء تكرار سيناريو أفغانستان.

وأعرب نائب الرئاسة المشتركة للتنظيم الإرهابي بدران جياكرد، عن قلقه مطلع الشهر الجاري، قائلاً: "أي انسحاب أمريكي دون توافق سياسي مع الأطراف الفاعلة والسوريين قد يؤدّي إلى خلق فوضى عارمة.. الانسحاب الأمريكي من أفغانستان خلق على مستويات مختلفة، نوعاً من القلق لدى حلفاء واشنطن في المنطقة، ما سيؤدّي إلى زعزعة الثقة بين الطرفين".

ونشرت صحيفة "واشنطن بوست" تقريراً عن مقابلة أُجريت خلال شهر أغسطس/آب الماضي مع الإرهابي الملقّب بـ"مظلوم كوباني"، وهو القائد العسكري لمليشيات YPG، جاء فيه أنّ الأخير "يراقب بحذر الانسحاب الأمريكي من أفغانستان"، متمنّياً ألّا يلقى تنظيمه المصير نفسه.

وبدا "كوباني" متخوّفاً من ذلك السيناريو، حين علّق على "الذكريات المريرة لبدايات الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا"، عندما قرر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب عام 2018، سحب ألفي جندي أمريكي ممن كانوا يقدّمون دعماً للتنظيم الإرهابي، قائلاً: "إن أثر ذلك سيدوم للأبد"، حسب تقرير الصحيفة الأمريكية.

"العودة إلى نظام الأسد"

حاول قائد مليشيات YPG الإرهابي طمأنة اتباعه متحدثاً عن "طمأنة وصلته من مسؤولين أمريكيين"، إذ زعم أن: "زيارات المسؤولين الأمريكيين للمنطقة بعد قرار الانسحاب (من أفغانستان)، حملت رسالة مفادها بأن لا نية لواشنطن في تغيير سياستها في سوريا".

وفي هذا الصدد، يشير متابعون إلى أنّ تصريحات الإرهابي "كوباني" هي محاولة غير مجدية للتمسّك بأمل ألّا تتخلى عنه أمريكا، معلّلين بذلك أن الرئيس الأفغاني أشرف غني نفسه زار واشنطن قبيل الانسحاب الأمريكي، وعاد بطمأنة مماثلة.

وفي خطوة استباقية لما يمكن أن يحدث حال انسحاب أمريكي من الأراضي السورية، ذهبت إلهام أحمد الرئيسة المشتركة الذراع السياسية لمليشيات YPG الإرهابي، إلى أنّ خيار التنسيق مع رئيس النظام السوري بشار الأسد بات هو الخيار الوحيد أمام تنظيمها الإرهابي.

ونقل "تلفزيون سوريا" المعارض عن مصادر محليّة، أن حواجز عديدة لتنظيم YPG انسحبت مؤخّراً من مناطق كثيرة في ريف دير الزور والحسكة والرقة، وهو ما يعكس وجود خطة متفق عليها بين التنظيم الإرهابي وروسيا والنظام السوري، كي تدخل قوات الأخير إلى تلك المناطق "لملء الفراغ الأمريكي المتوقع حدوثه، كما جرى في تشرين الأول 2019".

وأضافت المصادر أن نحو 11 حاجزاً من أصل 13 حاجزاً تابع للتنظيم الإرهابي على طريق الرقة-دير الزور، "جرى سحبها بالكامل، إضافة إلى سحب حاجز رئيسي على مفرق معشوق (طريق القامشلي - القحطانية)".

هل بات الانسحاب الأمريكي من الشمال السوري وشيكاً؟

في ضوء توجّه واشنطن الجديد تحت إدارة جو بايدن، المناوئ للوجود العسكري الأمريكي ومشاركة القوات الأمريكية في نزاعات خارج حدودها، بالأخص خطابه إبّان سحب القوات الأمريكية من أفغانستان، والتي استندت إلى شعار "أنجزت المهمة"، وإضافة إلى انتقال الولايات المتحدة رسمياً إلى لعب "دور استشاري" في العراق بحلول نهاية العام، يذهب مراقبون إلى أنّه من المرجّح أن تتخذ واشنطن قراراً في الانسحاب من سوريا على المنوال ذاته.

وحسب مقال له نُشِر بمجلة "فورين بوليسي"، يرى نيل كويليام الخبير المتخصص بشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أنّه: "من الصعب العثور على أي شخص في الإدارة الأمريكية يُجادل علناً بأن للولايات المتحدة اليوم مصلحة حيوية في سوريا".

ورغم تذرّع البيت الأبيض بأنّ دعمه تنظيم YPG يأتي في إطار محاربة تنظيم "داعش" الإرهابي، فإن خبراء يؤكّدون انتفاء هذا الدعم، فمنذ فترة طويلة لم تشارك القوات الأمريكية المؤلّفة من نحو 900 جندي في أي تدريبات عسكرية لمليشيات YPG الإرهابي.

ويذهب الخبراء إلى أن العوامل السابقة ستضفي في نهاية المطاف إلى سحب أمريكا قواتها من الشمال السوري، وهو ما يُنذر بكابوس للمليشيات العسكريّة التابعة لتنظيم YPG الإرهابي، لا سيما مع عدم حصولهم على حاضنة شعبيّة، وتذمّر أهالي تلك المناطق من سوء معاملة التنظيم الإرهابي لهم واعتقاله أبناءهم.

TRT عربي